رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعددت التعريفات العلمية للذكاء على أساس السلوك أو التصرف الصادر من الفرد استجابة للمحيط، وتبعا لذلك تعددت تعريفات الذكاء، كما تعددت نظريات الذكاء، فهناك الذكاء اللغوي والذكاء الموسيقي، والذكاء المنطقي والذكاء المكاني، والذكاء الجسمي، والحركي والشخصي والذكاء بين الشخصين الاجتماعي والذكاء الطبيعي.
ومع أن نسبة الذكاء تبقى ثابتة، فإن العلماء وجدوا أن هناك بعض العوامل التي ترفع نسبة من نسبة الذكاء أو تقلل منها، مثل عامل الوراثة وعامل البيئة ثم عامل الوراثة والبيئة معاً وكذلك عامل دافعية الفرد.
ولأهمية اكتشاف الأفراد الذين يتمتعون بقدرات عقلية عالية، بدأت محاولات عدة لإيجاد اختبارات تقيس القدرات العقلية سميت باختـبارات الذكاء، ومن أهم تلك الاختبارات اخـتبار "ستانفورد بينيه" واختبار "وكسلر".
والقياس العقلي يفيد في تشخيص التأخر العقلي كما يفيد في تشخيص الموهبة والابتكار وتصنيف التلاميذ إلى مجموعات ومساعدتهم في فهم قدراتهم وميولهم إلى أقصى حد ممكن.
ومن الفئات الأخرى التي تهتم بها الدول فئة الأفراد المبدعين وذلك لأثر هذه الفئة في رقي وتقدم الأمم. ويتكون من الإبداع مهارات وقدرات متعددة هي المرونة والطلاقة والأصالة والتحليل والتركيب والحساسية للمشكلات... إلخ.
وقد وجد العلماء أن العملية الإبداعية تمر بمراحل مختلفة، من هذه المراحل، مرحلة الإعداد ومرحلة الاحتضان ومرحلة الإلهام ومرحلة التحقق. كما يرى العلماء أنه لابد من توافر مقومات أساسية لظهور القدرات الإبداعية. من هذه المقومات الذكاء والدافعية والتعلم والتخيل الإبداعي. كذلك تعددت العوامل التي تؤثر في تنمية الإبداع ومن هذه العوامل الأسرة وشخصية الفرد وأساليب التعليم والمنهاج وثقافة المجتمع.
أما أساليب الكشف عن المبدعين، فتمر بمراحل مختلفة، منها مرحلة الترشيح من قبل الأسرة والأقران، ثم مرحلة الاختبارات، مثل اختبارات الذكاء الفردية والجمعية واختبارات الإبداع والتفكير الإبداعي.
ورعاية الموهوبين والمبدعين يجب أن تكون قضية التربية الأولى، وبخاصة في عصرنا هذا، عصر الانفجار المعرفي والثقافي والمعلومات والاتصالات، أضف إلى ذلك أن أمتنا تواجه تحديا كبيراً، إذ لابد أن يكون العرب مشاركين بشكل فعال في دعم التقدم الحاصل في كل أصقاع الدنيا.
وكل هذا يتطلب منا تحسين نوعية التعليم بتحسين مدخلاته وعملياته ومخرجاته، ولتكون التربية منسجمة مع التنمية ومتطلباتها.
ولن تتوافر هذه النماذج إلا إذا وضعنا الطلاب في مناخات تؤدي إلى تنمية قدراتهم وتشجيعهم على الإبداع، وهذا الكتاب يساهم للوصول إلى هذا الهدف النبيل.
وقد اهتمت الدول المبدعة كما اهتمت الدول النامية بموضوع الإبداع وبالمبدعين وترتيبهم وذلك لما للإبداع من أهمية في تقدم هذه الأمم، وباعتباره أداة أساسية لمساعدة الإنسان في مواجهة المشكلات الحياتية والعالمية، سواء في أيام السلم أو أيام الحرب ومن تلك المشكلات التي يحاول العلم حلها والتغلب عليها. ومنها الأمراض المختلفة مثل السرطان، والإيدز والجمرة الخبيثة وغيرها من الأمراض العصرية والقديمة، ومشكلة الطاقة وضرورة توفيرها، ومشكلة الانفجار السكاني، ومشكلة نقص الغذاء ومشكلة الاستعمار بأشكاله القديمة أو الحديثة، غيرها العديد من التحديات والمشاكل الكثيرة التي تواجه الإنسان، فمن أجل مثل هذه المشاكل وغيرها كثير، بدأ العالم اهتمامه بالمبدعين وذلك للتغلب على الصعوبات التي يواجهها جراء هذه المشكلات.
ومن هنا تظهر أهمية هذا الكتاب الذي يساعد في الوصول إلى المبدعين والكشف عنهم في محاولة للاستفادة من طاقاتهم وإبداعهم، من أجل رقي المجتمع وتقدم الأمة، وإضافة إلى هذا الهدف النبيل، يضاف إليه كل ما ألفه السابقون في المجال نفسه، وهو خطوة في نشر ثقافة جديدة تدعونا جميعاً إلى تفهم الخطر الذي يلم بنا إذا نحن لم نبدأ برعاية الصفوة المفكرة الذكية المتميزة والمبدعة.
والكتاب من القطع المتوسط ويضم الكتاب تسعة فصول تعقبها ثمانية ملاحق، وقد جاء الكتاب في حوالي 405 صفحات، ومؤلفا هذا الكتاب هما د. (محمد جهاد جمل)، ود. (زيد الهويدي)، وقد راجع هذا الكتاب وقدم له د. أحمد بن دانية، وصدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار الكتاب الجامعي، في الإمارات العربية المتحدة.
وقد تناول مؤلفا الكتاب في الفصل الأول الذكاء مفهومه وتعريفه وخصائصه، وعرضا للعديد من التعريفات المختلفة للذكاء، فمفهوم الذكاء مفهوم تصف به السلوك والتصرفات التي تصدر عن الفرد. وهناك تعريف آخر يرى أن الذكاء في اللغة يعني سرعة الفهم وحدته، مما يؤدي إلى نمو الإبداع لدى المتسمين بالذكاء.
وقد عرض الكتاب لأهم أساليب التدريب لتنمية الإبداع، منها استخدام طريقة التقصي والاكتشاف وكذلك استخدام الأسئلة المتباعدة، والألغاز والألعاب التربوية وجلسات إمطار الدماغ.
وبوجه عام، تشير الدراسات التربوية ودراسات علم النفس إلى تعدد تعريفات الإبداع التي قد تزيد على 50 تعريفاً، وقد يعود ذلك إلى مناهج الباحثين واختلافهم واهتماماتهم العلمية، والتربوية وإلى مدارسهم الفكرية، كما قد يعود إلى تعدد مجالات الظاهرة الإبداعية، ويمكن إجمال هذه التعريفات في أربعة مجالات:
أولا: الشخص المبدع:
ومفهوم الإبداع عند الآخذين بهذا التوجه، يرتكز على سمات الشخص المبدع نفسه، فقد عرف (سمبسون Simpson) الإبداع بأنه:" المبادأة التي يبديها الفرد في التخلص من سياق التفكير العادي والانتقال إلى نمط جديد من التفكير"، أي أن الشخص المبدع هو يبحث ويستقصي ويكتشف ويؤلف، ومن السمات ذات العلاقة بالشخص المبدع حب الاستطلاع، والاكتشاف.
أما (جيلفورد Guilford) فيعرف الإبداع بأنه تفكير مفتوح يتميز بإنتاج إجابات متنوعة، ومن السمات التي يذكرها جيلفورد ولها علاقة بهذا التعريف: الطلاقة والمرونة، والقدرة على التفكير المنطقي، وتوظيف المعرفة المتوفرة لتوليد أفكار جديدة، ومن الصفات التي ذكرتها الباحثة (كلاركClark): الانضباط الذاتي والاستقلالية وكراهية السلطة، ومقاومة الضغوط الاجتماعية والميل إلى المؤامرة، وتفضيل المسائل المعقدة، كما وجد أنهم يميلون إلى قراءة الكتب ويجدون متعة في قراءتها ويقرأون بفهم، كما أنهم يبذلون جهودا كبيرة في مجال تخصصهم.
ثانياً الإنتاج: وفي هذا المجال يعرف (روجرز Rogers) الإبداع بأنه ظهور لإنتاج جديد نتيجة تفاعل الفرد مع الخبرة.
ثالثاً: البيئة الإبداعية:
ويقصد بها الظروف أو المواقف المختلفة التي تيسر ظهور الإبداع أو تحول دون ظهور قدرات الأفراد الإبداعي، فقد توصل تورانس نتيجة زيارته إلى اليابان إلى أن معظم سكان اليابان مبدعون، ويعود ذلك إلى المناخ الثقافي الذي يسهل ظهور الإبداع الذي من مظاهره الجد والنظام وبذل الجهد الكبير في العمل والانتماء للجماعة واحترام روح الفريق والتدريب الذاتي على حل المشكلات وتنمية مهارة الإنتاج ومهارة التعاون منذ الصغر. كما يشمل المناخ النظام التربوي والمدرسة بما فيها من مديرين ومعلمين ومشرفين وأخصائيين وأدوارهم في تهيئة البيئة الصغيرة الملائمة للإبداع.
رابعاً البيئة العلمية الإبداعية:
لتحديد مفهوم الإبداع وفق هذا المنحنى يعرف (ميدنك Mednick) الإبداع بأنه عملية مزج عناصر في قالب جديد يحقق فائدة معينة.
أما (بول تورانس Torrance) فيعرف الإبداع بأنه عملية الإحساس بالمشكلات وتحديد مواطن الضعف والثغرات فيها ثم صياغة الفروض واختبار صحة الفروض للوصول إلى نتائج.
وفي هذا التعريف يُلاحَظ التركيز على المراحل التي تمر بها العملية الإبداعية والتي ما زالت هذه الخطوات موضع خلاف بين الباحثين.
كما تناول مؤلفا الكتاب المعالم الرئيسية للإبداع: وذلك من خلال الدراسات والأبحاث ذات الصلة بالإبداع، ومن التعريفات السابقة يمكن تحديد بعض المعالم الرئيسية للإبداع وخلاصتها أن هناك اختلافا وتباينا في تحديد مراحل عملية الإبداع، واختلافا أيضاً في تعريف الإبداع، فوفقاً لما يراه مؤلفا هذا الكتاب: ليس من الضروري أن تمر عملية الإبداع بمراحل محددة، كما يؤكدان إمكانية أن ينتقل الفرد المبدع من المرحلة الأولى إلى المرحلة الأخيرة أثناء تكوين الفكرة الإبداعية دون المرور ببقية المراحل، وقد تناول مؤلفا الكتاب عدة نماذج انتهيا منها إلى أن مراحل الإبداع هي:
1- مرحلة تكوين الفرضيات: وهي المرحلة التي يقوم فيها الفرد المبدع باقتراح حلول الفرضيات، أي تكوين أفكار جديدة.
2- مرحلة اختبار الفرضيات: وفيها يقوم المبدع باستخدام الأساليب والوسائل والأدوات المتاحة بفحص الفرضية أو الفكرة للتأكد من صحة الفرضيات أو الأفكار.
3- مرحلة الوصول إلى النتائج: وفي هذه المرحلة يتأكد الفرد المبدع من صحة إحدى الفرضيات فيقوم الشخص بتعميمها وعرضها على الآخرين، وذلك لمعرفة مدى فائدتها وقبولها من الآخرين.
وهناك نموذج المرحلتين، أي أن العملية الإبداعية تتكون من مرحلتين هما:
- مرحلة الفكرة الأساسية.
- مرحلة التوسع التفصيلية.
ففي مرحلة الفكرة الأساسية يحاول المبدع البحث عن فكرة جديدة مثيرة أو (حل المشكلة)، ويستخدم لتحقيق ذلك تقنيات التفكير الإبداعي.
أما مرحلة التوسع التفصيلية فتتضمن تطوير الفكرة وتوسيعها وتطبيقها. مثلا يبدأ الفنان برسومات تمهيدية ثم ينتقل للإنتاج الإبداعي، كذلك الروائي يكتب الكلمات على الصفحة ثم يقوم بالتنقيح والتصحيح ويكرر ذلك، كذلك رجل الأعمال الذي عليه تنظيم التفاصيل وتنفيذ العمل الضروري لتنفيذ الفكرة الأساسية بخطوات متسلسلة.
أما أساليب الكشف عن المبدعين فهي تعد خطوة مهمة للغاية في أي مشروع يهدف إلى تربية ورعاية المتفوقين والمبدعين.
وإذا تمت عملية اكتشاف المتفوق أو الموهوب بأسس علمية صحيحة فإنه يمكن وضعه في البرنامج الذي يناسبه، كما أن عملية الاكتشاف تجعل المجموعة التي نرعاها ونعد لها البرامج الإثرائية خالية من الطلبة المتفوقين. حيث لا يجوز أن يكون طالب غير متفوق موجودا في فئة المتفوقين، ويخضع لبرامجهم ومناهجهم، لأن ذلك يؤدي إلى إحباطه وزيادة ضعفه، وكذلك الحال فإن الطالب المتفوق يفضل أن يلتحق في فصول المتفوقين ولا يترك في الفصول العادية مما قد يؤثر فيه سلبا، لذلك لابد أن تكون هذه الخطوة موجودة في مشروعات المتفوقين والموهوبين، وأن نجاح أي مشروع يعتمد على مدى دقة عملية الكشف التي استخدمت وعلى صحة الخطوات التي اتخذت للكشف عنهم.
وقد تعددت وسائل الكشف عن المبدعين، فقد يكون منها: السيرة الذاتية ومقاييس التقدير وقد تكون الاختبارات العقلية، ويمكن التحدث عن خطوات الكشف عن المبدعين بإيجاز، فالخطوة الأولى هي الترشيح، والخطوة الثانية هي خطوة الاختبارات والمقاييس وهذه بدورها تصنف إلى فئات خمس، وهي اختبارات الذكاء الفردية، واختبارات الذكاء الجمعية، واختبارات الاستعداد المدرسي والأكاديمي، واختبارات التحصيل الدراسي، واختبارات الإبداع والتفكير الإبداعي.
ويشدد المؤلفان على أهمية وجود ضوابط التعرف إلى المبدعين، لأن هذه المرحلة من أهم المراحل في أي برنامج لتنمية الإبداع وتأتي أهميتها من حيث اكتشاف التلميذ المبدع وأن أي خطأ في اختبار التلميذ قد يضر بالتلميذ، لأن وضع أي تلميذ في فصل على أنه مبدع قد يؤدي إلى إحباط التلميذ وعدم قدرته على السير بمستوى التلاميذ المبدعين، كما أن عدم اختيار التلميذ المبدع ووضعه في فصل المبدعين يؤدي إلى تأثره نفسيا، فيفقد البرنامج عنصراً أساسياً وهو التلميذ المبدع والذي يمكن أن تنمي البرامج الإبداعية قدراته، لذلك لابد من الاهتمام بالتلميذ المبدع والتعرف عليه، ويمكن أن تمر هذه العلمية بمرحلتين، حيث تتضمن كل مرحلة عدة خطوات.
ولم يغفل الكتاب الاهتمام بالطفل المبدع، فقد خصص المؤلفان الفصل الخامس لهذا الغرض، والذي أفرد عرضا لعدد من البرامج التي تعمل على تدريب الأطفال وتنمية إبداعهم مثل برنامج (مايروتورس) وبرنامج (بيردو) للتفكير الإبداعي. وكذلك الفصل السادس الذي تناول التفكير مفهومه وتعريفه لغة واصطلاحاً، وأورد التعريفات المتعددة للتفكير، مع إيضاح لعناصر التفكير وتبيين مهاراته.
وتبقى الإشارة إلى أن هذا الكتاب بسلاسة عرضه، وصرامة منهجه العلمي، ودقة توثيق معلوماته، يسد ثغرة كبيرة في المكتبة التربوية العربية.
الأمير الوالد بنى الإنسان.. قبل أن يبني الوطن
هناك قادةٌ يُخلّدهم التاريخ بما شيدوه من عمران، وهناك قادةٌ يخلّدهم بما غرسوه في الإنسان. أما الأمير الوالد... اقرأ المزيد
93
| 16 يوليو 2026
الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن
لعلّ أعمق ما كشفه الحزن على رحيل سيدي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
177
| 16 يوليو 2026
إنه الشيخ حمد
قد نكتب آلاف الكلمات هنا وهناك في رثاء فقيد الوطن، لكنها لا تكفي، لأن الفقيد كان رجل المواقف... اقرأ المزيد
87
| 16 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
4614
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1647
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1584
| 12 يوليو 2026