رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تفض ما أطلق عليها مليونية الرابع والعشرين من أغسطس في مصر يوم الجمعة الفائت إلا عن فشل ذريع لمنظميها الذين يتعين عليهم أن يتيقنوا أنهم لا يعبرون عن الشعب المصري الذي يمتلك حسا وطنيا رفيع المستوى غير قادر على الاختراق من قبل فئات وعناصر مجردة من هذا الحس.
لقد راقبت المشاركين في هذه المليونية الوهمية العبثية ورصدت وجوها غير مؤمنة بقضية وإن زعمت حرصها ودفاعها عن ثورة الخامس والعشرين من يناير. كانت قسمات هذه الوجوه تنبئ عن حقد متراكم على ثورة الشعب المصري وطرحت شعارات وإن بدا بعضها ثوريا اتسمت بالافتقار عن روح هذا الشعب الأصيل الغني في قناعاته وتوجهاته ورفضه لكل غث لا يسمن عن جوع
بضعة مئات من انتماءات سياسية باهتة الحضور والفعالية في المشهد المصري شاركت في تظاهرات هنا أو هناك ثم امتدت إلى قصر رئاسة الجمهورية وإعلانها الاعتصام في محيط القصر وتهديد بقطع الطرق حتى تتحقق مطالبها الكرتونية التي تعكس عقلية أطفال متأثرين بأفلام وبرامج الكرتون بمحطاتنا العربية
وأظن أن محاولة النائب السابق محمد حامد لتزعم ما أطلق عليه عبثا ثورة الرابع والعشرين من أغسطس لم تكن إلا من قبيل امتطاء موجة زعامة فقدها بعد تحولاته السياسية المتعددة في أٌقل من عام وسبعة أشهر والتي انتقل فيها من خندق الثورة إلى خندق حزب المصريين الأحرار والذي سرعان ما استقال منه بعد أشهر في البرلمان المنتخب وقرر تشكيل حزب خاص ليحقق رغبته الدفينة في الرئاسة والزعامة. ولأن هذا الحزب لم يلب نهمه وسعيه الدؤوب ليبقى في القمة. فإنه قرر الدفع بهذه التظاهرات وللأسف لم تحقق له سوى المزيد من الانزواء والبقاء في خانة الصمت ولاشك أن سقوطه المدوي تحقق عندما قرر الانحياز لمرشح الثورة المضادة في جولة الإعادة لانتخابات رئاسة الجمهورية الفريق أحمد شفيق فبانت حقيقته وتجلى جوهره.
ومن البديهي القول أنه لم تكن ثمة جدوى من إطلاق هذه التظاهرات التي اتسمت بالهلامية والافتقار إلى المنطقية والواقعية وإن كنت مؤمنا بحق كل مواطن مصري أو مجموعة سياسية في أن تعبر عن رأيها ومواقفها عبر أشكال التظاهر السلمي. فهي قد جاءت في غير أوان أعلنت مخاصمتها لرئيس جمهورية منتخب من قبل الشعب عبر صناديق الاقتراع السري المباشر ووفق محددات النزاهة والشفافية ولم يصعد إلى السلطة عبر آليات الاستبداد المعروفة في عالمنا العربي هذا أولا.
أما ثانيا فإنه لم يمض على وجود الرئيس في منصبه سوى شهرين أو أكثر وهو ما لا يشكل مجالا للتقييم المنصف لأدائه خاصة أنه قضى الشهر الأول نصف رئيس في ظل وجود نوع من ازدواجية السلطة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة فضلا عن أنه لم يشكل حكومته ويحيط نفسه بمن يسمون رجال الرئيس إلا قبل أقل من شهر. وبالتالي فإنه لم يبدأ العمل الفعلي لبلورة برنامجه الذي انتخب على أساسه إلا قبل أيام فكيف يمكن محاسبته وتقييم أدائه خلال هذه الفترة القصيرة نسبيا؟
ومع ذلك إن شئنا الإنصاف فإنه أبدى إِشارات إيجابية على قدرته على التعاطي بفعالية مع المعضلات الرئيسية في الواقع المصري بيد أن ذلك سيتطلب متسعا من الوقت قد يطول ويقفز على أشواق المصريين في التخفيف من حدة هذه المعضلات على الأقل في المدى المنظور والتي انتظروا أن يتحقق منها ولو نزر يسير في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي طرحت شعارات وأهدافا تتماس مباشرة مع هذه الأشواق.
أما فيما يتصل بفكرة إسقاط حكم جماعة "الإخوان المسلمون " التي رفعها العشرات من المشاركين في التظاهرات الهشة والضعيفة والتي لم يشعر بها أحد إلا عبر تغطية إعلامية من التلفزيون الرسمي وبعض القنوات فهي من قبيل الحق الذي يراد به باطل فهذه الجماعة لا تحكم مصر رغم وجود رئيس جمهورية ينتمي إليها ولكنها تمثل عبر ذراعها السياسية – حزب الحرية والعدالة – جزءا من المنظومة السياسية التي تشكلت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وقد يكون صحيحا القول أنها حققت أغلبية في الانتخابات البرلمانية الماضية إلى جانب الجماعات السلفية لكنها رغم ذلك لم تشكل حكومة بمفردها ولم تسمح حكومة الدكتور كمال الجنزوري السابقة لقرارات أغلبيتها البرلمانية بالتطبيق في ظل ما كان سائدا من احتقان سياسي بين الطرفين نتيجة تقديرات موقف خاطئة منهما في تقديري مما عطل الكثير من التحولات الإيجابية التي كان يمكن أن تشهدها مصر بعد انتخاب أول برلمان يمثل الشعب على نحو حقيقي وصحيح خلال الأربعين عاما المنصرمة.
وإذا توقفنا عند الحكومة التي شكلها الرئيس محمد مرسي برئاسة الدكتور هشام قنديل فإنها لا تضم سوى وزيرين من حزب الحرية والعدالة وبعض الوزراء المتعاطفين مع التيار الإسلامي بينما أغلبية وزرائها ينتمون إلى قوى سياسية متعددة ومن ثم فإنه لا يمكن القول من حيث المنهجية العلمية بسيطرة "الإخوان المسلمون" وحزبها على الحكم.
ولكن قد يلفت قائل إلى أن هذه السيطرة أو ما يطلق عليه البعض الاستحواذ الإخوان أو أخونة مؤسسات الدولة لا يتم على نحو علني وإنما وفق منهجية متدرجة وسياسة الخطوة خطوة ودون ضجيج. غير أن الحقائق تؤكد أن الدولة المصرية عصية على اختراق جماعة أو قوى سياسية بعينها بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي كسرت حاجز الخوف لدى المصريين وبالتالي فإنهم عندما يرصدون أي محاولات للهيمنة من قبل هذه الجماعة أو تلك. سرعان ما يرفضونها ويتصدون لها بل ويجهضونها دونما تردد.
والقارئ لتاريخ مصر يمكنه أن يرصد نفور شعبها من أي محاولات من هذا القبيل. بل إنه تصدى لمحاولات القوى الاستعمارية على مدى عدة قرون لفرض ثقافاتها ولغاتها وأنماط حياتها وإن لم يرفض التفاعل مع توجهاتها الحضارية الإيجابية التي استفاد منها في مشاريع نهوضه محافظا على ثوابته الحضارية العربية الإسلامية.
وأحسب أن دوائر الثورة المضادة تسعى بقصد مع سبق الإصرار إلى إعادة إنتاج فزاعات النظام السابق بخصوص الإخوان المسلمون والتي عمل على تسويقها داخليا وخارجيا لتأمين استمرارية حكمه وصيرورة مشروع التوريث لنجل رأس النظام وهو أمر لم يعد يتسق مع المعادلات التي فرضتها ثورة الخامس والعشرين من يناير وفي صدارتها أن الجماعة بذراعها السياسية المتمثل في حزب الحرية والعدالة باتت قوى سياسية علنية مثلها مثل القوى والكتل الأخرى لا تشكل خطرا على الدولة المصرية ما دامت ملتزمة بثوابتها وبقواعد اللعبة الديمقراطية ولم تلجأ إلى العمل السري ولم تخترق النظم أو القوانين وبوسعها أن تصعد إلى صدارة المشهد عبر آلية صناديق الاقتراع والتي تهيئ لها إمكانية الهبوط أيضاً إذا لم تتجاوب المطالب الجماهيرية وتسعى جاهدة إلى حل معضلات الناس المتصاعدة.
ولاشك أن الجماعة وحزبها مطالبان بألا يعيدا إنتاج نموذج الحزب الوطني السابق ولجنة السياسات سواء في الأداء السياسي أو العمل التنفيذي وهو ما يستدعي تقديم تطمينات عملية وليست كلامية فقط على هذا الصعيد ويستوجب في الآن ذاته تقليص مساحة الهواجس بالذات فيما يتعلق بالمواطنين المسيحيين والمرأة المصرية وكلاهما يشعر أنه ما زال مهمشا وبعيدا عن المشاركة الحقيقية في القرار الوطني.
وبات من الضروري الآن أن يسارع الرئيس مرسي بمخاطبة الشعب المصري ليعيد التأكيد على قواعد الحكم التي أعلنها في خطابه عقب أدائه اليمين الدستورية والتي تنهض على بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة من دون إقصاء وتكريس مبدأ المواطنة والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات واحترام حرية التعبير والإعلام وفق ما طرحته وثيقة الأزهر التي أقرتها مختلف القوى السياسية المصرية قبل بضعة أشهر لتعكس التوافق على هذه الخيارات الضرورية ليقظة وصحوة المحروسة.
السطر الأخير:
لمن تشرق شمس القصيدة؟
لك أيتها الأيقونة الزاخرة بأسرار عشقي
المدهشة في توهج حقولها
الممتدة بعيني
القابضة على أوراق ربيعي
المختفية بين حنايا روحي
لك السلامة
ولي قلبك
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026