رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخة نجلاء بنت أحمد آل ثاني

• المدير التنفيذي لمركز رعاية الأيتام (دريمة)

مساحة إعلانية

مقالات

132

الشيخة نجلاء بنت أحمد آل ثاني

لأجلهم.. أسرة واعية رقمياً

27 سبتمبر 2026 , 12:00ص

حين أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة الحملة الوطنية (أسرة واعية رقميًّا) تحت شعار حمايتهم.. مسؤوليتكم، وبمشاركة عدد كبير من المؤسسات الوطنية، فإنها لم تطرح قضية تقنية عابرة، ولم تتحدث فقط عن هواتف وأجهزة وتطبيقات، وإنما وضعت أمام المجتمع سؤالاً تربوياً وإنسانياً أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كيف نحمي أبناءنا في عالم يدخلون إليه كل يوم، بينما لا نستطيع دائماً أن ندخل معهم؟

  دعوة لكل أُسرة

إنها مبادرة تستحق أن نقف عندها، وأن ننظر إليها باعتبارها دعوة لكل أسرة، ولكل مؤسسة تعمل مع الأطفال والنشء، إلى إعادة التفكير في مفهوم الحماية في عصر لم تعد فيه حدود البيت هي حدود العالم الذي يعيش فيه أبناؤنا

فقد كان الآباء في الماضي يعرفون، إلى حد كبير، أين يذهب أبناؤهم، ومن يصاحبون، ومتى يعودون. أما اليوم، فقد يجلس الطفل أمامنا في المنزل، بينما ينتقل في ثوانٍ بين مدن وثقافات وأشخاص وأفكار وصور ومقاطع ومنصات لا حدود لها.

  مسؤولية الأسرة

قد يكون أبناؤنا أمام أعيننا، لكنهم ليسوا دائماً في المكان الذي نراه. وهنا تكمن أهمية أن تأتي مبادرة وطنية لتقول للأسرة إن مسؤوليتها في العالم الرقمي لا تقل عن مسؤوليتها في العالم الحقيقي.

ولعل أجمل ما تحمله عبارة حمايتهم.. مسؤوليتكم أنها تعيد المسؤولية إلى مكانها الطبيعي؛ فالابن لا يمكن أن يتحمل وحده عبء عالم صُمم ليجذب انتباهه ويستبقيه أطول وقت ممكن، ولا يمكن أن نمنحه جهازاً يفتح له أبواب العالم ثم نتركه يتعلم وحده كيف يواجه ما وراء تلك الأبواب. لكن الحماية التي نحتاج إليها اليوم لا يمكن أن تقوم على المنع وحده.

  التكنولوجيا ليست عدواً

أن يعرف الابن أن صورته ليست شيئاً متاحاً للجميع، وأن بياناته جزء من خصوصيته، وأن الشخص الذي يتحدث معه خلف الشاشة قد لا يكون دائماً كما يقدم نفسه، وأن كل ما يراه ليس حقيقة، وكل ما ينتشر ليس صحيحاً، وكل ما يحظى بإعجاب الآخرين لا يستحق بالضرورة أن يقلده. وأن يعرف أيضاً أن التكنولوجيا ليست عدواً. فالشاشة التي نخشى أحياناً ما يأتي من خلفها، هي نفسها نافذة يستطيع أبناؤنا من خلالها أن يتعلموا لغة، ويقرأوا كتاباً، ويكتشفوا موهبة، ويتعرفوا إلى ثقافة، وابتكار فكرة، ويروا عالماً لم يكن متاحاً للأجيال السابقة أن تراه بهذه السهولة. لذلك فإن الوعي الرقمي لا يعني أن نُخيف أبناءنا من التكنولوجيا، بل أن نعلمهم كيف يعيشون معها دون أن يعيشوا لها. وهذه مسؤولية تبدأ من الأسرة قبل الأبناء.

  الحوار أقوى وسائل الحماية

فليس كافياً أن نسأل أبناءنا: كم ساعة قضيتم أمام الهاتف؟ بل علينا أن نسألهم: ماذا شاهدتم اليوم؟ ما الذي أعجبكم؟ هل صادفتم شيئاً أزعجكم؟ هل تحدث معكم شخص لم تعرفوه؟ وما الفكرة الجديدة التي تعلمتموها؟ قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تصنع جسراً. والطفل الذي يعتاد أن يحكي لنا الأشياء الصغيرة اليوم، سيكون أكثر قدرة على أن يحكي لنا الأشياء الكبيرة غداً. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في العالم الرقمي ليس فقط أن يتعرض الطفل لموقف سيئ، وإنما أن يتعرض له ثم يخشى أن يخبرنا. ولهذا فإن الحوار قد يكون أحياناً أقوى وسائل الحماية. أن يعرف أبناؤنا أننا سنستمع إليهم قبل أن نحاكمهم، وأنهم إذا أخطأوا سيجدون من يساعدهم على تصحيح الخطأ، وأن البيت ليس محكمة تنتظر اعترافهم، وإنما المساحة الأولى التي يعودون إليها عندما يضيق بهم العالم.

  التمكين الرقمي

وفي مركز رعاية الأيتام «دريمة» نحرص على أن تسير تنمية مهارات أبنائنا التقنية جنبًا إلى جنب مع تعزيز وعيهم بسلامتهم الرقمية، انطلاقًا من إيماننا بأن رعايتهم وتمكينهم يشملان إعدادهم للتعامل الواعي مع عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية. ومن هذا المنطلق، يأتي تعاوننا مع الوكالة الوطنية للأمن السيبراني لتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت، والتوعية بحماية البيانات الشخصية والخصوصية، ومخاطر التنمر والابتزاز الإلكتروني والألعاب الإلكترونية، إلى جانب تعزيز دور الأسر الحاضنة ومقدمي الرعاية في المتابعة الإيجابية والتوجيه الرقمي، بما يساعد الأبناء على إدراك المخاطر والتعامل معها بثقة. ويُكمل هذا التوجه بتعاوننا مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، من خلال مبادرة «ستوديو 5» التي أتاحت لأبنائنا تجارب تفاعلية في البرمجة والذكاء الاصطناعي بما يفتح أمامهم آفاق التعلم والتوعية، ويعزز قدرتهم على الاستفادة من التكنولوجيا بوعي وثقة ومسؤولية.

  أُسرة واعية رقميًّا

ومن هنا تكتسب مبادرة (أسرة واعية رقميًّا) أهميتها؛ لأنها لا تتعامل مع الأمان الرقمي بوصفه مسؤولية فردية، بل باعتباره ثقافة مجتمعية تحتاج إلى تكاتف الأسرة والمؤسسات الوطنية والتربوية والاجتماعية. ووجود هذا التكامل بين المؤسسات يحمل رسالة مهمة: أن حماية الطفل في العالم الجديد ليست مهمة جهة واحدة. فالأسرة تحتاج إلى المدرسة، والمدرسة تحتاج إلى المؤسسات الاجتماعية، والمؤسسات تحتاج إلى الإعلام، والمجتمع كله يحتاج إلى خطاب جديد لا يكتفي بتعداد المخاطر، وإنما يصنع وعياً يستطيع أن يعيش بعد انتهاء الحملات والفعاليات. وفي مركز دريمة، نؤمن بأن كل مبادرة تضع الأبناء والأسرة في قلب اهتمامها هي استثمار في مستقبل المجتمع كله.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية