رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي كان ينتظر فيه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر رمضان، ضيفا كريما مفعما بالرحمات والبركات والخيرات والصلوات والزكوات والدعوات، أراد الله عز وجل أن يقدم للأمة بين يدي الشهر الكريم نفحات أكبر من كل الخيالات، وأعظم من كل التوقعات، حيث مات اللواء عمر سليمان "العقرب السام" لكل مصري أو فلسطيني أو عربي - كما يُسمى في عالم السياسة أو إن شئت عالم الخساسة والدياسة – أو "الصندوق الأسود" لحسني مبارك والكيان الصهيوني وأمريكا، ومهما قيل إنه لا شماتة في الموت فقد جاء نص القرآن يعبر عن الفرحة بهلاك الظالمين حيث يقول سبحانه: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:45)، وقد سجد أبو بكر سجدة شكر لما سمع بمقتل مسيلمة الكذاب، وكيف لا يفرح المسلمون بقدوم رمضان وهو شهر تُغسل فيه القلوب من الذنوب والأدران، والغفلة والعصيان، ولكن الله تعالى أراد أن تُغسل الأمة العربية والإسلامية كلها بهلاك عدد كبير من أكابر المجرمين في يوم واحد، ففي الوقت الذي يفكر فيه كل إنسان أن يغسل نفسه في رمضان، فإن الله تعالى يدبر للأمة قاطبة بأن يغسلها كل عام من كثير من الأدران ويطهرها من الرجس والأوثان، فتأتي في رمضان رحمات فردية لأشخاص الأمة، ورحمات أخرى جماعية لعموم الأمة، ومن هذه الرحمات الجماعية أكثر من 22 سرية وغزوة تمت إما قبل رمضان بأيام بشارة بين يدي الشهر أو رحمات متدفقة في رمضان، أو انتصارات بدأت في رمضان واكتملت في شوال ومنها:
1- سرية سيف البحر بقيادة سيدنا حمزة بن عبدالمطلب في رمضان سنة 1هـ.
2- غزوة بدر الكبرى في رمضان سنة 2هـ، ونصر الله فيها المؤمنين، وقُتل من قريش سبعون من أكابر مجرميها، مثل أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وصناديد قريش الذين فعلوا الأفاعيل في المسلمين.
3- غزوة بني سليم ضد قبائل غطفان وبني سليم، وكانت في أول شوال بعد غزوة بدر.
4- غزوة بني قينقاع كانت بعد رمضان بأيام بعد العودة من غزوة بدر.
5- غزوة أحد في رمضان سنة3هـ.
6- غزوة حمراء الأسد بعد أحد مباشرة.
7- غزوة بدر الثانية بدأ التحرك لها من شعبان من السنة الرابعة من الهجرة وكان عدد الجيش الإسلامي ألفا وخمسمائة، وخرج أبو سفيان في ألفين من المشركين، ولكن الرعب دب في قلوبهم فعادوا ينتظرون عاماُ خصباً، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش في رمضان بعد أن أقام بالجيش ثمانية أيام ببدر.
8- عزوة الأحزاب سنة 5 هـ.
9- غزوة بني قريظة سنة 5هـ.
10- سرية سيدنا أبي بكر الصديق وقيل زيد سنة 6هـ.
11- سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين سنة 6هـ.
12- سرية غالب بن عبدالله الليثي في رمضان سنة 7هـ.
13- سرية عبدالله بن رواحه إلى خيبر في شوال سنة 7هـ.
14- سرية بشير بن سعد الأنصاري في شوال 7هـ.
15- فتح مكة في رمضان سنة 8هـ.
16- سرية خالد بن الوليد بعد فتح مكة.
17- سرية عمر بن العاص سنة 8هـ.
18- سرية سعد بن زيد الأشهلي سنة 8هـ.
19- سرية خالد بن الوليد في شوال سنة 8هـ.
20- غزوة حنين في شوال سنة 8 هـ.
21- غزوة الطائف في شوال 8هـ.
22- غزوة تبوك بدأت في رجب من السنة التاسعة من الهجرة وانتهت في رمضان.
من هذا الاستقصاء يبدو لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حارب في رمضان بعد الإذن بالقتال في السنة الأولى من الهجرة في اثنتي عشرة غزوة وسرية في تسع سنوات، وحارب في شوال ورمضان والإعداد للجهاد من خلال شعيرة الصيام في إحدى عشرة غزوة وسرية وكانت رحمات رمضان تنزل تترى الأمة كلها. وهناك فتوحات ونفحات ربانية كثيرة في رمضان من تاريخ أمتنا منها:
23- فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد في يوم 28 رمضان سنة 92 هـ.
24- موقعة الزلاقة في الخامس والعشرين من رمضان سنة 479هـ.
25- موقعة عين جالوت يوم الجمعة 15 رمضان سنة 658 هـ.
26- حرب العاشر من رمضان سنة 1383 هـ، في أكتوبر سنة 1973م.
فأراد الله سبحانه وتعالى أن يقدم لنا بين يدي رمضان بموت أو قتل عمر سليمان في أمريكا أو سوريا في نفس التوقيت الذي قُتل فيه أكابر المجرمين في العالم العربي والإيراني والصهيوني في تفجيرات سوريا في هذه الضربة القاصمة القوية المؤثرة المغيرة لمسارات الثورة الشعبية الحرة في سوريا بل والأمة العربية والإسلامية حيث قُتل في ضربة واحدة وزير الدفاع السوري داوود راجحة ونائبه آصف شوكت، ورئيس خلية إدارة الأزمة حسن تركماني، ووزير الداخلية محمد الشعار، ورئيس مكتب الأمن القومي هشام الاختيار، وحافظ مخلوف، ومحمد سعيد بخيتان، وعلي مملوك، وجُرح ماهر الأسد، وليس صدفة أبداً أن يقتل "بن عويز شامير" رئيس معلومات مخابرات الكيان الصهيوني، وقد يكون في بطن الأحداث من المخابرات الأمريكية والبريطانية اللذين يلعبان في المسرح السوري ألعابا قذرة و"يمططان" عمر نظام هالك بائد ظالم قاس عميل لم يطلق رصاصة واحدة منذ احتُلت الجولان من الكيان الصهيوني لاسترداد الجولان المحتل لكنه يُغرق شعبه بسيل من الصواريخ برا وبحرا وجوا فضلا عن التعذيب وهتك الأعراض وتمزيق الأجساد وسلخ الجلود وتشويه الجثث وتركيع الناس لصورة بشار، وأمرهم أن يقولوا: "لا إله إلا بشار" فإذا لم يستجيبوا ذُبحوا وقُتلوا كل هذه المظالم لا بد أن تؤدي إلى انتقام الله عز وجل من هذه الطغمة الأمنية الحاكمة القابضة على سلاسل البغي والعدوان، لقد أكرم الله الأمة بذهاب هذا العدد الهائل من أوغاد المخابرات أقصد المؤامرات أو النذالات الذين دنست حياتهم بدماء شعوبهم والتمكين لأعداء البلاد من رقاب العباد، هؤلاء لم يتعظوا بقتل هذا الصحفي المصري عادل الجوجري الذي مات على الهواء قبل رمضان بأيام وهو يدافع بالباطل عن نظام الأسد العميل، لكن الضحية الكبرى في هذه الأحداث هو رحيل رجل المخابرات الأول في العالم العربي عمر سليمان الذي أشرف على تعذيب وقتل أبناء مصر المعارضين لنظام مبارك أو أمريكا أو إسرائيل حتى إن أمريكا لما أرادت أن تتأكد أن إحدى عملياتها نجحت أم لا في قتل نائب رئيس تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بأن تؤخذ عينة من دم أخيه في مصر فتطوع عمر سليمان قائلا: "إذا أردتم أن أرسل ذراعه كله فعلت"، وكان يشرف بنفسه على عمليات تعذيب وتلفيق لانتزاع الأدلة لحساب المخابرات الأمريكية والصهيونية، فلا تعجبوا من قول "بن إليعازر": عمر سليمان أفضل من خدم إسرائيل وهو الذي أشرف على قتل عدد كبير من أبناء حماس في داخل مصر ومنهم شقيق مشير المصري، وهو الذي أشرف على تشقيق الشعب الفلسطيني وتمزيق فصائله وخطط ودبر وفكر وقدر لضرب غزة في موقعة الرصاص المصبوب، وطلب مندوبين عن حماس وبدا شامتا ضاحكا في الوقت الذي كانت فيه أشلاء الأطفال والنساء والأبرياء تتقاذف في غزة بالقذائف الصهيونية كان يبدو ضاحكا شامتا – كوكيل عن الكيان الصهيوني – أن يستسلم أهل غزة، وما درى سليمان أن في غزة أسودا رهبانا بالليل، فرسانا بالنهار أبناء المسجد والمصحف، أبناء البنا وياسين، أبناء العزة والكرامة، أبناء النخوة والشهامة، والقوة والإباء، والصبر والفداء، مضى عمر سليمان الذي حرم الشعب المصري من الغاز النقي وصدَّره بالجملة إلى الكيان الصهيوني، وبقي يلبس الثوب الخفي، وورط فيها حسين سالم الذي حكمت المحكمة المصرية بسجنه وتغريمه ملياري جنيه لإضراره بالاقتصاد المصري، مضى عمر سليمان إلى الجبار المنتقم الذي قال سبحانه: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف:183)، وقال سبحانه: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (طه: من الآية111)، مضى في أسبوع واحد مع الأيدي العابثة بدماء أبناء الشعب السوري، مضى وهو ركن ركين في تجميع الكيان الصهيوني مع المشروع الشيعي الأميركي لإنهاك أهل السنة في سوريا حتى لا تقع سوريا في أيدي الشعب الحر بعد أن أفلتت مصر من أيديهم رغم المغامرات والمليارات والتزييف الإعلامي الذي كان آخره هو اتهام عمر سليمان لجماعة الإخوان بقتل الثوار في ميدان التحرير!
ألا ليت أبا جهل قد عاد لأنه قطعا أشرف من هؤلاء الذين كانوا يواجهون في العلن، وأبى أن يدخل بيت رسول الله ومعه أربعون من صناديد وفتيان العرب لما اقترح أحدهم ألا ينتظروا محمدا حتى يخرج في الصباح، فكان الرد من أبي جهل: "أتحبون أن يقول العرب أننا فزعنا بنات محمد؟!"، بل إن أبا سفيان استنكف أن تؤثر عنه العرب أنه كذب مرة عندما سأله هرقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أيغدر؟، ففكر في الكذب ثم استنكفه وخشي أن تلحق سيرته كذبة واحدة، أما هؤلاء فكأن منطقهم أخشى أن تؤثر عني العرب أني صدقت مرة.
لك الحمد يا الله أن أكرمت أمتنا كرما بالجملة وليس بالقطاعي بقتل راجحة، وآصف، وتركماني، والشعار، واختيار، ومخلوف، وبخيتان، ومملوك، وسليمان، وأدعو الصائمين القانتين أن يجأروا بهذا الدعاء:
"اللهم يا مجري السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، أكرم أمتنا بقتل بشار وأعوانه كما أكرمتنا بقتل القذافي في رمضان الماضي، وأكرمت أمتنا برحيل الظالمين من أوغاد المخابرات".
وأرجوكم بالله ركزوا أن تكون هذه الدعوة في الأسحار وعند الإفطار للحديث الذي أورده السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع" (حديث حسن).
حمدا لله على نفحات رمضان وذهاب لفحات سليمان.
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
949
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4181
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4150
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026