رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في حالات نادرة في التاريخ، تتمكن الدول الصغيرة من حيث المساحة من اكتساب نفوذ هائل في الشؤون الإقليمية والدولية وتكون قادرة على التأثير فيه وتغيير مسار الأحداث. ذلك ينطبق اليوم على دولة قطر والتي برزت كلاعب إقليمي له دور هام في المنطقة. إذ تُعدّ من أكثر الدول تميّزاً في الشرق الأوسط، فقد تحولت إلى نموذج متفرد على المسرح العالمي، في كونها دولة حيوية ومؤثرة في محيطها؛ لأنها وضعت معايير بارزة ومؤشرات قياسية واضحة والقيام بالمبادرات والمشاريع الكبيرة والجريئة. يتحدث كتّاب ومثقفون «للشرق» عن دور دولة قطر في حلّ الكثير من الصراعات الإقليمية والدولية عبر طريق الدبلوماسية. من أجل الوصول إلى مرحلة من الاستقرار العالمي، وتجنب مزيد من التوترات والحروب.
نموذج متفرّد
عَملت دولة قطر منذ استقلالها في عام 1971م، على تحقيق تطور لافت للنظر تنموياً وسياسياً وإنسانياً في جميع المجالات. تجسدها اليوم على أرض الواقع سواءً بالنسبة للداخل القطري أو في علاقاتها الإقليمية والدولية. ويقول الأكاديمي السوري الدكتور محمود الحمزة المقيم في موسكو «إنَّ السياسة الخارجية القطرية تميّزت في السنوات الأخيرة بنشاط وفاعلية ملحوظة خاصةً التوسط بين أطراف النزاع في المنطقة والعالم، حيث قامت بمصالحات مهمة من خلال المؤتمرات وجلسات الحوار بين الأطراف المتنازعة». وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدور الريادي والدبلوماسي القطري كان محورياً من خلال المساهمة الفعّالة في تحقيق السلام العالمي من خلال فض النزاعات الإقليمية. وبدوره يقول الدكتور محجوب الزويري أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في جامعة قطر «إنَّ قبول أطراف صراعات متعددة في بقاع متعددة بدولة قطر وسيطاً هذا دليل مصداقية السلوك القطري في السياسة الخارجية، حيث تطرح نفسها كوسيط نزيه، هدفه الأساسي الوصول إلى مرحلة من الاستقرار العالمي والإقليمي، وتجنب مزيد من التوترات والنزاعات والصراعات والحروب».
القوة الناعمة
برعت الدوحة في استخدام منهجية محنكة في مجال السلطة اللينة حيث تعتز بثقافتها التي أرادت من خلالها فتح مسارات مختلفة مع مختلف شعوب العالم، مستفيدة من مواردها النفطية والغازية الغنية ومفهوم متجدد للعلاقات الدولية والتعامل مع القوى الكبرى عالمياً وإقليمياً، مما سمح لها بإقامة روابط ثابتة مع الكثير منها بما فيه القيام بدور الوسيط في عدد من النزاعات في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم. ويُعلق الدكتور محمود الحمزة على تلك الجهود في إحلال السلام في مناطق مختلفة من العالم بقوله «تقوم دولة قطر بدور كبير ومحوري في حلّ النزاعات في العالم». وكانت الدوحة توسطت في عدد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية الشائكة، وبذلت فيها جهوداً دبلوماسية وسياسية حثيثة، حيث استضافت المفاوضات بين أطراف متنازعة أو لَعِبتْ أدواراً في تيسير الحوار بينها، ولا سيما الدور الريادي لدولة قطر في المساهمة الفعّالة في الوصول إلى اتفاق الدوحة للسلام في السودان عام (2011م). وساهمت الدبلوماسية القطرية في إحلال السلام في أفغانستان بعد صراع دامٍ استمر لأكثر من أربعين عاماً (1979- 2020م)، عجزت الدول الكبرى عن إيجاد حل له. وكذلك مساهمة قطر في حل قضية الأسرى بين الولايات المتحدة وإيران في أيلول/سبتمبر 2023م. والإفراج عن 6 مليارات دولار من أموال طهران المجمدة في كوريا. وأشار الحمزة إلى أنَّ دولة قطر على الصعيد الإنساني «لَعِبتْ دوراً مهماً في لم الشمل بالنسبة للأطفال الأوكرانيين المحتجزين في روسيا وتم إعادتهم إلى أوكرانيا».
ويضاف إلى سجل الدوحة في حل النزاعات الدولية المعقدة توصل الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا إلى اتفاق يقضي بتبادل السجناء بينهما بوساطة قطرية.
الدور الدبلوماسي البارز
لم يقف الدور القطري عند حل الصراعات الدولية، فقد نشطت الدبلوماسية القطرية في محاولات جادة ومهمة على صعيد المساهمة في إيجاد حل للقضية الفلسطينية ولا سيما في الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023م، على خلفية عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها فصائل المقاومة الإسلامية «حماس» ضد الجيش الإسرائيلي، وقد أدارت الدوحة مفاوضات شاقة بالتعاون مع الولايات المتحدة من أجل وقف إطلاق النار في غزة وحماية السكان المدنيين. ويرى الزويري في حديثه بِأَنَّ «الموضوع الفلسطيني جزء أساسي في السياسة الخارجية القطرية وبوصلة قطر في القضية الفلسطينية، هي مصلحة الشعب الفلسطيني في أن يحصل على اعتراف بدولته المستقلة». وأضاف محجوب الزويري في حديثه لصحيفة «الشرق» بأنَّ «الوساطة القطرية تتمحور في وقف معاناة الشعب الفلسطيني بشكل أساسي والدفع باتجاه حل سياسي ومنع تكرار العدوان الإسرائيلي الهمجي على الفلسطينيين». كما أنَّ الواجب الأخلاقي والديني والإنساني يحتم عليها الوقوف مع الشعب الفلسطيني في محنته الأخيرة، حيث عَمِلت وفق القوانين الدولية في إيجاد حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. ويُبيّنُ الحمزة في حديثه لصحيفة الشرق «أنَّ الموقف القطري من الأحداث الجارية في غزة، تميّز إعلامياً وسياسياً عن كل الدول العربية لأنها كانت إلى جانب الشعب الفلسطيني بشكل كامل وعلني». وعن الدور القطري في حقل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، يقول الروائي السوري ثائر الناشف المقيم في النمسا «تنهض دولة قطر اليوم بدور سياسي هام ومحوري في ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إبان الحرب الجارية في قطاع غزة، ولا سيما في ملف تبادل الأسرى والرهائن بين الطرفين»، ويضيف الناشف في حديثه لصحيفة الشرق «ولعلّ قطر لن تنسى دورها الإنساني والإعماري مرة أخرى في إعادة تدوير عجلة الحياة للقطاع بعد أن تضع الحرب أوزارها، فعقب كل حرب مريرة لم تتوان قطر عن تقديم الدعم الكبير لغزة».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4446
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4164
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2082
| 07 مايو 2026