رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الدم المسال على الأسفلت في مصر، هو ثمن لصراع بعيد عن ثورة الشعب ويقين الشباب، هو دم مهدر نشأ عن محاولات لإجهاض قيمة تحرير الإرادة، هو دم يستدعي الثأر، وقد يظهر للعيان أن هناك ما هو أخطر من الدم المسال، ويمثله اجتراء على القيم والأخلاق، وتهافت على الدعة والسكون، وظهور غير مبرر لقوى اقتنصت الثورة ونتائجها لذاتها دون أن تطرح على الشعب رؤية غير السيطرة على إرادته بالدين، وبدلا من أن يكون الدين ملهما للتحرر، استخدموه كالأفيون مغيبا لإرادة الشعب.
البحث في حقيقة من المسؤول عن هذا لا يحدد طرفا واحدا ولكنه يشير إلى الجميع، وإن اختلف حجم ما يتحمله كل منهم من مسؤولية.
هناك من يشير إلى أن مغادرة ساحة الميادين يوم 12 فبراير هو السبب فيما وصلت إليه الأمور.
وهناك من يحمل النخب التي كانت تتصدر المشهد أنها تعاملت في أمر الثورة واحتياجاتها برعونة ولم تكن بالأصل مستعدة وعيا وإرادة للاستجابة لمطالب الشعب في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بل انساقت إلى دروب فرعية هي أقرب إلى الإعلان عن الذات، دون أن تختار طريق التغيير وهو غير مستحيل إن خلصت النوايا وإن تبلورت الإرادة صار من الممكن تخطي مخاطره وصعوباته مهما كانت.
وهناك من يحمل الأمر كله للمجلس العسكري الذي أثارت أفعاله شكوكا في البدايات عندما أتى بلجنة الشيطان التي تولاها البشري فانحرفت بكل منطق ممكن لمعنى الفترات الانتقالية وكانت عصا غليظة ضربت إرادة الشعب بالخداع فيما سمي بالتعديلات الدستورية، وثني على ذلك باستدعائه تنظيمات دينية من خارج الواقع المصري وتضاريسه السياسية سالكا بذلك سلوك السبعينيات الذي اتخذه السادات في مواجهة الحركة الوطنية التي صنعت الزخم الشعبي لفترة الإعداد للتحرير، إنتاجا وقتالا، وشكل في مواجهتهم تنظيمات دينية تلعب لعبة شق الشعب إلى ديني وكافر، وكان المجلس العسكري والمستشارون المحيطون به في هذا كما يقولون "حافظ مش فاهم". وتجاوزت الأمور حد الشك عندما أصيب المجلس بجنون القوة ومس الشيطان وعيه بحالة من جنون "الانفراد بالوطنية المطلقة" فقتل وسحل وانتهك قيما أسقطت قيمة أنه مجلس محترف لصالح الوطن، فصار عرضة لتجاوز العقيدة التي أطلقت يوما شعار "الجيش والشعب يد واحدة"، بل وضع نفسه بالكذب محل الريبة في إمكانية الوثوق به، وهو ما يعني الهزيمة الداخلية قبل الاشتباك مع العدو الخارجي الذي يهدد الوطن والشعب ويتحمل الجيش مسؤولية هذه المهمة. وفوق ذلك بعناد تجاوز الإرادة الوطنية بقبوله استمرار تدفق الغاز إلى العدو الرئيسي، صنع هدفا دائما تبلورت من حوله تنظيمات أعلنت مسؤوليتها عن تفجيرات متعاقبة لخط الغاز ولتعلن أنها تنظيمات تابعة لـ بن لادن، وسواء صح هذا أو كان مجرد ادعاء، فإن النظرة الأولى لواقع سيناء يؤكد أنها تحولت إلى بؤرة انفصال عن الوطن الأم وهو الأمر الذي يشارك فيه البعض من الداخل والعدو الرئيسي في الخارج.
إن مفترق الطرق الآن قد وصل إلى نقطة حرجة، ويبدو الأمر في حاجة إلى معجزة لتجاوزها، لأن الانقلاب على الثورة واقتناصها والدفاع عنها صارت هي فعاليات المرحلة الانتقالية، ومازالت دون حالة التفاعل المستقر ولكنها في حالة اقتتال دائم، لا يدفع المجلس العسكري ولا التنظيمات الدينية ثمنا لها بينما يدفع المدافعون عن الثورة الدم ثمنا وتحاصرهم آلة الإعلام للنظام السابق بكل أجهزتها بأضخم حرب نفسية داخلية تمثلت في حملة التشويه للعزل عن المجتمع والانفراد بهم وتصفيتهم بالقتل.
التقى الانقلاب والاقتناص في مواجهة الثائرين، فاستخدم الجيش القتل وانطلقت التنظيمات الدينية في مظاهرة الصمت الكبرى بقبول انفرادها بسلطة خاوية على عروشها، وصار الاثنان المجلس العسكري والتنظيمات الدينية متهمين بسفك دماء الشباب فعلا وصمتا، لتتزايد الهوة داخل المجتمع بين المكونات السياسية المتاحة، بينما قوى الشعب غائبة عن المشهد لتفكك أصابها به النظام السابق، والمعانات المعيشية التي تطحن عظامهم.
ليس هناك وصفة سحرية لحل الأزمة، ولكن تفكيكها إلى عناصرها الأساسية قد يتيح فرصة للتعامل معها، وقبل ذلك يجب الإجابة عن سؤال أساسي ماذا نريد؟ ومن نحن؟ والسؤال الثاني هام، فهناك مقولة سائدة في مصر الآن نتساءل: من فوضكم للحديث باسم الشعب؟ ويتلوها من فوضكم للحديث باسم الثورة؟ ولنبدأ من هنا.
ليس هناك من هو مفوض من الشعب، ومن لهم فضل البدايات، ليس لهم حق الولاية على الشعب والثورة، وفوق هذا هناك من هم على طريق التضحية بالروح في سبيل الوطن ولكن أيضاً ليس لهم حق الولاية على الوطنية، فالوطنية مفهوم جامع وشامل، ولكن دون أن يتحقق مضمون الانتماء للشعب والولاء للوطن دستوراً وحركة وتكوينا اجتماعيا وأخلاقيا ومقاصد عليا سواء كانت ناتج البناء الحضاري أو ناتج إرادة التغيير في مرحلة الثورة، يسقط معنى الوطنية عمن يتغنى بها.
قضايا الفساد وإهدار المال العام والمؤامرات من أجل التوريث والتزوير والتجارة مع العدو الصهيوني والانصياع للإرادات الخارجية جميعها هي شرخ في جدار الانتماء للشعب والولاء للوطن، وأخطر من ذلك كله "صناعة الخطر لحكم الشعب"، "والكذب والخداع" للتحايل على إرادة الشعب وإهدار إمكانية توفير احتياجاته.
صناعة الخطر والتحايل على الشعب هي سمة الأداء الآن من القوى التي انقلبت على الثورة. وأداؤها في ذلك هو القتل والحرق، وذلك لا يمكن التعامل معه بمجرد الكلام، ونقطة ضعف القوى المضادة للثورة هي غرور القوة وعدم القدرة على توقع القادم وكذلك فهم يتحسبون للمفاجأة بحذر أدى إلى تباطؤ بلغ حد معاداة الشعب والتواطؤ ضد مخزون آماله، وتعظيم نقاط الضعف سوف يؤدي إلى نتيجة عكسية، ولن يكون الصدام الأمثل، بينما التسليم لهم يعني التفريط في الثورة نهائياً والاستسلام للاغتيال المعنوي فضلاً عن القتل.
وعليه فإن موقف المقاومة يجب أن يستمر، وأول سمات المقاومة هي استمرار الحشد في مواجهة كافة صور الانقلاب على الثورة، ويضاف إلى ذلك الفكرة والعقل ولن يتأتى هذا بغير تولي طرف المقاومة مهمة الإعداد للفكرة والمضمون، مع استمرار المقاومة رغم كل أصوات الاحتجاج أو محاولة تفريغ الثورة من المقاومين.
إن طرف الانقلاب ما زال عاجزاً عن تجاوز الثورة، ومع مرور عام على تفجر الثورة، فإن الشهادة لصالح قدرة المقاومين على الاستمرار، وفرضوا على خندق الانقلاب على الثورة الاحتماء خلف أسوار خرسانية وأسلاك شائكة، ودلالة ذلك أن هناك توازنا يمكن أن نطلق عليه "توازن الضعف" وهو "توازن حرج" وليس "توازن استقرار" يمكنه أن يؤدي إلى رؤية جامعة.
لنتجاوز نتائج صندوق الانتخابات والذي لا يعبر عن مصر الحقيقية بمخزونها الحضاري ولكنه يعبر عن مصر التي صنعها المجلس العسكري باستخدام طارق البشري، وسط بيئة اتسمت بضعف الحياة السياسية وجرى استغلال ذلك الضعف والانشغال بلقمة العيش بأقصى حد، وليكن الأداء المقاوم فكرا وعقلا في بحث أمر دستور مصر الجديد، والذي يجب أن يشارك فيه جميع مكونات المجتمع وإن تطلب ذلك زيادة في عدد اللجنة التأسيسية لوضع الدستور للحيلولة دون السيطرة على هذه اللجنة وتوجيهها في اتجاهات لا تعبر عن حقيقة هوية الأمة ومخزونها الحضاري.
لذلك فإن الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية قبل الدستور تزيد الأمر تعقيدا. فالرئيس القادم يجب ألا يكون مجهول الهوية تختاره ذات الأغلبية التي صاغت البرلمان، وهم دائما وفي كل تجاربهم يختارون من خارجهم الأضعف ليحكموه، فيحكموا هم، غير آبهين بما يمكن أن يترتب على ذلك.
لم ننتخب جمعية تأسيسية لوضع الدستور وانتخبنا مجلسا تشريعيا بلا صلاحيات ولكن انكشف للجميع ماذا يمكن أن تصنع الصناديق بالمجتمع.
لم تتمكن القوى الاجتماعية المنتجة في مصر من التعبير عن نفسها، وبديلا عن الشعب استدعينا الديكتاتورية الجديدة تحت عباءة الدين.
إننا مطالبون بالدعوة إلى "مؤتمرات المصير" بذات عزيمة الشهداء والاعتصام والتظاهر، فستحدد هذه المؤتمرات المحاور الرئيسية للدستور ونظام الحكم، ونحن في حاجة ملحة لدراسة العلاقة الحاكمة للمؤسسة العسكرية في مصر بعد الثورة، وأن نحدد الخيار الاقتصادي الذي يربط بين التنمية والعدالة الاجتماعية.
تغيير قواعد الاشتباك بين القوى المعادية للثورة والمعبرة عن الثورة والشعب لتصبح المقاومة شعبية وليست طلائع ممن وهبوا حياتهم لوطنهم ويتعرضون كل لحظة للاغتيال المعنوي بحملة التضليل والكذب والخداع.
لقد نسي الجميع قانون العزل السياسي.
وسقط أساتذة الدستور في قاع المجلس الاستشاري.
ودخل المجلس العسكري في طور الاعتذارات بلا مضمون تمهيدا لموجة قتل جديدة.
تغيير قواعد الاشتباك ضرورة لاستمرار الثورة، ودون ذلك فإن البدائل الأخرى تؤجج صداما دمويا قادما بالضرورة.
حينما ارتمت حميدة في أحضان العسكري الإنجليزي تبيع جسدها لمن يشتري، كتب نجيب محفوظ معلقا في سياق رواية زقاق المدق:
"خرجت حميدة إلى الوجود في بيئة الست الوالدة التي تعمل خاطبة وهي بيئة تتحدث ليلا ونهارا عن الطلاق والزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة سواء في إطارها أو في غير إطارها فخرجت حميدة إلى الحياة عاهرة بالسليقة"
تذكرت هذا أمام تصريحات عديدة تتري في الإعلام... وكأنها من نواميس السماء وليست عهرا بالسليقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026