رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الدم المسال على الأسفلت في مصر، هو ثمن لصراع بعيد عن ثورة الشعب ويقين الشباب، هو دم مهدر نشأ عن محاولات لإجهاض قيمة تحرير الإرادة، هو دم يستدعي الثأر، وقد يظهر للعيان أن هناك ما هو أخطر من الدم المسال، ويمثله اجتراء على القيم والأخلاق، وتهافت على الدعة والسكون، وظهور غير مبرر لقوى اقتنصت الثورة ونتائجها لذاتها دون أن تطرح على الشعب رؤية غير السيطرة على إرادته بالدين، وبدلا من أن يكون الدين ملهما للتحرر، استخدموه كالأفيون مغيبا لإرادة الشعب.
البحث في حقيقة من المسؤول عن هذا لا يحدد طرفا واحدا ولكنه يشير إلى الجميع، وإن اختلف حجم ما يتحمله كل منهم من مسؤولية.
هناك من يشير إلى أن مغادرة ساحة الميادين يوم 12 فبراير هو السبب فيما وصلت إليه الأمور.
وهناك من يحمل النخب التي كانت تتصدر المشهد أنها تعاملت في أمر الثورة واحتياجاتها برعونة ولم تكن بالأصل مستعدة وعيا وإرادة للاستجابة لمطالب الشعب في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بل انساقت إلى دروب فرعية هي أقرب إلى الإعلان عن الذات، دون أن تختار طريق التغيير وهو غير مستحيل إن خلصت النوايا وإن تبلورت الإرادة صار من الممكن تخطي مخاطره وصعوباته مهما كانت.
وهناك من يحمل الأمر كله للمجلس العسكري الذي أثارت أفعاله شكوكا في البدايات عندما أتى بلجنة الشيطان التي تولاها البشري فانحرفت بكل منطق ممكن لمعنى الفترات الانتقالية وكانت عصا غليظة ضربت إرادة الشعب بالخداع فيما سمي بالتعديلات الدستورية، وثني على ذلك باستدعائه تنظيمات دينية من خارج الواقع المصري وتضاريسه السياسية سالكا بذلك سلوك السبعينيات الذي اتخذه السادات في مواجهة الحركة الوطنية التي صنعت الزخم الشعبي لفترة الإعداد للتحرير، إنتاجا وقتالا، وشكل في مواجهتهم تنظيمات دينية تلعب لعبة شق الشعب إلى ديني وكافر، وكان المجلس العسكري والمستشارون المحيطون به في هذا كما يقولون "حافظ مش فاهم". وتجاوزت الأمور حد الشك عندما أصيب المجلس بجنون القوة ومس الشيطان وعيه بحالة من جنون "الانفراد بالوطنية المطلقة" فقتل وسحل وانتهك قيما أسقطت قيمة أنه مجلس محترف لصالح الوطن، فصار عرضة لتجاوز العقيدة التي أطلقت يوما شعار "الجيش والشعب يد واحدة"، بل وضع نفسه بالكذب محل الريبة في إمكانية الوثوق به، وهو ما يعني الهزيمة الداخلية قبل الاشتباك مع العدو الخارجي الذي يهدد الوطن والشعب ويتحمل الجيش مسؤولية هذه المهمة. وفوق ذلك بعناد تجاوز الإرادة الوطنية بقبوله استمرار تدفق الغاز إلى العدو الرئيسي، صنع هدفا دائما تبلورت من حوله تنظيمات أعلنت مسؤوليتها عن تفجيرات متعاقبة لخط الغاز ولتعلن أنها تنظيمات تابعة لـ بن لادن، وسواء صح هذا أو كان مجرد ادعاء، فإن النظرة الأولى لواقع سيناء يؤكد أنها تحولت إلى بؤرة انفصال عن الوطن الأم وهو الأمر الذي يشارك فيه البعض من الداخل والعدو الرئيسي في الخارج.
إن مفترق الطرق الآن قد وصل إلى نقطة حرجة، ويبدو الأمر في حاجة إلى معجزة لتجاوزها، لأن الانقلاب على الثورة واقتناصها والدفاع عنها صارت هي فعاليات المرحلة الانتقالية، ومازالت دون حالة التفاعل المستقر ولكنها في حالة اقتتال دائم، لا يدفع المجلس العسكري ولا التنظيمات الدينية ثمنا لها بينما يدفع المدافعون عن الثورة الدم ثمنا وتحاصرهم آلة الإعلام للنظام السابق بكل أجهزتها بأضخم حرب نفسية داخلية تمثلت في حملة التشويه للعزل عن المجتمع والانفراد بهم وتصفيتهم بالقتل.
التقى الانقلاب والاقتناص في مواجهة الثائرين، فاستخدم الجيش القتل وانطلقت التنظيمات الدينية في مظاهرة الصمت الكبرى بقبول انفرادها بسلطة خاوية على عروشها، وصار الاثنان المجلس العسكري والتنظيمات الدينية متهمين بسفك دماء الشباب فعلا وصمتا، لتتزايد الهوة داخل المجتمع بين المكونات السياسية المتاحة، بينما قوى الشعب غائبة عن المشهد لتفكك أصابها به النظام السابق، والمعانات المعيشية التي تطحن عظامهم.
ليس هناك وصفة سحرية لحل الأزمة، ولكن تفكيكها إلى عناصرها الأساسية قد يتيح فرصة للتعامل معها، وقبل ذلك يجب الإجابة عن سؤال أساسي ماذا نريد؟ ومن نحن؟ والسؤال الثاني هام، فهناك مقولة سائدة في مصر الآن نتساءل: من فوضكم للحديث باسم الشعب؟ ويتلوها من فوضكم للحديث باسم الثورة؟ ولنبدأ من هنا.
ليس هناك من هو مفوض من الشعب، ومن لهم فضل البدايات، ليس لهم حق الولاية على الشعب والثورة، وفوق هذا هناك من هم على طريق التضحية بالروح في سبيل الوطن ولكن أيضاً ليس لهم حق الولاية على الوطنية، فالوطنية مفهوم جامع وشامل، ولكن دون أن يتحقق مضمون الانتماء للشعب والولاء للوطن دستوراً وحركة وتكوينا اجتماعيا وأخلاقيا ومقاصد عليا سواء كانت ناتج البناء الحضاري أو ناتج إرادة التغيير في مرحلة الثورة، يسقط معنى الوطنية عمن يتغنى بها.
قضايا الفساد وإهدار المال العام والمؤامرات من أجل التوريث والتزوير والتجارة مع العدو الصهيوني والانصياع للإرادات الخارجية جميعها هي شرخ في جدار الانتماء للشعب والولاء للوطن، وأخطر من ذلك كله "صناعة الخطر لحكم الشعب"، "والكذب والخداع" للتحايل على إرادة الشعب وإهدار إمكانية توفير احتياجاته.
صناعة الخطر والتحايل على الشعب هي سمة الأداء الآن من القوى التي انقلبت على الثورة. وأداؤها في ذلك هو القتل والحرق، وذلك لا يمكن التعامل معه بمجرد الكلام، ونقطة ضعف القوى المضادة للثورة هي غرور القوة وعدم القدرة على توقع القادم وكذلك فهم يتحسبون للمفاجأة بحذر أدى إلى تباطؤ بلغ حد معاداة الشعب والتواطؤ ضد مخزون آماله، وتعظيم نقاط الضعف سوف يؤدي إلى نتيجة عكسية، ولن يكون الصدام الأمثل، بينما التسليم لهم يعني التفريط في الثورة نهائياً والاستسلام للاغتيال المعنوي فضلاً عن القتل.
وعليه فإن موقف المقاومة يجب أن يستمر، وأول سمات المقاومة هي استمرار الحشد في مواجهة كافة صور الانقلاب على الثورة، ويضاف إلى ذلك الفكرة والعقل ولن يتأتى هذا بغير تولي طرف المقاومة مهمة الإعداد للفكرة والمضمون، مع استمرار المقاومة رغم كل أصوات الاحتجاج أو محاولة تفريغ الثورة من المقاومين.
إن طرف الانقلاب ما زال عاجزاً عن تجاوز الثورة، ومع مرور عام على تفجر الثورة، فإن الشهادة لصالح قدرة المقاومين على الاستمرار، وفرضوا على خندق الانقلاب على الثورة الاحتماء خلف أسوار خرسانية وأسلاك شائكة، ودلالة ذلك أن هناك توازنا يمكن أن نطلق عليه "توازن الضعف" وهو "توازن حرج" وليس "توازن استقرار" يمكنه أن يؤدي إلى رؤية جامعة.
لنتجاوز نتائج صندوق الانتخابات والذي لا يعبر عن مصر الحقيقية بمخزونها الحضاري ولكنه يعبر عن مصر التي صنعها المجلس العسكري باستخدام طارق البشري، وسط بيئة اتسمت بضعف الحياة السياسية وجرى استغلال ذلك الضعف والانشغال بلقمة العيش بأقصى حد، وليكن الأداء المقاوم فكرا وعقلا في بحث أمر دستور مصر الجديد، والذي يجب أن يشارك فيه جميع مكونات المجتمع وإن تطلب ذلك زيادة في عدد اللجنة التأسيسية لوضع الدستور للحيلولة دون السيطرة على هذه اللجنة وتوجيهها في اتجاهات لا تعبر عن حقيقة هوية الأمة ومخزونها الحضاري.
لذلك فإن الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية قبل الدستور تزيد الأمر تعقيدا. فالرئيس القادم يجب ألا يكون مجهول الهوية تختاره ذات الأغلبية التي صاغت البرلمان، وهم دائما وفي كل تجاربهم يختارون من خارجهم الأضعف ليحكموه، فيحكموا هم، غير آبهين بما يمكن أن يترتب على ذلك.
لم ننتخب جمعية تأسيسية لوضع الدستور وانتخبنا مجلسا تشريعيا بلا صلاحيات ولكن انكشف للجميع ماذا يمكن أن تصنع الصناديق بالمجتمع.
لم تتمكن القوى الاجتماعية المنتجة في مصر من التعبير عن نفسها، وبديلا عن الشعب استدعينا الديكتاتورية الجديدة تحت عباءة الدين.
إننا مطالبون بالدعوة إلى "مؤتمرات المصير" بذات عزيمة الشهداء والاعتصام والتظاهر، فستحدد هذه المؤتمرات المحاور الرئيسية للدستور ونظام الحكم، ونحن في حاجة ملحة لدراسة العلاقة الحاكمة للمؤسسة العسكرية في مصر بعد الثورة، وأن نحدد الخيار الاقتصادي الذي يربط بين التنمية والعدالة الاجتماعية.
تغيير قواعد الاشتباك بين القوى المعادية للثورة والمعبرة عن الثورة والشعب لتصبح المقاومة شعبية وليست طلائع ممن وهبوا حياتهم لوطنهم ويتعرضون كل لحظة للاغتيال المعنوي بحملة التضليل والكذب والخداع.
لقد نسي الجميع قانون العزل السياسي.
وسقط أساتذة الدستور في قاع المجلس الاستشاري.
ودخل المجلس العسكري في طور الاعتذارات بلا مضمون تمهيدا لموجة قتل جديدة.
تغيير قواعد الاشتباك ضرورة لاستمرار الثورة، ودون ذلك فإن البدائل الأخرى تؤجج صداما دمويا قادما بالضرورة.
حينما ارتمت حميدة في أحضان العسكري الإنجليزي تبيع جسدها لمن يشتري، كتب نجيب محفوظ معلقا في سياق رواية زقاق المدق:
"خرجت حميدة إلى الوجود في بيئة الست الوالدة التي تعمل خاطبة وهي بيئة تتحدث ليلا ونهارا عن الطلاق والزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة سواء في إطارها أو في غير إطارها فخرجت حميدة إلى الحياة عاهرة بالسليقة"
تذكرت هذا أمام تصريحات عديدة تتري في الإعلام... وكأنها من نواميس السماء وليست عهرا بالسليقة.
كيف غيّر "الوكلاء الأذكياء" قواعد السيطرة؟
لأكثر من سبعين عامًا، ظل مبدأ واحد يحكم العلاقة بين الإنسان والآلة: الإنسان يحدد الهدف، ويحدد أيضًا الطريق... اقرأ المزيد
66
| 29 يوليو 2026
في سبتمبر عام 2008 انهار بنك (ليمان براذرز) أحد أعرق المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، بعد أكثر من... اقرأ المزيد
174
| 29 يوليو 2026
موقف خليجي موحد في مواجهة التحديات
جاء الاجتماع التشاوري الذي عقده أصحاب السمو والمعالي والسعادة وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أمس... اقرأ المزيد
144
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
4881
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1563
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1026
| 29 يوليو 2026