رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد عاشت غزة هاشم ما لا تحتمله الجبال من آلام الحصار وضرب النار، وإذا كان الشيء من معدنه لا يستغرب فأن يقوم الكيان الصهيوني بضرب غزة مرارا فقد أُخرج من غزة مقهورا يجر أذيال الهزيمة بعد أن لقي ضربات نافذة من الاستشهاديين والمقاومين وأطفال الحجارة الذين كانوا يواجهون الدبابة وعساكرها بالحجارة التي كانت تخرج من قلب امتلأ شجاعة وحمية على أرضه وعرضه، لكن المرارة الحقيقية أن تقوم الأنظمة العربية المجاورة بإنهاك المقاومة، وتجيِّش إمكانات وأموال ومواد بترولية عربية لخدمة المشروع الصهيوني، وثمة جرائم لن ينساها التاريخ حيث عُذِّب قادة المقاومة في سجون أنظمة عربية تشيب له الولدان، حتى قتل بعضهم على أيدي عصابات أمن الدولة والمخابرات كي ينتزعوا الاعترافات وتقدم رخيصة إلى الكيان الصهيوني وخدمة للبلاط الأمريكي، ولكن مصر تغيرت بفضل الله ثم بسبب هذه المظالم المتراكبة المتعاقبة، وجاء الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر وقد كان مسؤولا يوما ما عن ملف القضية الفلسطينية كلها فيعرف أصولها وفروعها وآلامها واحتياجاتها، ودعا قيادة حماس والحكومة الفلسطينية المنتخبة لأول مرة إلى القصر الجمهوري ليتحقق العدل بين لقاء القيادة المنتخبة في غزة وغير المنتخبة في رام الله، لكن حدة المرارة تتضاعف من النظام المصري السابق عندما حوَّل الغاز المصري الذي يحتاجه الشعب إلى سلعة رخيصة تقدم للصهاينة بسعر أرخص من الشعب المصري الذي يحتاج لكل نقطة غاز، لكن صلف وجهل وظلم وطغيان الأنظمة العربية جعلهم يحرمون شعوبهم وجيرانهم في فلسطين من الغاز والبترول وعوائده ويقدمون الأموال والمواد البترولية لعدونا فتشتغل بها المجنزرات والطائرات والمحركات القاتلة لإخواننا في فلسطين، والتي تحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وتشغّل أجهزة التكييف لقيادات وشعب بني صهيون في الوقت الذي مات فيه أكثر من مائتي مريض في مستشفيات غزة بسبب توقف أجهزة الإنعاش وغسيل الكُلى والأكسجين.
أما ثالثة الأثافي فإعلان قرار ضرب غزة من القاهرة في مؤتمر صحفي ضم "ليفني" وأبو الغيط في تراجع غير مسبوق لدور مصر فتحولت حربا وقسوة على الأصدقاء وسِلما وخضوعا للأعداء، وظلت دول الجوار في ضرب غزة في 2009م تحكم الحصار وتشدِّده حتى لا يخرج مريض للعلاج، ولا يدخل طبيب إلا بشق الأنفس، ومنعت المساعدات إلا ماندر تحت ضغوط عالمية، بل سُلِّمت بعض المواد الإغاثية الخاصة بغزة إلى الكيان الصهيوني، وتم احتجاز أطعمة حتى فسدت وتعفنت عند معبر رفح.
أما غزة اليوم بعد استشهاد الجعبري فقد زرتها هذا الأسبوع على رأس قافلة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يزيد على 250 من كبار علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف والمفكرين ورؤساء أحزاب وقادة المدارس والتيارات الإسلامية وخيرة الشباب والفتيات من حركة أمناء الأقصى، وقام قرابة المائة من الأئمة والدعاة بالانتشار في قطاع غزة لإلقاء الدروس بين المغرب والعشاء وخطب الجمعة، وهو أكبر وأول وفد بهذا الحجم من العلماء وقادة التيارات الإسلامية، ووجدنا على الأرض ما طمأن القلب وشرح الصدر على المستوى الداخلي في غزة، فقد تحدوا الحصار وضرب النار معا، أما مقاومة الحصار فقد زرعوا مليون نخلة ومليون شجرة زيتون، وعمروا الأماكن التي كان يحتلها الكيان الصهيوني وسمّوها المحررات، وصار عندهم اكتفاء بفضل الله تعالى في الخضروات والفواكه والموالح واللحوم البيضاء، وعلى ضوء الشموع وفي الخيام علَّموا الأطفال والشباب والفتيات تعليما رفيع المستوى فصارت غزة المنطقة الوحيدة في العالم العربي التي لا يوجد فيها أميٌّ واحد، وصار ترتيب جامعاتهم في الصدارة من الجامعات في العالم الإسلامي كله، في الوقت الذي ترك لنا النظام السابق الأمية في مصر بنسبة %30، وكثير من الدول العربية ليست أحسن حالا من مصر، وفي الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة العنوسة والطلاق معا في أكبر تهديد لأركان الأسرة في العالم العربي حتى وصلت في إحدى الدول العربية إلى 46%، فإن حالات العنوسة تساوي صفرا في غزة، والطلاق لا يزيد على 1%، وفي الوقت الذي تتضاعف الجرائم وينعدم الأمن في عواصم عربية كبرى، صارت غزة أقل المدن العربية في الجرائم، وأستطيع أن أقول بيقين وقد عشت شهر رمضان في غزة وشعرت بالأمن والأمان أكثر من أية عاصمة أو مدينة في العالم زرتها أو عشت فيها، وقد قال دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية: "يستطيع أي إنسان رجل أو امرأة أن يتمشى في جوف الليل في قطاع غزة دون أن يصاب بمكروه، أو يتعرض له أحد بسوء، وليس من تهديد أمني إلا من جهة الكيان الصهيوني"، ولقد حوَّل رجال غزة وحكومتها الراشدة الأنقاض الهائلة من القصف للبيوت والمساجد إلى مواد لرصف الطرق ولإعادة البناء بقدر الوسع، وقد رزق الله غزة بخصوبة الأرض إنتاجا، وخصوبة الأسرة أولادا، فوزير الداخلية عنده - ما شاء الله - 22 ولدا، ورئيس الوزراء - ما شاء الله - عنده 14 ولدا، وهناك شباب يزيدون عن 960 ألفا ولدوا مع الانتفاضة، وأكبر نسبة شباب في أي تجمع ديموغرافي في العالم يوجد في غزة حيث تئن الدول الغربية من زيادة أعداد كبار السن، وندرة الإنجاب، وقلة الشباب، مما ينذر بانهيار حملة استكمال البناء الحضاري الغربي ليعود إلى الشرق بإذن الله تعالى على أيدي الشباب.
هذا في الجانب المدني أما فيما يتعلق بالجانب العسكري فعندما قرر نتنياهو وحكومته – عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة – أن يضربوا غزة في فبراير الماضي 2012م فقد ظنوا كما ظنوا من قبل في ديسمبر 2008م أنها ستكون ضربة سريعة قاصمة، لكنها بفضل الله ومنّته ارتدت عليهم أكثر مما توقعوا جميعا، حيث تم ضرب تل أبيب لأول مرة من العمق الفلسطيني وسقطت صواريخ حماس وفصائل المقاومة على بعد 200م من وزارة الدفاع الصهيونية، وصواريخ أخرى على بعد 300م من الكنيست الصهيوني، وتم اختراق الحواجز والقبة الحديدية، كل هذا في أقل من 12 ساعة من استشهاد الجعبري، والأعجب اصطياد الطائرات الصهيوأمريكية على أرض غزة، وضرب السفن الحربية في بحر غزة، ورحبوا بشدة بأن يدخل الجنود الصهاينة برا ليحصدهم أشاوس المقاومة في غزة حصدا، بل حزن شباب المقاومة البرية حزنا شديدا لأنهم ظلوا أياما ينتظرون حسم المعركة البرية ليكون لهم شرف قتل الصهاينة المعتدين لكن معركة الصواريخ جعلت القادة والشعب الصهيوني يرمون البنادق، ويدخلون الخنادق، ويتركون الفنادق، ويرتعشون خشية المارد الفلسطيني الذي يتحرق شوقا إلى رد العدوان من جميع فصائل المقاومة الذين ضربوا أعظم المثل في التجرد والتعاون،
واليوم وما أدراك ما اليوم هناك مشروع تجتمع عليه فصائل المقاومة جميعها وهو مشروع تحرير كل التراب الفلسطيني، وأحب أن أرتبه وفقا للأولويات تحت هذا العنوان الذي أردده دائما: "تحرير الأسرى والأقصى والقدس وفلسطين"، وسيفاجئ العدو بأن الزمام لم يعد بيده، وأن قرار الحرب لن يبدأ من عنده، وأنه لو بقيت فيهم بقية من عقل أو خوف على حياة أن يرحلوا، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: من الآية 96)، وقال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (البقرة: من الآية 96). أو بالأحرى: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.
وإنني من هنا أقول إن زيارتنا لغزة بعد استشهاد الجعبري قربت عندي المسافة بين القاهرة والقدس والعواصم العربية وفلسطين وشباب وعلماء الأمة ومعركة التحرير، وأحسبها ستكون أسرع مما يقدره علماء ومستشارو عالم الشهادة إلى قوم يؤمنون بالغيب أكثر مما يؤمنون بالشهادة، ويعشقون الشهادة في سبيل الله أكثر مما يعشق بنو صهيون الحياة.
وأخيرا أقول ما قاله سبحانه: "أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: من الآية241)، فاستعدوا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: من الآية60).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026