رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُعد عام 2026م واحداً من الأعوام ذات الأهمية التاريخية الخاصة في حياة الشعب التركماني، إذ تحتفل تركمانستان المستقلة والمحايدة بشكل دائم هذا العام بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها في أجواء احتفالية مهيبة، ويأتي الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية المجيدة تحت شعار: «تركمانستان المستقلة والمحايدة دائماً - موطن العزيمة الأصيلة وروح الفروسية»، ليجسد ما حققته البلاد طوال سنوات الاستقلال من إنجازات بارزة، ونهضة وطنية شاملة، وانتهاج سياسة خارجية محبة للسلام.
وبفضل السياسة الحكيمة والبصيرة التي ينتهجها فخامة السيد سردار بردي محمدوف، رئيس تركمانستان، شهدت البلاد خلال سنوات الاستقلال ترسيخاً متواصلاً لمبادئ الدولة الوطنية، وتنفيذ مشاريع واسعة النطاق في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلى جانب تطوير القدرات العلمية وتعزيز إمكانات الدولة في مختلف المجالات، وقد رسخت تركمانستان مكانتها المتميزة في المجتمع الدولي، وهي تواصل بثبات تنفيذ سياستها الخارجية القائمة على السلام والاحترام المتبادل وحسن الجوار والتعاون الدولي الفعّال.
وخلال العقود الثلاثة والنصف الماضية، نفذت تركمانستان إصلاحات واسعة النطاق هدفت إلى تحديث مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني والحياة الاجتماعية، وشهدت البلاد تشييد مدن جديدة ومجمعات سكنية عصرية، وإنشاء منشآت ومشروعات إنتاجية حديثة، إلى جانب تحقيق تطور ملموس في قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والتعليم، والعلوم والرعاية الصحية والثقافة.
وتجدر الإشارة بصفة خاصة إلى التحول الكبير الذي شهدته العاصمة عشق آباد في مظهرها العمراني والمعماري، بقيادة رئيس مجلس الشعب التركماني، الزعيم الوطني للشعب التركماني، فخامة السيد قربان قولي بردي محمدوف، فكان تشييد المنشآت الحديثة ذات المستوى الدولي، إلى جانب إنشاء مدينة أركاداغ، من أبرز الرموز الدالة على مسيرة البناء والتنمية الخلاقة التي تحققت خلال سنوات الاستقلال.
كما يستحق الارتفاع المتواصل لمكانة تركمانستان على الصعيد الدولي اهتماماً خاصاً، ففي إطار منظمة الأمم المتحدة، تواصل البلاد طرح مبادرات مهمة تهدف إلى تعزيز السلام والأمن والتنمية المستدامة والتعاون الدولي.
ومن أبرز المحطات التاريخية في مسيرة الاستقلال الاعتراف الدولي بوضع تركمانستان كدولة محايدة بشكل دائم، فقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالوضع القانوني لحياد تركمانستان في عام 1995، وأُعيد تأكيد هذا المبدأ التاريخي من خلال القرارات ذات الصلة التي اعتمدت في عامي 2015 و2025.
ويشكّل مبدأ الحياد الإيجابي الذي تنتهجه تركمانستان اليوم أداة دبلوماسية مهمة لتعزيز السلام والثقة والتفاهم المتبادل، وتؤكد البلاد باستمرار أهمية تسوية القضايا الدولية من خلال الحوار، ودور الدبلوماسية الوقائية، وإقامة العلاقات على أساس الاحترام المتبادل، كما أن الدعم الواسع الذي حظيت به المبادرات الدولية التي طرحتها تركمانستان خلال السنوات الأخيرة يمثل دليلاً واضحاً على ذلك.
وقد جاء إعلان عام 2025 «السنة الدولية للسلام والثقة» بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بناءً على مبادرة تركمانستان، ليؤكد مرة أخرى الدعم الواسع الذي تحظى به السياسة الخارجية التركمانية المحبة للسلام من جانب المجتمع الدولي.
وفي 24 يوليو 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع، بمبادرة من تركمانستان، قراراً بإعلان عام 2028 «السنة الدوليّة للقانون»، وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز احترام قواعد القانون الدولي، وترسيخ مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ودعم سيادة القانون في العلاقات الدولية.
العلاقات التركمانية ـ القطرية.. صداقة راسخة وتعاون متنامٍ
تولي تركمانستان في سياستها الخارجية أهمية خاصة لتطوير علاقاتها الودية مع دول الشرق الأوسط، ومن بينها دولة قطر، على أساس الصداقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وقد أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بين تركمانستان ودولة قطر في 22 نوفمبر 1996، ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً متواصلاً في المجالات السياسية والدبلوماسية والتجارية والاقتصادية والثقافية والإنسانية وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وتشكل العلاقات التركمانية ـ القطرية اليوم نموذجاً مهماً للتعاون الودي القائم على الاحترام المتبادل والثقة والمصالح المشتركة، كما تعكس اللقاءات رفيعة المستوى والمشاورات السياسية والتنسيق المتواصل في إطار المنظمات الدولية عمق العلاقات الثنائية واتساع آفاق التعاون بين البلدين الصديقين.
وتتناول المشاورات السياسية التي تُعقد بين وزارتي خارجية البلدين مختلف القضايا المهمة المتعلقة بالعلاقات الثنائية، كما يجري خلالها تبادل وجهات النظر بشأن آفاق التعاون في المجالات السياسية والدبلوماسية والتجارية والاقتصادية والاستثمارية والطاقة والنفط والغاز والسياحة والثقافة والمجالات الإنسانية، ويمثل تعزيز العلاقات البرلمانية أحد المحاور المهمة للتعاون بين البلدين.
ويكتسب عمل اللجنة الحكومية المشتركة التركمانية ـ القطرية للتعاون التجاري والاقتصادي أهمية خاصة في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وقد شكل انعقاد الاجتماع الثالث للجنة في الدوحة في نوفمبر 2025 مؤشراً واضحاً على الاهتمام المتزايد لدى المؤسسات الحكومية ودوائر الأعمال في البلدين بتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي وتعميقه.
ولا تقتصر العلاقات بين تركمانستان ودولة قطر على المجالات الاقتصادية فحسب، بل تشمل كذلك مجالات الثقافة والتعليم والرياضة والسياحة وغيرها من المجالات الإنسانية التي تشكل جزءاً مهماً من العلاقات الودية بين الشعبين، وتسهم إقامة الفعاليات الثقافية والمعارض والبرامج التعليمية والرياضية في تعزيز التفاهم المتبادل والتقارب الثقافي بين الشعبين الصديقين.
وتؤكد وتيرة تطور العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة وجود آفاق واسعة للارتقاء بالتعاون المشترك إلى مجالات جديدة، فالتجارة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والنقل والسياحة والثقافة والتعليم وغيرها من القطاعات تزخر بفرص واعدة لتعزيز الشراكة والتعاون بين تركمانستان ودولة قطر.
ويؤدي النهج الفعّال الذي يتبعه كل من فخامة السيد سردار بردي محمدوف، رئيس تركمانستان، وصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، دوراً مهماً في مواصلة تطوير علاقات الصداقة والتعاون المثمر بين البلدين والشعبين الصديقين.
الاستقلال التركماني.. مناسبة لتعزيز جسور الصداقة بين البلدين
إن الاحتفال بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال تركمانستان في دولة قطر سيكون تعبيراً مميزاً عن علاقات الصداقة الأصيلة التي ترسخت بين البلدين على مدى سنوات طويلة، ولن يكون الاحتفال الرسمي بهذه المناسبة الوطنية التركمانية في مدينة الدوحة مناسبة للتعريف بإنجازات تركمانستان المستقلة أمام المجتمع الدولي فحسب، بل سيغدو أيضاً احتفاءً بالصداقة التركمانية ـ القطرية، وبالاحترام المتبادل بين الشعبين، وبالتقارب الثقافي والحضاري بينهما.
كما أن تنظيم الاحتفالات بالذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال من خلال البعثة الدبلوماسية لتركمانستان في الدوحة سيسهم في تعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين، وترسيخ التفاهم المتبادل وحسن النية والتقارب الثقافي بين الشعبين.
إن مسيرة الاستقلال التي قطعتها تركمانستان على مدى خمسة وثلاثين عاماً تمثل مسيرة بناء وتنمية وتعزيز للمكانة الدولية للبلاد، كما أن علاقاتها المتنامية مع دولة قطر تجسد نموذجاً للعلاقات القائمة على الصداقة والاحترام والثقة والمصالح المشتركة.
فلتتواصل وتتعمق علاقات الصداقة والتعاون المثمر بين تركمانستان ودولة قطر، ولتتسع آفاقها وتتجدد مضامينها بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين.
ولتنعم تركمانستان ودولة قطر، وشعباهما الصديقان، دائماً بالسلام والاستقرار والازدهار والرخاء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- سفير تركمانستان لدى دولة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3021
| 24 سبتمبر 2026