رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول المؤلف استولى الفرس على فلسطين عام 538 قبل الميلاد، وأَمَّا غزة نفسها فقد احتلوها عام 525 ق.م، وذلك في عهد ملكهم (قمبيز)، عندما سار هذا على رأس جحافله الجرارة لفتح مصر. ويُقال إنّ لقب الثروة والغنى الذي أُطلق على غزة يومئذ، ناشئ عن العقيدة السائدة بِأَنَّ ملك الفرس قمبيز دفن ثروته فيها. وكانت غزّة قد ذكرت في فتوحات أرتاكسركس الأول (466 ق.م)، وداريوس (464 ق.م)، وقد ظلّت مخلصة لحكامها الفرس خلال حروبهم مع المقدونيين، حتى أنَّ الاسكندر المقدوني عندما حاصرها عام (332 ق.م)، قاومته وجنده شهرين كاملين، وكان المدافعون عنها مزيجاً من العرب والفرس. ويرد في الكتاب أنّ التعامل بين غزة وبلاد اليونان ازداد بحيث أصبحت غزة من أهم المراكز في الشرق للثقافة اليونانية، واقتبس سكان غزة وباقي المدن الفلسطينية الأخرى الثقافة اليونانية، والفلسفة اليونانية، فحلّت هذه محلّ الثقافة السامية والفلسفة السامية. وبعد هلاك الإسكندر (323 ق.م) جاء سوتر (بطليموس الأول) من مصر واحتل غزة، وكان ذلك في عام 320 ق.م. في سنة 96 ق.م حمل (إسكندر يانيوس)على غزة حملة شعواء، غير أنه لم يستطع فتحها إلا بعد حصار سنة كاملة، ومنحوها إدارة مستقلة على عهد الملك يوليوس قيصر، حسب ما يقول الكاتب، فأعطاها إلى هيرودوس، وكان هذا يحب غزة، ويقول عنها: «إنها مدينة عظيمة». وبعد وفاة هيرودوس أصبحت غزة مقاطعة رومانية، وازدهرت في العلم والتجارة والعمران، وعاشت حرة مستقلة طيلة الحكم الروماني، وكانوا يطلقون عليها اسم (مينوا). وفي عهد هرقل (610- 641) الذي استرد فلسطين من الفرس، لبّت غزّة وسائر المدن الفلسطينية التي كانت تحت حكم البيزنطيين دعوة الإسلام، وقد فتحها العرب 636، وأصبحت بعد ذلك التاريخ عربية مسلمة. حيث اعتنق قسم كبير من الغزيين الدين الإسلامي، وبقي الآخرون على دينهم. يقول الكاتب إنَّ غزة كانت منذ قرون وأحقاب على اتصال وثيق بالعرب، وشبه جزيرة العرب، وإنَّ الذين أسسوها (المعنيين وبني سبأ) عرب أقحاح أتو إليها 3750 ق.م من قلب الجزيرة العربية، وكان أحفاد هؤلاء يقصدونها بقوافلهم بقصد التجارة؛ لأنها واقعة عند ملتقى عدد كبير من الطرق التجارية. وأضاف: كانت غزة الهدف لإحدى الرحلتين: رحلة الصيف إلى غزة ورحلة الشتاء إلى اليمن، وهنا في غزة مات هاشم بن عبد مناف جد الرسول- صلى الله عليه وسلم- أثناء إحدى رحلات الصيف، وفيها قبره، ولذلك سُميت من بعده (غزة هاشم). ودُفِنّ في قبة الشيخ رضوان. وهنا في غزة عاش أيضاً عمر بن الخطاب ردحاً من الزمن، وعلى قول أنه أثرى فيها عن طريق تجارته، فقال كلمته المشهورة: «لا يغلبنكم الروم في التجارة فإنها ثلث الإمارة». كما أنَّ عبد الله والد النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- هبطها يوم خرج في تجارة إلى الشام. ويوضح المؤرخ عارف العارف أنَّ غزة كانت على مرّ الدهور (مدينة عربية) لا شك في عروبتها، وأنَّ الفتح الإسلامي لغزة، لم يكن سوى تأييد جديد للفتح العربي الذي سبقه، ولم يكن الجنود المسلمون الذين دخلوا إليها، سوى أولئك العرب الذين كانوا يترددون إليها من جميع أنحاء الجزيرة العربية قبل الفتح. في هذه المدينة حدث اصطدام عنيف بين العرب والبيزنطيين، وكان على رأس الجيش العربي عمرو بن العاص, وأَمَّا جيش الروم، فقد كان يقوده (بطريقيوس) أحد رجال هرقل، وأكبر قائد في جيش الروم. اصطدم الجيشان في منطقة وادي عربة، وولّى الروم منهزمين، فارتدّوا إلى غزة، وكان ذلك في شهر شباط سنة 634م. يشير المؤلف إلى أنه عندما توطدت أقدام الصليبيين في البلاد عام 1100م، تقدموا نحو غزّة، وأعادوا فيها بناء القلعة على التل، تلك القلعة التي وجدوها مهجورة ينعق فوقها بوم الخراب. وذكر الكاتب جاء (بلدوين الثالث) في الحملة الصليبية الثانية 1149م، وأخذ يعيد قسماً من سور غزّة، وأنشأ حصناً فيها. ويضيف: إنَّ السائح الإسلامي والبحاثة المعروف في علم الجغرافيا الإدريسي (1100-1165)، زار غزّة عام 1154م، فقال عنها إنها «مدينة مقدسة، وإنها آهلة بالسكان، وإنها بيد الروم». وذكر المؤلف أنّه في عام 1187م، قهر صلاح الدين الأيوبي الصليبيين في معركة حطين (1187م)، وقد تتبّع انتصاراته حتّى جميع فلسطين بما فيها القدس، ففتحت غزّة له أبوابها، وكان عليها يومئذ ريكاردوس قلب الأسد. وذكر المؤلّف أنَّ السلطان سليم الأول سار عن طريق البر إلى غزّة فعصت عليه، ففتحها حرباً، وكان ذلك عام 1501م. وقام الأتراك في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، بتحصين غزّة تحصيناً كاملاً من الساحل إلى تل المنطار، تحسباً لأي هجوم بريطاني، وفي 20/3/1917م، اتخذ الجنرال الإنجليزي تشارلز دوبل (رفح) مقراً لقيادته، ثم أصدر أوامره بالزحف على غزّة في شهر مارس سنة 1917، وانسحب الإنجليز تاركين ورائهم 2700 قتيلاً، 2932 جريحاً، وأَمَّا الأتراك فقد خسروا 1500 رجل في هذه المعركة. وفي شهر نوفمبر 1917، أخذ الإنجليز يزحفون نحو غزة، فاضطر ذلك الأتراك إلى إخلاء غزة، وتمكن الإنكليز من احتلالها. وأصبح قطاع غزّة تحت سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين حتّى عام 1948 تاريخ إعلان قيام «إسرائيل»، ومنذ ذلك التاريخ لم يهادن الغزيون قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، عبر حروب محدودة، ولكن عملية «طوفان الأقصى» التي أدارتها حركة حماس يوم 7 أكتوبر 2023، ضدّ الجيش «الإسرائيلي» والمستمرة حتّى اليوم، أربكت جيش الاحتلال ، وأحدثت خللاً كبيراً في توازن القوى لصالح المقاومة الفلسطينية. يذكر أن مؤلف الكتاب، هو عارف بن شحادة العارف (1892-1973م)، وُلِد في بيت المقدس، يُعدّ رائد المؤرخين الفلسطينيين وعميدهم.
1752
| 08 أبريل 2024
يحمل الكتاب دفاعاً قوياً عن تاريخ مدينة ما زالت تدفع أثمان مواقفها القومية، وتأكيد على جغرافية مدينة حاولت قوى دولية لها وزنها على الساحة العالمية السيطرة عليها. كما أنه يعيد الاعتبار لشعب غزة في المقاومة وعدم الانكسار. ويقول عارف العارف إنَّ الفلسطينيين تمكنوا من فتح غزة منذ أقدم أزمنة التاريخ، ويُظن أنه دخلت في حوزتهم قبل زمن إبراهيم، أي منذ نحو أربعين قرناً، واتخذوها حصناً منيعاً، لأنها على حدود فلسطين عرضة لهجمات المصريين من الجنوب والعمالقة من الشرق، والأمم الأخرى التي كانت تجاورهم كالآدوميين، وبني كلاب. ويؤكد المؤلف أنّ غزّة كانت أهمّ المدن الفلسطينية التي ذكرها التاريخ. كما أنّه يتحدث عن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يُبيّنُ بِأَنَّ الفلسطينيين حاربوا بني إسرائيل طويلاً، وقد كان بنو إسرائيل في تلك الأزمنة يعيشون في الجبال، والفلسطينيون في السهول، وكان بين الفريقين دوماً خصام، وهذا ما حدا بهم للاحتفاظ بقوة عسكرية هائلة؛ لئلا يبطش بهم بنو إسرائيل، وما كان هؤلاء ليستطيعوا أن يسيطروا على المدن الفلسطينية إلا في عهد داود وسليمان، وبالأحرى عندما فقد الفلسطينيون الشيء الكثير من سجاياهم الحربية، بسبب غزو القبائل التي كانت تغزوهم من الأنحاء الشمالية لجزيرة العرب. ويقول المؤلّف إنّه بالرجوع إلى أسفار العهد القديم، وجد أمثلة كثيرة تدل على ما كان بين بني إسرائيل وبين الفلسطينيين من كره وخصام، ويرى الكاتب أنّ كره بني إسرائيل كان موجها بشكل خاص إلى مدينة غزّة. ويشير المؤلف إلى أنَّ غزة لم تدخل في حكم بني إسرائيل إلا في أيام سليمان، الذي اعتلى الحكم بعد أبيه داود (960- 930 ق.م) فقد كان له جيش جرار. وأضاف الكاتب: في زمن (رحبعام بن سليمان) ضعفت شوكتهم، وما هي إلا برهة، حتى انقسموا إلى شيع وأسباط، وانقسمت البلاد إلى مملكتين: (إسرائيل) في الشمال و(يهوذا) في الجنوب، ومع أنَّ غزة كانت من نصيب يهوذا إلا أنها سرعان ما شقت عصا الطاعة عليهم، فناصبتهم، وناصبوها العداء، وعاد الفلسطينيون فاستولوا عليها. ويعود الكاتب للحديث عن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين بقوله إنَّ بني إسرائيل عند احتلالهم هذه الناحية من البلاد، فقد تمكنوا من تشتيت شمل الكنعانيين، والعناقيين، إلا أنهم لم يتمكنوا من قهر الفلسطينيين، فقد قاوموهم أشد مقاومة عرفها التاريخ، وكانت غزة من أمهات المدن الفلسطينية التي وقفت سداً منيعاً في وجوههم، وأبت الخضوع لحكمهم، فكان عداء، وكان خصام، وكانت الحرب سجالاً بين الفريقين: تارة تَغلب غزة، وطوراً تُغلب على أمرها، ويقول المؤلف إنَّ بني إسرائيل كانوا يعدونها شوكة في جسم مملكتهم. وقد استولى الآشوريون على غزة في عهد ملكهم (تيغلات بلاصر) الأول (1115-1077 ق.م)، كان ذلك في 734 ق.م، وكانوا يسمونها يومئذ (عزاتو)، فتحالفت مع مصر ضدهم، فعاد فرعون إليها، ثم جاءها (سرجون) بجيوشه الجرارة، فأخضعها، وأسر ملكها (حانون) عام 720 ق.م؛ لأنه طلب حماية الفراعنة، وقام سرجون بتوطيد سلطة الآشوريين فيها. ويوضح المؤلّف أن الآشوريين لم يكونوا يرمون إلى احتلال غزة، إنما كانوا يطمحون إلى جعلها بوابة يدخلون من خلالها إلى مصر وليبيا والحبشة، والبلاد الواقعة في حوض البحر الأحمر والأبيض المتوسط. كما دخلت فلسطين ومن ضمنها غزة تحت حكم ملوك بابل (سرجون الأكادي)، ثم ابنه (نارام سين). ويفصل الكاتب: لكنّ حكم هذين الملكين لم يعمّر طويلاً؛ إذ سرعان لم يترك المصريون لهم مجالاً للراحة. ويشير المؤلف إلى أنَّ نبوخذ نصر أراد أن يوطد حكمه في فلسطين فلم يجد ثمّة وسيلة لذلك سوى سبي اليهود، فسباهم وأقصاهم عنها إلى العراق، ثم هبط غزة 68 5 ق.م. وكانت غزة في عهد السيطرة البابلية مدينة كبيرة، غير أنها ما كانت يومئذ لتلعب دوراً كبيراً، كالدور الذي لعبته فيما بعد في السياسة الدولية.
942
| 30 مارس 2024
تُعد غزة مدينة تاريخية قديمة، إنها ليست بنت قرن من القرون، أو وليدة عصر من العصور، وإنما هي بنت الأجيال المنصرمة كلها ورفيقة العصور الفائتة كلها: من اليوم الذي سطر فيه صحائفه الأولى إلى يومنا هذا. وفي كتابه «تاريخ غزة» الصادر عن (دار العراب ودار نور حوران) يتتبع المؤرخ الفلسطيني عارف العارف تاريخ مدينة غزة عبر التاريخ موثقاً تاريخها بالتسلسل الزماني منذ العهود الأولى حتى بداية الحكم العثماني والانتداب البريطاني، وقد صدر الكتاب بطبعته الأولى عام 1943م، وأهمية هذا الكتاب تبدو في جدية منهجه التي التزمها المؤلف، والتزم الكاتب بالإبحار في الحديث عن تاريخ مدينة غزة في مختلف العهود. يتحدث المؤلف في مستهل كتابه عن اسم غزة وتداوله بين الأمم، ويقول المؤرخ إنه لتاريخ مجيد تاريخ مدينة غزة؛ ذلك لأنها صمدت لنوائب الزمان بجميع أنواعها وطوارئ الحدثان بجميع ألوانها حتى إنه لم يبقَ فاتح من الفاتحين أو غازٍ من الغُزاة المتقدمين والمتأخرين الذين كانت لهم صلة بالشرق إلا ونازلته فإما أن يكون قد صرعها أو تكون هي قد صرعته. ويبين الكاتب أن اسم غزة تبدل بين الأمم التي صارعتها فقد كان العرب ولا يزالون يسمونها (غزة) أو (غزة هاشم) والعبرانيون (عزة) والكنعانيون (هزاتي) (Hazzati والمصريون (غازاتو) (Ghasatu) والآشوريون (عزاتي) Azzati)) واليونانيون (Raza). وقد جاء في المعجم اليوناني أنها أُعطيت في العصور المختلفة عدة أسماء منها أيوني ومينووا وقسطنديا والصليبيون (Gadres) والأتراك (غزة) والإنكليز(غازا) (Gaza). وفي هذا السياق يشير المؤلف إلى أن اسمها مشتق من (العزة) والمنعة والقوة ويُعلل المؤلف قوله بالحروب الكثيرة التي جرت فيها وحولها والتي صمدت لها صمود الجبابرة. ويصف الكاتب أهل غزة بأنهم شجعان وكرماء ويتميزون بالصبر والشجاعة وأنهم يغارون على دينهم وشرفهم، أكثرهم متدينون يدلك على ذلك كثرة الجوامع والمساجد في غزة وعلماء الدين الكثيرون الذين أنجبتهم غزة. يروي الكاتب أن غزة على مر الدهور لم تكن بعيدة عن محيطها العربي فقد كانت ذات صلة وثيقة بالعرب والحياة العربية وإذا لم يكن (المعينيون) هم الذين وضعوا الحجر الأساسي فيها فإنهم أول من ارتادها وغشي أسواقها من العرب الأوائل الذين وصلت إلينا أخبارهم. ويوضح الكاتب أن غزة كانت واقعة على الطريق الصحراوية التي تربط مصر بالهند؛ حيث كانت تجتمع تجارة بلاد الشرق وتجارة الهند ثم تسير شمالاً إلى مكة والمدينة والبتراء ومن هنا تتفرع لتصل إلى غزة على البحر المتوسط وعبر طريق آخر تصل إلى دمشق وتدمر. ويذكر المؤرخ عارف العارف نزح العناقيون عن مساكنهم في الجبال وهبطوا الجبال واستوطنوا غزة وقد اشتهر هؤلاء بطول قاماتهم وبأسهم في الحروب حتى إن بني إسرائيل كانوا يرهبونهم ويخافون شرهم ويُقال: إن الفلسطينيون القدماء الذين جاء ذكرهم في أسفار العهد القديم بأنهم هم أول من استوطن غزة. كما استوطنها أيضاً (المديانيون) أحفاد إبراهيم والآدميون و(العموريون) و(الكنعانيون) وغيرهم. ويشرح المؤلف بأن غزة كانت في عهد الفراعنة ولا تزال حلقة الاتصال بين مصر والشام وإنها ذات قيمة حربية واقتصادية في نظر الجيوش التي تعبر الصحراء ولطالما اعتبرت في التاريخين: القديم والحديث (المخفر الأمامي لمصر وإفريقيا وباب آسيا). ويرصد المؤلف ما فعله الغزاة الذين يأتون من الشمال كالآشوريين والبابليين فإنهم كانوا يهتمون بغزة أولاً فيحتلونها وبعد أن يستكملوا فيها عدتهم ويحشدوا قواهم يبدؤون منها بالزحف على مصر وهذا ما جعلها تقاسي الآلام والأهوال سنين طويلة تحت سنابك خيل الفاتحين سواء أجاء هؤلاء إليها من الشمال أم من الجنوب.
771
| 16 مارس 2024
يدعو المؤلف إلى ترسيخ القول بِأنَّ الثقافة هي جوهر إنسانيتنا، وذلك ما حاول بنفسه تعزيزه منذ عقود، وخاصة أثناء حملة ترشحه لمنصب المدير العام لليونسكو. ويشير د. حمد الكواري إلى أنّ «الدبلوماسية الثقافية» لم تكن حكراً على المؤسسات، حيث ساهمت أعمال أدبية عالمية في تعزيز الدبلوماسية الثقافية، فرواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارثيا ماركيز (1927-2014م)، نجحت في لفت الأنظار إلى كولومبيا والقارة الأمريكية الجنوبية وآدابها وواقعيتها السحرية، وأذكت روح البحث والدراسة عن هذه القارة ودولها وثقافتها وإنسانها ومعاناتها. وأدت رباعية «مقبرة الكتب المنسية: ظل الريح، لعبة الملاك، سجين السماء، متاهة الأرواح» للإسباني كارلوس زافون، دوراً مماثلاً، بالنسبة لإسبانيا أو لمدينة برشلونة على الأقل. وعلى الصعيد العربي يمكن اعتبار «ثلاثية القاهرة: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية» لنجيب محفوظ (1911-2006م)، وسيلة ناجحة في الدبلوماسية الثقافية مثلما شكَّل الثلاثي الفلسطيني ناجي العلي وغسان كنفاني ومحمود درويش، قوة ثقافية ناعمة، نقلت معاناة الفلسطيني تحت الاحتلال بشكل أدبي وثقافي. ويلفت الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري: «كنّا في قطر واعين تمام الوعي بالدبلوماسية الثقافية فمارسناها بتميّز ممّا عزّز من مكانة بلدنا وتفاعله مع العالم». المراكز الثقافية... قوة ناعمة مهملة في النظام الثقافي العربي ينتقل المؤلف للحديث عن المراكز الثقافية العربية في العالم، ويقول: «أدركت الأمم مبكراً أهمية المراكز الثقافية وتبنّتها كمرتكز أساسي لتقديم ثقافتها بجوانبها المختلف. ويتساءل المؤلف عن الوضع الثقافي العربي وغياب مراكز ثقافية مماثلة تعاضد دور «الديوان» (وهو البيت الثقافي الذي أسسته قطر في ألمانيا)، في العالم لتضيء ثقافتنا وسط سماء الثقافات الأخرى؟ ويقول المؤلف: «كسفير عربي لأكثر من عشرين عاماً وفي عواصم مهمة طالما راودني أن يكون هناك مراكز ثقافية عربية مشتركة يشترك فيها كل العرب من أجل أن تمثل الثقافة العربية في كل مكان في العالم». ولكن المؤلف يُعرب عن خيبة أمله، بقوله: «إننا ما زلنا نتعثّر، وهذا توصيف متفائل قياساً بتوصيف آخر قد يكون أقرب إلى الحقيقة، وهو أنّنا دخلنا منطقة التطلّع نحو السراب». وبدوره يعتقد المترجم سامح الخلف في حديثه لـ"الشرق": «باستثناء الدور البارز الذي يلعبه معهد العالم العربي في باريس في إبراز الوجه الحضاري والثقافي للعرب، لم ألحظ مؤخراً أي نشاط بارز قام به مركز ثقافي عربي، في أوروبا خاصة». الأمم تفكر في ذاكّرتها يتحدث الكواري عن أهمية توثيق التاريخ في حياة الأمم، ويُبيّنُ بِأنَّ الحضارات سارعت منذ القدم إلى الاهتمام بتسجيل حياتها ووقائع مسيرتها في السلم والحرب، في البناء والمحن. ويتساءل الكاتب «ماذا لو لم يرسم إنسان الكهوف تلك الرسوم الكهفية البديعة لمظاهر الحياة في مرحلة ما قبل التاريخ؟» وبدوره يرى البروفيسور الهندي كوناتودي، في حديثه لـ الشرق "أنّ توثيق التاريخ «يساعد الأمم والشعوب في الاحتفاظ بذاكرتهم الجماعية وتراثهم الثقافي، ويساهم التاريخ المكتوب في تشكيل الهوية والانتماء الثقافي للأفراد، فتوثيق التاريخ المكتوب هو أداة حيوية للمحافظة على التراث الثقافي والتاريخي ولفهم الماضي وبناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة للشعوب». وقد جاء في الكتاب أنَّ العرب غلب على حياتهم فترة طويلة التوثيق الشفهي بفعل التناقل، فعرف العرب القصّاص وهم فئة اضطلعت برواية أخبار القبائل وغزواتها ومآثرها الاجتماعية ومعتقداتها، وإثر ظهور الإسلام ازدادت العناية بالتوثيق، وعن ذلك التوثيق الشفاهي والكتابي للقرآن، فظهر كتّاب الوحي. ويقول المؤلف: «زخر تراثنا العربي بعدد من المؤلفات مثل كتاب «الفهرست» لابن النديم (توفي 384ه/994م)، ومن هنا عَمِل العرب على توثيق نتاج أبحاثهم في شتّى العلوم. والمؤلف، دبلوماسي ورجل دولة ومفكِّر قطري، وُلِدَ عام (1948م)، وهو حالياً وزير دولة برتبة نائب رئيس الوزراء، كما أنه يشغل حالياً منصب رئيس مكتبة قطر الوطنية. ومن مؤلفاته، "جدل المعارك والتسويات" (2001م)، و"المعرفة الناقصة" (2006م)، و"جسور لا أسوار.. مقاربة جديدة لعلاقات الشمال والجنوب"(2022م)، إضافة إلى كتابته مقالات سياسية واجتماعية وثقافية في عدة صحف عربية.
1440
| 17 فبراير 2024
في حالات نادرة في التاريخ، تتمكن الدول الصغيرة من حيث المساحة من اكتساب نفوذ هائل في الشؤون الإقليمية والدولية وتكون قادرة على التأثير فيه وتغيير مسار الأحداث. ذلك ينطبق اليوم على دولة قطر والتي برزت كلاعب إقليمي له دور هام في المنطقة. إذ تُعدّ من أكثر الدول تميّزاً في الشرق الأوسط، فقد تحولت إلى نموذج متفرد على المسرح العالمي، في كونها دولة حيوية ومؤثرة في محيطها؛ لأنها وضعت معايير بارزة ومؤشرات قياسية واضحة والقيام بالمبادرات والمشاريع الكبيرة والجريئة. يتحدث كتّاب ومثقفون «للشرق» عن دور دولة قطر في حلّ الكثير من الصراعات الإقليمية والدولية عبر طريق الدبلوماسية. من أجل الوصول إلى مرحلة من الاستقرار العالمي، وتجنب مزيد من التوترات والحروب. نموذج متفرّد عَملت دولة قطر منذ استقلالها في عام 1971م، على تحقيق تطور لافت للنظر تنموياً وسياسياً وإنسانياً في جميع المجالات. تجسدها اليوم على أرض الواقع سواءً بالنسبة للداخل القطري أو في علاقاتها الإقليمية والدولية. ويقول الأكاديمي السوري الدكتور محمود الحمزة المقيم في موسكو «إنَّ السياسة الخارجية القطرية تميّزت في السنوات الأخيرة بنشاط وفاعلية ملحوظة خاصةً التوسط بين أطراف النزاع في المنطقة والعالم، حيث قامت بمصالحات مهمة من خلال المؤتمرات وجلسات الحوار بين الأطراف المتنازعة». وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدور الريادي والدبلوماسي القطري كان محورياً من خلال المساهمة الفعّالة في تحقيق السلام العالمي من خلال فض النزاعات الإقليمية. وبدوره يقول الدكتور محجوب الزويري أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في جامعة قطر «إنَّ قبول أطراف صراعات متعددة في بقاع متعددة بدولة قطر وسيطاً هذا دليل مصداقية السلوك القطري في السياسة الخارجية، حيث تطرح نفسها كوسيط نزيه، هدفه الأساسي الوصول إلى مرحلة من الاستقرار العالمي والإقليمي، وتجنب مزيد من التوترات والنزاعات والصراعات والحروب». القوة الناعمة برعت الدوحة في استخدام منهجية محنكة في مجال السلطة اللينة حيث تعتز بثقافتها التي أرادت من خلالها فتح مسارات مختلفة مع مختلف شعوب العالم، مستفيدة من مواردها النفطية والغازية الغنية ومفهوم متجدد للعلاقات الدولية والتعامل مع القوى الكبرى عالمياً وإقليمياً، مما سمح لها بإقامة روابط ثابتة مع الكثير منها بما فيه القيام بدور الوسيط في عدد من النزاعات في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم. ويُعلق الدكتور محمود الحمزة على تلك الجهود في إحلال السلام في مناطق مختلفة من العالم بقوله «تقوم دولة قطر بدور كبير ومحوري في حلّ النزاعات في العالم». وكانت الدوحة توسطت في عدد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية الشائكة، وبذلت فيها جهوداً دبلوماسية وسياسية حثيثة، حيث استضافت المفاوضات بين أطراف متنازعة أو لَعِبتْ أدواراً في تيسير الحوار بينها، ولا سيما الدور الريادي لدولة قطر في المساهمة الفعّالة في الوصول إلى اتفاق الدوحة للسلام في السودان عام (2011م). وساهمت الدبلوماسية القطرية في إحلال السلام في أفغانستان بعد صراع دامٍ استمر لأكثر من أربعين عاماً (1979- 2020م)، عجزت الدول الكبرى عن إيجاد حل له. وكذلك مساهمة قطر في حل قضية الأسرى بين الولايات المتحدة وإيران في أيلول/سبتمبر 2023م. والإفراج عن 6 مليارات دولار من أموال طهران المجمدة في كوريا. وأشار الحمزة إلى أنَّ دولة قطر على الصعيد الإنساني «لَعِبتْ دوراً مهماً في لم الشمل بالنسبة للأطفال الأوكرانيين المحتجزين في روسيا وتم إعادتهم إلى أوكرانيا». ويضاف إلى سجل الدوحة في حل النزاعات الدولية المعقدة توصل الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا إلى اتفاق يقضي بتبادل السجناء بينهما بوساطة قطرية. الدور الدبلوماسي البارز لم يقف الدور القطري عند حل الصراعات الدولية، فقد نشطت الدبلوماسية القطرية في محاولات جادة ومهمة على صعيد المساهمة في إيجاد حل للقضية الفلسطينية ولا سيما في الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023م، على خلفية عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها فصائل المقاومة الإسلامية «حماس» ضد الجيش الإسرائيلي، وقد أدارت الدوحة مفاوضات شاقة بالتعاون مع الولايات المتحدة من أجل وقف إطلاق النار في غزة وحماية السكان المدنيين. ويرى الزويري في حديثه بِأَنَّ «الموضوع الفلسطيني جزء أساسي في السياسة الخارجية القطرية وبوصلة قطر في القضية الفلسطينية، هي مصلحة الشعب الفلسطيني في أن يحصل على اعتراف بدولته المستقلة». وأضاف محجوب الزويري في حديثه لصحيفة «الشرق» بأنَّ «الوساطة القطرية تتمحور في وقف معاناة الشعب الفلسطيني بشكل أساسي والدفع باتجاه حل سياسي ومنع تكرار العدوان الإسرائيلي الهمجي على الفلسطينيين». كما أنَّ الواجب الأخلاقي والديني والإنساني يحتم عليها الوقوف مع الشعب الفلسطيني في محنته الأخيرة، حيث عَمِلت وفق القوانين الدولية في إيجاد حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. ويُبيّنُ الحمزة في حديثه لصحيفة الشرق «أنَّ الموقف القطري من الأحداث الجارية في غزة، تميّز إعلامياً وسياسياً عن كل الدول العربية لأنها كانت إلى جانب الشعب الفلسطيني بشكل كامل وعلني». وعن الدور القطري في حقل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، يقول الروائي السوري ثائر الناشف المقيم في النمسا «تنهض دولة قطر اليوم بدور سياسي هام ومحوري في ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إبان الحرب الجارية في قطاع غزة، ولا سيما في ملف تبادل الأسرى والرهائن بين الطرفين»، ويضيف الناشف في حديثه لصحيفة الشرق «ولعلّ قطر لن تنسى دورها الإنساني والإعماري مرة أخرى في إعادة تدوير عجلة الحياة للقطاع بعد أن تضع الحرب أوزارها، فعقب كل حرب مريرة لم تتوان قطر عن تقديم الدعم الكبير لغزة».
1362
| 27 يناير 2024
يعتقد المؤلف أنَّ اعتبار الثقافة قوة ناعمة منذ عقود يسَّر لقوى عظمى امتلاك أدوات الجذب والاقناع بأنماط تفكيرها وعيشها أكثر ممّا وفرته لها القوة الصلبة التي اعتمدت على الآلة العسكرية. ويعلق الباحث السعودي الدكتور ماجد بن عبد العزيز التركي رئيس مركز الإعلام والدراسات العربية الروسية، بقوله: «الثقافة كقوة ناعمة هذا أمر مهم جداً، هناك فرق أن نتحدث عن الثقافة التي نستخدمها في مسارات عملنا، أو الثقافة التي يستخدمها الخصوم في مسارات عملهم؛ في مناطقنا يعني تلقي الثقافة أو إصدار الثقافة، إصدار الثقافة هو قوة ناعمة، لخلق صورة ذهنية حقيقية عن المجتمعات وتصحيح صور ذهنية خاطئة عن المجتمعات». ويضيف في حديثه لصحيفة «الشرق»: «إنَّ القوى العظمى تستخدم القوة الناعمة بأدواتها المختلفة، سواءً الإعلامية أو التعليمية أو المعرفية كقوة، إمّا أن تكون سابقة أو موازية أو بديلة عن القوة العسكرية، وفي الغالب تكون مقدمات للدخول. فنلاحظ بأن المستعمرين الغربيين حتى بعد استقلال الدول بقيت قوة اللغة الأجنبية في قيادة المجتمعات كما في شمال افريقيا العربية، أو في الجنوب الافريقي قوة الحضور الفرنسي، وهذه القوة تفوق أحياناً القوة العسكرية، فهي أقل تكلفة وأعمق تأثيراً». أَمَّا المؤلف فيرى: «نحن كعرب مطالبون باستلهام التجارب الناجحة للقوة الناعمة، والمضي في تفعيلها». رسائل حضارية استفادت الشعوب عبر العصور من الاتصال ببعضها البعض وتبادل ثرواتها الرمزية، فقد ظلت الثقافة منبعاً لهذا الاتصال، وشهدت كل أمة تأثيراً متفاوتاً إثر اتصالها بأمم أخرى. حيث انّ الحروب الصليبية (1096-1291م)، لم تقف حائلاً بعد زوالها من اتصال الأوروبيين بالعرب. ويستشهد المؤلف ببعض رواد الاستشراق الذين أكدوا أنّ نقطة التقائهم بالشرق الأقصى تبدأ من قلب العالم الذي تتوسطه أرض العرب التاريخية بصحاريها وهضابها وواحاتها وأنهارها وبحارها. وينقل المؤلف عن المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون (Gustav Le Bon) قوله: «لم يكد العرب يُتِمُّون فتح إسبانيا حتى بدأوا بالقيام برسالة الحضارة فيها؛ فاستطاعوا في أقلَّ من قرن أن يُحْيُوا مَيت الأرض، ويعمروا خرائب المدن، ويُقيموا فخم المباني، ثمَّ شرعوا بالتفرغ للعلوم والآداب، وترجمة كتب اليونان واللاتين، وإنشاء الجامعات التي ظلت وحدها ملجأً للثقافة في أوروبا زمناً طويلاً». وقد تمنى جوستاف لوبون لو أنَّ المسلمين كانوا قد استولوا على فرنسا؛ لتغدو باريس مثل قرطبة في إسبانيا المسلمة! وقال تعبيراً عن عظمة الحضارة العلمية في الإسلام: «إنَّ أوروبا مدينة للعرب (المسلمين) بحضارتها». وبحسب د. الكواري، فإنَّ الحضارة العربية تأذت من حركة الاستشراق التي وثقت التراث العربي والإسلامي وحقَّقته، ويستشهد بمقولة للمفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003م)، الذي اعتبر أنّ الغرب لا يرى نفسه غير «اليد العليا» التي لها فضل على العرب. ومن جهته يقول الباحث ماجد التركي «حتى نكون منصفين لا بد أن نذكر بِأنَّ المستشرقين قاموا بأعمال جليلة بالنسبة للتراث العربي والإسلامي منها المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الذي أنجزه مجموعة من الباحثين المستشرقين عام 1936م، كما صدر للمستشرقين فيما يتصل بالحضارة العربية والإسلامية في القرن الماضي أكثر من 60 ألف مؤّلف. ويضيف، التركي: «إنَّ حركة الاستشراق هي جانب من جوانب الاهتمام الغربي بالمشرق العربي والإسلامي حيث يعتبر العالم العربي والإسلامي أحد الخصوم الرئيسيين للحضارة الغربية. والوعي بالخصم ودراسة كافة جوانبه تجعلك في جاهزية كبرى لمواجهة هذا الخصم». ويستدرك التركي في حديثه: «ليس كل عمل المستشرقين إيجابيا. هناك جوانب إيجابية على الأقل في النواحي الشكلية، وفي النواحي الموضوعية لا يخلو من الدسائس؛ لا يخلو حتى من السرقات العلمية. أَمَّا بالنسبة للحضارة الإسلامية كان فيها الكثير من الدسائس والمظالم العلمية والتدليس وإبراز نقاط الضعف وإخفاء نقاط القوة، ونسبة بعض الابداعات الإسلامية سرقةً إلى منابتهم العلمية، والمستشرقون لم يكونوا مستقلين، بل كانت خلفهم حكومات ومنظمات ودول تعتبرهم مصادر معلومات لها».
2109
| 30 ديسمبر 2023
يسمحُ التّواصل الثقافي بتحقيق التّفاهم الإنساني، وهو عبارة عن توفّر القابلية لدى الشّعوب بانتقال الثقافات فيما بينها عبر الوسائل المتاحة للتعريف بحضارة كلّ أمّة والتعرف على ألوان الثقافات والأخذ منها ما يتماشى مع مبادئها وعقيدتها. وفي كتابه الصادر عن دار الوتد بقطر والمركز الثقافي للكتاب بالمغرب (2023م)، بعنوان «بعضٌ منّي.. الدبلوماسية الثقافية بعد مونديال قطر»، يحاول الدبلوماسي ووزير الدولة ومدير مكتبة قطر الوطنية الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، تلمس البُعْد الواقعي في تطلعات وتصورات شعوب المنطقة ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص، بشأن التواصل الثقافي ومدى أهميته في حياة مجتمعاتها. ويتحدث المؤلف عن ثمرة تجربته الميدانية في مجال الدبلوماسية الثقافية كسفير لبلاده في أكثر من دولة أوروبية وأمريكية وعربية. محاولاً إبراز أهمية التّواصل الثقافي في حياة الشّعوب. جوهر الدبلوماسية الثقافية أمضى المؤلف أكثر من نصف قرن في مجال الممارسة الدبلوماسية والثقافيّة وأيقنّ أنَّ مزايا التواصل الثقافي بين الشعوب صمام أمان لها على اختلاف اتّجاهاتها الفكرية وتنوع أجناسها ولغاتها. ويذكر الكاتب أنّ مؤرخي العلم المنصفين أكدوا أنّ مرحلة الترجمة العربية بلا شك من أهم مفاخر الحضارة الإسلامية. وفي الأندلس كانت هناك لحظة أندلسية من خلال ترجمة الكتب والمؤلّفات العربية إلى اللغة اللاتينية والقشتالية، حتى عُدّت الأندلس مركزاً من مراكز الترجمة وبلغت حركة التعريب أوجها في القرن الـعاشر الميلادي، بمشاركة الأساقفة الذين أسّسوا معاهد للترجمة في مدينة طيلطلة. ومن جهته يبيّن أغناطيوس غوتيريث دي تيران غوميث بينيتا، أستاذ اللغة العربية وتاريخ العالم العربي المعاصر في قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أوتونوما بمدريد أن «العرب قدموا وأسهموا عن طريق إنجازاتهم الخاصة وما نقلوا إلى أوروبا من الحضارات السامية والهندية والفارسية وغيرها، فوائد لا تحصى»، ويضيف، في حديثه لصحيفة «الشرق»: «كانت المراكز العلمية في الأندلس وكذلك في الممالك المسيحية المتأثرة بالحضارة الأندلسية هي من أكثر من أسهم في البداية ضمن عملية النقل والشرح والتعليق». وعن أهمية دور الترجمة في الوقت الراهن يؤكد الناشر والمترجم سامح خلف المقيم في السويد، أَن «أهمية الترجمة لم تتراجع مع انتشار العلم على نطاق واسع في المجتمعات وازدياد أعداد من يتقنون اللغات الأجنبية في كل مجتمع، بل تعزّزت الحاجة إلى الترجمة مع التقارب الشديد والمتسارع بين سكان هذا الكوكب من خلال تزاورهم وعبر تواصلهم من بعد». اقتصاد الهدايا يقول د. حمد بن عبد العزيز الكواري، وهو مؤلف كتاب «على قدر أهل العزم» أيضاً، إن التواصل بين الثقافات أمر قديم غير طارئ على الحضارة الإنسانية، حيث تجلّت المبادلات الثقافية على أعلى مستوى سياسي في صيغة «الهدايا»، إذ تُعدُّ الهدية من بين الأشكال التي تُرجمت منذ قرون إرادة التواصل بين الشعوب، فقد عُدّ تبادل الهدايا بين الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد (149-193هـ) مع ملك الفرنجة شارلمان (748-814م) خير مثالٍ على درجة المبادلات الثقافية التي كانت تعبر عن تقدير الدول لثقافات بعضها البعض، وعن احترامها للمعارف الثقافية التي شكّلت ما يسمى «ثقافة الأشياء المشتركة». ولم تكن الهدية نوعاً من التقارب بين السلاطين والحكام بل كانت أيضاً مرآة عاكسة لذائقة الشعوب ومدى تقدم الأمم. وبدوره يؤكد البروفيسور عبد الغفور الهدوي كوناتودي، الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية بكلية الجامعة الحكومية التابعة لجامعة كيرالا بالهند: «نعم، هذا صحيح، إنها تحمل أيضاً معاني ثقافية وتاريخية مهمّة». ويضيف، «في حديث رواه الحاكم أنّ ملكاً هندياً أهدى إلى النبي ﷺ جرّة فيها زنجبيل، وذلك في زمن كانت الهند مشهورة بين العرب بمنتجاتها الزراعية».
3300
| 16 ديسمبر 2023
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4434
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
4155
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
2067
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1347
| 05 مايو 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
861
| 03 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
741
| 05 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
732
| 07 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
714
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
663
| 08 مايو 2026
تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...
540
| 03 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
534
| 04 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
513
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية