رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" ناقش في الأسبوع الماضي مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمناء العامين لفصائل المنظمة وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح فكرة إلغاء اتفاق أوسلو واحتمال تفكيك السلطة وإيقاف التنسيق الأمني مع العدو.. وأقول:
سواء كان تفكير السيد " عباس " في ذلك جديا كما يراه البعض أو مجرد مناورة تهدف للضغط على شركائه في عملية التسوية (و / أو) لصرف الاهتمام الداخلي عن الأزمات التي تمر بها حركته وسلطته كما يراها بعض آخر؛ فذلك يعد تحولا وانتقالا كبيرا يجب الوقوف عنده والتأمل في أبعاده إذ رجع الشعب الفلسطيني يناقش القضايا الكبيرة التي انصرف عنها لزمن..
لست أود اليوم الخوض في كل ما يتعلق بهذه العناوين الكبيرة وما عليها من ملاحظات واستدراكات وتحليلات فقد قتلت بحثا وتمحيصا وصار الاختلاف حولها ترفا الذي لا وقت ولا داعي له.. ما يهمني اليوم موضوع تفكيك السلطة خاصة وما يهمني منه بأخص الأخص أمران اثنان أجد من الضرورة تجليتهما وإزالة ما لا يزال يلفهما من الوهم والتشكيك وعدم وضوح الرؤية؛ أولهما: من هي السلطة وما المسار التراكمي والتحصيلي لها في ضوء ما قامت به وما يمكن أن تصل إليه بعيدا عن التهويل أو التهوين أو الإطلاقات العامة أو الاتهام أو التبرئة الجزاف من أجل استشفاف الدور الذي تؤديه ماديا وعمليا وحقيقيا ثم الحكم عما إن كان بقاؤها أو تفكيكها ضروريا.. الأمر الثاني: الرد على دعوى يروج لها من يدافعون عن بقاء السلطة ويكررونها " أن السلطة جسدت الشرعية الفلسطينية وأنها بذلك – أي السلطة – صارت مكسبا إستراتيجيا لا يجوز التفريط فيه أو التراجع عنه".
وأقول: أما بالنسبة لماهية السلطة والمسار الذي تسير فيه منذ وجدت، وإذا أدخلنا التفاصيل الصغيرة والأحداث الجزئية تحت عناوينها الكبيرة وأطرها العامة فتمكن ملاحظة ورصد أن هذه السلطة قد مرت بثلاث مراحل أرادها كلها الاحتلال، وأننا اليوم بصدد المرحلة الثالثة التي تأتي بالضرورة والترتيب المنطقي وبقياس الغائب على الحاضر والمستقبل على الماضي حصادا وتحصيلا للمرحلتين السابقتين.
المرحلة الأولى: هي المرحلة التي امتدت من بداية التسوية حتى اغتيال الراحل "عرفات" وكان من أهم أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من عرفات لتيار بذاته ممن أوجدوا حوله، ومن المنظمة بتفاريعها وتاريخها وأيديولوجيتها إلى حركة فتح الموطأة الأكناف و"المقصقصة" الجناح، ونقل الشرعية داخل فتح نفسها من جيل لجيل ومن رموز لرموز.. وقد اعتمدت هذه المرحلة أساسا على وجود عرفات واستغلال رمزيته وتركيب الشخوص "المقصودين" على كتفيه.. والظن أن الراحل لو فطن لخطورتهم ما قدمهم شبرا وما رفعهم على شعبه بقليل ولا بكثير..
المرحلة الثانية: ردأت بعد استشهاد عرفات مباشرة وكان من أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من داخل فتح إلى خارجها؛ إلى السلطة وإلى آخرين من فصائل صغيرة ومن شخصيات إما كانت مغمورة أو مشبوهة ثم تصفية الحساب بها مع فتح وحماس والمقاومة بمفاهيمها ورموزها وقياداتها ومؤسساتها وإعلامها؛ هنا يحضر الحديث عن أشخاص بأعيانهم ارتكز عليهم مشروع السلطة منذ استشهاد "عرفات" برزوا وصارت لهم أدوار واضحة وخاضوا صدامات مباشرة واستمروا في مواقعهم من دون قاعدة شعبية ولا تاريخ نضالي ورغم كل الرفض الوطني لهم.. في هذه المرحلة يأتي الحديث عن محاولة إدخال بعض هؤلاء لحركة فتح، وعن الانقسام الدموي بين غزة والضفة وعن تقاعدات قسرية لرتب الأمن الوطني وعن مساومة الثوار على أسلحتهم وليتحولوا لفنانين وممثلين على مسارح جنين والضفة وصولا بهم اليوم إلى السجون، وفي إطار هذه المرحلة أيضا تأتي الفضائح الكثيرة والمتلاحقة التي طاولت رموزا تاريخية في فتح كان ممكنا وطبيعيا التستر عليهم.
أما المرحلة الثالثة: التي يفترض أنها الحصاد والتطور الطبيعي للمرحلتين السابقتين والتي نحن بصددها اليوم فهي تكبيل القضية الفلسطينية وتغيير الثقافة وإشغال المواطن بلقمة العيش وصولا لإنهاء أي فرصة لدولة فلسطينية مستقلة.. من ملامح هذه المرحلة الثالثة وربما الأخيرة الجارية اليوم الترويج لثقافة أكبر رغيف خبز وأكبر طبق مسخن ومهرجانات العنب والرسم على الجدران والمباريات الرياضية وزيارات وتصريحات قادة في السلطة حول الحق التاريخي لليهود في فلسطين.. ومن ملامحها أيضا نشاط التهويد والاستيطان وتجاهل القدس.. إلخ.
هذه السلطة بهذا التشخيص لم تعد مجرد تجربة سياسة خاطئة ولكنها أصبحت نقيضا معاكسا وعنادا مشاكسا للشعب الفلسطيني وإنجازاته الثورية والتاريخية وصارت سوأة بين الثورات المعاصرة مهما قال في الدفاع عنها مستفيدون متسمنون أكلوا على عسابها وشربوا وتورمت أرصدتهم وأرصدة ذويهم.
كثير مما يقوله هؤلاء لا يقوم على ساق ولا يستند إلى منطق وما هو إلا صيغ إنشائية ودغدغات عاطفية وخلط للتمنيات بالتحليلات ولكن ثمة حجة يقولونها أرى أن أردها وأفندها لأنها من إلباس الحق بالباطل ومما يطول فيه لسانهم.. يقولون: يكفي أنه صار للشعب الفلسطيني بالسلطة شرعية وتمثيل رسمي في المحافل الدولية.. ويقولون: هذه الشرعية مطلوبة ويلتقي عليها الجميع بكل أفكارهم واتجاهاتهم.. وأقول:
هذا التوصيف غير صحيح لا بالنسبة للشعب الفلسطيني ولا بالنسبة للسلطة ولا بالنسبة للحقائق على الأرض؛ فالشعب الفلسطيني هو أصل الشرعية وهو موجود قبل السلطة وبعدها وبها وبدونها، والشعب الفلسطيني لم يكن يوما فاقدا للشرعية حتى تكون السلطة أو المنظمة أو أي جهة في العالم كله متفضلة عليه بشيء منها؛ وعلى العكس من ذلك مرة أخرى فالصهاينة هم الذين لا يزالون يبحثون عن شرعية وعن هوية وعن نوعية بعد نيف وستين سنة من إقامة كيانهم، ثم إن الشرعية التي تتمتع بها السلطة مؤطرة بالاتفاقيات الخانقة وملوثة بالتنسيقات الأمنية الفاضحة ومجزوءة سياسيا بكونها حكرا على فئة مطاوعة اختارها وأعلاها الاحتلال دون كل الناس.. ومن شاء فهذه انتخابات الـ2006 التي فازت بها حماس واعتقالات النواب والعدوان على غزة كلها تدلل وتؤكد أن شرعية السلطة خاصة ومحدودة لفريق دون غيره ولفكرة دون سواها وأن الشعب الفلسطيني لم يتمتع بشرعية حقيقية للسلطة لحظة واحدة؛
فإن كان وجود السلطة ذات يوم مطلبا فلسطينيا؛ فقد بني على وهم " الربع ساعة الأخير " الذي امتد حتى اليوم إلى عشرين سنة، وعلى وهم " الضوء في نهاية النفق " الذي من الواضح أننا لن نصل إليه أبداً ولكن هذا الوجود أدى أيضا لانقلاب كثير من القيم والمفاهيم حتى قتل الأخ أخاه وتجسس الثائر على الثائر ووصل ببعض الثوار أن يحموا المحتل وأن يعيدوا جنود الصهاينة القتلة إلى أهاليهم في كل مرة سالمين بعد تكريمهم بقدح شاي بالنعناع أو المريمية الفلسطينية والأعجب أن يصير ذلك في نظر البعض قمة الوطنية وغاية غايات المصلحة العليا.
آخر القول: لا بد أن نرى كلا طرفي الصورة ولئن كان للراحل عرفات - رحمه الله – عذر في إيجاد السلطة وأنه لم يخلص الشعب الفلسطيني من مشروعها حتى مات؛ فليس مثل ذلك للسيد " عباس " وحركة فتح بعد كل هذا الافتضاح الذريع الذي يعرفه ويعيشه ويعانيه كل فلسطيني.. صحيح أن الاحتلال لن يسلم لهم بذلك ولكنها المسؤولية الوطنية، فقد صار وجود السلطة عبئا على الشعب والقضية بقدر ما أصبح تفكيكها وتسعير الأرض من تحت الاحتلال بعدها " ضرورة شرعية ومصلحة سياسية وفرصة تاريخية".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026