رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخطر الأحداث وأهمها، أسوأ العلاقات بين الدول وأفضلها، أصغر الأزمات وأكثرها تعقيداً، نجدها مشرحة ومحللة في وثائق سفارات الولايات المتحدة حول العالم، ولا يتحدث السياسيون في العواصم كافة مع الدبلوماسيين الأمريكيين كما يتحدثون إلى نظرائهم من الدول الكبرى الأخرى، بل يكونون أكثر قابلية لشرح أفكارهم وعرض نياتهم وطموحاتهم وتمنياتهم آملين بتأييد واشنطن ودعمها.
لم ينته هذا العقد الأول من الألفية الثالثة من دون أن يستكمل مسلسل التجارب الذي وضع الولايات المتحدة أمام امتحانها، فمن الكارثة الأمنية في 11 سبتمبر 2001م، إلى الكارثة الدبلوماسية في صيف 2010م، مروراً بحربين لم يستطع التفوق الناري المحسوم أن يضمن فيهما نصراً حقيقياً، كان على واشنطن أن تعترف بأنه ليس هناك أكثر صلابة من دولة عظمى، ولا أكثر هشاشة أيضاً منها.
كانت الكارثة الأمنية، متمثلة بالهجمات الإرهابية في نيويورك، كشفت منظومة الأمن الأمريكية واستدعت مراجعة واسعة وعميقة أدت إلى زيادة غير مسبوقة للأجهزة، التي تجد مع ذلك صعوبة أحياناً في التنسيق واستخلاص خطورة الإشارات، وها هي الكارثة الدبلوماسية تستوجب إعادة نظر في أمن المراسلات وتكليف وكالة الاستخبارات وضع تشفير محدث يعصى على القرصنة والتدخلات، ورغم ذلك لا يمكن ضمان عدم التسريب.
ثمة محاولات لإظهار أن تسريبات موقع ويكيليكس مجرد حادثة عابرة قد تكون نتجت عن انحراف شخص أو أشخاص، أو خروجهم على أعراف العمل وقيوده، أو انزلاقهم إلى أجندات خاصة أيديولوجية وربما نفعية، واقع الأمر أن ويكيليكس أوجدت حاجة استعلام جديدة لدى المستهلكين والمتلقين والمتطفلين والباحثين وغيرهم، هذه الحاجة وجدت نفسها فجأة أمام طوفان معلومات لا يمكنها استيعابه، لكنها معلومات ستبقى ذات قيمة خلال السنين العشر المقبلة، كونها تتعلق بأزمات بعضها مزمن ولا يبدو قابلا للحل الناجز والنهائي نظراً إلى تعقيداته وتداخلاته مع أزمات أخرى.
للمرة الأولى أتيح للجمهور العريض أن يتعرف عن كثب على المواد الأولية التي تضع السياسات الأمريكية، مأخوذة مباشرة من أفواه "رجال أمريكا"، أقوالاً وأفعالاً، مطالب ورغبات وتحليلات، وهناك من كتب مثلا، إن هذه التسريبات لا تعيب صانعي القرار الأمريكيين بل تظهرهم متعاملين مع الوقائع والحقائق التي يحجمون في الغالب عن كشفها وقاية للآخرين وليس تغطية للسياسة الخاطئة، أو الملتوية، المنبثقة عن قراءة تلك البرقيات أو بين سطورها.
كان لافتاً أن هذا النوع الجديد من الإعلام، أي الإلكتروني، وجد قيمة مضافة في التعاون مع النوع الأقدم، أي الصحافة المكتوبة، كانت هناك مواكبة من الإعلام المرئي والمسموع، مشفوعة بصور أرشيفية، لكن حتمية السرعة والحدثية حرمت نشرات التليفزيون من إمكان الإفادة من بحر النصوص المكتوبة التي تتعامل مباشرة مع خلفيات الأحداث وأعماقها، وفي معظم الأحيان مع تفاصيلها الدقيقة التي تتطلب شرحاً أو تحليلاً أو نبذات تاريخية.
يذكر أن الموجة الأولى من التسريبات أواخر يوليو الماضي اختصت بأفغانستان وفهم منها أن أطراف التحالف الدولي تعيش أنواعاً من التناقضات بشأن الحرب وأهدافها، وأن الولايات المتحدة تعتمد على مجموعات أفغانية لا تثق بها، وأن هذه الحرب تنطوي على كمٍ هائل من التجاوزات الأخلاقية واللاإنسانية وعلى ليّ مروع للحقائق، هذا المناخ الفاسد نفسه نجده في تسريبات الموجة التالية عن العراق، أما الموجة الثالثة التي لا نزال في لججها الأولى فتظهر ذاك المناخ معمماً حول العالم.
هذا اللقاء التاريخي والاستثنائي بين الإعلام الإلكتروني والصحافة المكتوبة لم يعنِ أن الأخيرة تعافت من أمراضها السياسية لترتقي إلى رحابة المهمة التي يطرحها ويكيليكس، والأكثر دلالة أن الصحافة المكتوبة الأمريكية صاحبة الشهرة الأكبر في تحليل المعلومات اختارت تعاملاً انتقائيا مع الوثائق، أو تجاهلاً انتقائياً لمضمون الكثير منها، ذاك أن الاختراق الإلكتروني دهم الصحافة المكتوبة بعدما استكانت منذ زمن للخطوط الحمر السياسية التي تحاربت معها في السابق ثم اقتنعت بالعيش ضمن حدود معينة، وإذا كان مؤسس ويكيليكس جوليان اسانج محقاً بقوله أن لا اتفاق سرياً بينه وبين إسرائيل، فإن البرهان الوحيد على ذلك سيكون بنشر وثائق عنها كما وعد، وعندئذ يمكن الحكم على أداء الصحافة المكتوبة، خصوصاً الأمريكية والفرنسية والألمانية، وما إذا كانت ستنشر ما يسر إسرائيل بالاندفاع نفسه الذي أظهرته في النشر عن بلدان عربية عدة.
عدا الحاجة الاستعلامية التي زرعها ويكيليكس هناك ما هو أكثر أهمية، أي الحاجة القصوى إلى الوعي والإدراك، فمعظم الوثائق المسربة يبدي مسافة قصيرة جداً بين ما هو معروف فعلاً وما وثقته البرقيات الدبلوماسية مما يسخف تقليد حفظ هذه الوثائق لبضع عشرات السنين قبل كشفها، فهذا التقليد كان يناسب عقليات عقود سابقة وأحداثها ودبلوماسياتها وتقنياتها.
ما لا نقرأه في التسريبات لكن يمكن استنتاجه بيسر، أن الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كتبوا تقاريرهم لا يعترفون، رغم السرية التي يتمتعون بها بأن معظم القضايا التي يلاحقونها بحثا عن أي جديد فيها كان في الواقع، أو في الأصل، من صنع الولايات المتحدة نفسها، وبفعل تدخلاتها المتهورة وغير المبالية بالأضرار التي تلحقها بحياة الشعوب، ولعل ذلك يتبدى خصوصاً في الآراء التي تعكسها البرقيات عن قادة الدول غير المستقرة، فرغم الصورة القاتمة التي تنقلها عن حميد كرزاي أو نوري المالكي على سبيل المثال لم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من الاستمرار في الاعتماد عليهما، صحيح أن هذين مثالان لبلدين شهدا حربين قاسيتين، لكن ماذا عن شخصيات مماثلة في بلدان لم تشهد أي حرب منذ سنين طويلة؟ ولا يتحدث السياسيون في العواصم كافة مع الدبلوماسيين الأمريكيين كما يتحدثون إلى نظرائهم من الدول الكبرى الأخرى، بل يكونون أكثر قابلية لشرح أفكارهم وعرض نياتهم وطموحاتهم وتمنياتهم آملين بتأييد واشنطن ودعمها.
لم ينته هذا العقد الأول من الألفية الثالثة من دون أن يستكمل مسلسل التجارب الذي وضع الولايات المتحدة أمام امتحانها، فمن الكارثة الأمنية في 11 سبتمبر 2001م، إلى الكارثة الدبلوماسية في صيف 2010م، مروراً بحربين لم يستطع التفوق الناري المحسوم أن يضمن فيهما نصراً حقيقياً، كان على واشنطن أن تعترف بأنه ليس هناك أكثر صلابة من دولة عظمى، ولا أكثر هشاشة أيضاً منها.
كانت الكارثة الأمنية، متمثلة بالهجمات الإرهابية في نيويورك، كشفت منظومة الأمن الأمريكية واستدعت مراجعة واسعة وعميقة أدت إلى زيادة غير مسبوقة للأجهزة، التي تجد مع ذلك صعوبة أحياناً في التنسيق واستخلاص خطورة الإشارات، وها هي الكارثة الدبلوماسية تستوجب إعادة نظر في أمن المراسلات وتكليف وكالة الاستخبارات وضع تشفير محدث يعصى على القرصنة والتدخلات، ورغم ذلك لا يمكن ضمان عدم التسريب.
ثمة محاولات لإظهار أن تسريبات موقع ويكيليكس مجرد حادثة عابرة قد تكون نتجت عن انحراف شخص أو أشخاص، أو خروجهم على أعراف العمل وقيوده، أو انزلاقهم إلى أجندات خاصة أيديولوجية وربما نفعية، واقع الأمر أن ويكيليكس أوجدت حاجة استعلام جديدة لدى المستهلكين والمتلقين والمتطفلين والباحثين وغيرهم، هذه الحاجة وجدت نفسها فجأة أمام طوفان معلومات لا يمكنها استيعابه، لكنها معلومات ستبقى ذات قيمة خلال السنين العشر المقبلة، كونها تتعلق بأزمات بعضها مزمن ولا يبدو قابلا للحل الناجز والنهائي نظراً إلى تعقيداته وتداخلاته مع أزمات أخرى.
للمرة الأولى أتيح للجمهور العريض أن يتعرف عن كثب على المواد الأولية التي تضع السياسات الأمريكية، مأخوذة مباشرة من أفواه "رجال أمريكا"، أقوالاً وأفعالاً، مطالب ورغبات وتحليلات، وهناك من كتب مثلا، إن هذه التسريبات لا تعيب صانعي القرار الأمريكيين بل تظهرهم متعاملين مع الوقائع والحقائق التي يحجمون في الغالب عن كشفها وقاية للآخرين وليس تغطية للسياسة الخاطئة، أو الملتوية، المنبثقة عن قراءة تلك البرقيات أو بين سطورها.
كان لافتاً أن هذا النوع الجديد من الإعلام، أي الإلكتروني، وجد قيمة مضافة في التعاون مع النوع الأقدم، أي الصحافة المكتوبة، كانت هناك مواكبة من الإعلام المرئي والمسموع، مشفوعة بصور أرشيفية، لكن حتمية السرعة والحدثية حرمت نشرات التليفزيون من إمكان الإفادة من بحر النصوص المكتوبة التي تتعامل مباشرة مع خلفيات الأحداث وأعماقها، وفي معظم الأحيان مع تفاصيلها الدقيقة التي تتطلب شرحاً أو تحليلاً أو نبذات تاريخية.
يذكر أن الموجة الأولى من التسريبات أواخر يوليو الماضي اختصت بأفغانستان وفهم منها أن أطراف التحالف الدولي تعيش أنواعاً من التناقضات بشأن الحرب وأهدافها، وأن الولايات المتحدة تعتمد على مجموعات أفغانية لا تثق بها، وأن هذه الحرب تنطوي على كمٍ هائل من التجاوزات الأخلاقية واللاإنسانية وعلى ليّ مروع للحقائق، هذا المناخ الفاسد نفسه نجده في تسريبات الموجة التالية عن العراق، أما الموجة الثالثة التي لا نزال في لججها الأولى فتظهر ذاك المناخ معمماً حول العالم.
هذا اللقاء التاريخي والاستثنائي بين الإعلام الإلكتروني والصحافة المكتوبة لم يعنِ أن الأخيرة تعافت من أمراضها السياسية لترتقي إلى رحابة المهمة التي يطرحها ويكيليكس، والأكثر دلالة أن الصحافة المكتوبة الأمريكية صاحبة الشهرة الأكبر في تحليل المعلومات اختارت تعاملاً انتقائيا مع الوثائق، أو تجاهلاً انتقائياً لمضمون الكثير منها، ذاك أن الاختراق الإلكتروني دهم الصحافة المكتوبة بعدما استكانت منذ زمن للخطوط الحمر السياسية التي تحاربت معها في السابق ثم اقتنعت بالعيش ضمن حدود معينة، وإذا كان مؤسس ويكيليكس جوليان اسانج محقاً بقوله أن لا اتفاق سرياً بينه وبين إسرائيل، فإن البرهان الوحيد على ذلك سيكون بنشر وثائق عنها كما وعد، وعندئذ يمكن الحكم على أداء الصحافة المكتوبة، خصوصاً الأمريكية والفرنسية والألمانية، وما إذا كانت ستنشر ما يسر إسرائيل بالاندفاع نفسه الذي أظهرته في النشر عن بلدان عربية عدة.
عدا الحاجة الاستعلامية التي زرعها ويكيليكس هناك ما هو أكثر أهمية، أي الحاجة القصوى إلى الوعي والإدراك، فمعظم الوثائق المسربة يبدي مسافة قصيرة جداً بين ما هو معروف فعلاً وما وثقته البرقيات الدبلوماسية مما يسخف تقليد حفظ هذه الوثائق لبضع عشرات السنين قبل كشفها، فهذا التقليد كان يناسب عقليات عقود سابقة وأحداثها ودبلوماسياتها وتقنياتها.
ما لا نقرأه في التسريبات لكن يمكن استنتاجه بيسر، أن الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كتبوا تقاريرهم لا يعترفون، رغم السرية التي يتمتعون بها بأن معظم القضايا التي يلاحقونها بحثا عن أي جديد فيها كان في الواقع، أو في الأصل، من صنع الولايات المتحدة نفسها، وبفعل تدخلاتها المتهورة وغير المبالية بالأضرار التي تلحقها بحياة الشعوب، ولعل ذلك يتبدى خصوصاً في الآراء التي تعكسها البرقيات عن قادة الدول غير المستقرة، فرغم الصورة القاتمة التي تنقلها عن حميد كرزاي أو نوري المالكي على سبيل المثال لم تجد الإدارة الأمريكية مفراً من الاستمرار في الاعتماد عليهما، صحيح أن هذين مثالان لبلدين شهدا حربين قاسيتين، لكن ماذا عن شخصيات مماثلة في بلدان لم تشهد أي حرب منذ سنين طويلة؟
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة والرحمة، تتجه أنظار المسلمين حول العالم إلى هذه المناسبة العظيمة... اقرأ المزيد
219
| 04 فبراير 2026
تعلم متى تغادر؟
مهران كريمي ناصري، إيراني الجنسية، وصل عام 1988 الى مطار شارل ديغول في باريس في طريقه الى لندن،... اقرأ المزيد
189
| 04 فبراير 2026
مر سريعا على شريط الاخبار هذا الخبر، الولايات المتحدة الأمريكية ترسل سفينة حربية اضافية الى الشرق الأوسط، (ديلبرت... اقرأ المزيد
126
| 04 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
3156
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2190
| 28 يناير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
1323
| 04 فبراير 2026