رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تخشَ الدول الغربية الكبرى تفوقا عليها من قبل المنافسين الدوليين كروسيا والصين بعد التفوّق في الأسلحة العسكرية التقليدية والنووية إلا من التفوّق في السلاح التكنولوجي.
والتفوّق لا يعني استخدام الأدوات المشتراة بل المبتكرة ليس لأهداف الاستثمار والسوق والاقتصاد فحسب بل في الاختراع الرقمي والتملّك والاستحواذ المتفرّد على المستوى التكنولوجي والإعلامي الرقمي وإنشاء خوادمه ومحطاته بملكية خاصّة لا مستأجرة.
فالدبلوماسيّة والقوة الناعمة تتطلب منّا امتلاك الأدوات الرقميّة ومفاتيحها في عالم الريادة التكنولوجية والتطور وتغيير قواعد اللعبة خصوصا وان لغتها لغة عالمية لم يخترعها الغرب بل بني منطقها على العمليات العقلية الحسابية التي اخترعها الخوارزمي وتم توارث الغرب لها من بعده في الابتكار دوننا رغم أننا لا نعدم العقول العربية في لغتها ولا هندستها وبرمجياتها.
لذلك تبقى الصين ندا خطيرا للولايات المتّحدة الأمريكيّة حيث إنها تعتمد الذكاء الاصطناعي والإنتاج الرقمي وصناعة منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة للمنصات الأمريكيّة مثل «التيك توك» الذي تفوق عليها رغم حداثته وتم حظره فيها وفي الاتحاد الأوروربي منذ مجازر إسرائيل على غزّة لتفوّق السرديّة الفلسطينية الإنسانية تلقائيا فيه على السرديّة الصهيونية الغاشمة التي تشيعها منصاتهم تلاعبا في برمجة الخوارزميات، بل وتقيّد كل المستخدمين من النشر عن مجازر غزة وتغلق حساباتهم إمعانا في تضليل العالم وشعوبها وتعمل على حذف المحتوى الفلسطيني وحقائق وأخبار الانتهاكات الانسانيّة الصارخة، بل وتتعمّد تعتيم وحذف الصور وتشويه المعلومات وقلب الحقائق.
يجدر السؤال ونحن نعتمد الابتكار في التطبيقات والمنصات الاستثمارية، هل نجحنا نحن العرب في ابتكار منّصة إعلامية رقميّة منافسة متعددة اللغات؟
وإذا كان حال التجمّع العربي متشرذما على مستوى البرامج....نعود للمستوى القُطري على مستوى الدولة، ونحن نحتضن أول وأكبر قمّة ويب في الشرق الأوسط، هل نجحت قطر في إطلاق منصّة تواصل اجتماعي عالمية تفاعليّة أو استحواذ ناشئة واعدة مثل تلك القوية في X & TiKTok
وهل سنتبع خطوات الصين التي أصبحت النسخة الشرقية المرعبة للمنافسة الرقميّة لأمريكا؟ قد يقول قائل: ماذا تهرفون؟ والسؤال المعتاد للمتشائمين: وما حجم قطر؟
أودّ هنا أن أذكّر بأن قطر الصغيرة جغرافيا لا سياسيا هي التي غيّرت مفهوم الإعلام بعد الفكرة الرائدة لسمو الأمير الوالد ورهانه على مشروع شبكة إخبارية فضائية هي الأولى من نوعها في المنطقة العربية وحقّ لها أن تسطّر مفهوما جديدا في الإعلام سمّاه علماء الإعلام في الغرب بـ (ظاهرة الجزيرة) بل وأطلق عليه دون غيره مصطلح (الإعلام الجديد) وهو الذي يعتمد البث الدولي فيه على الأقمار الصناعية بعد وقت كبير استحوذ فيه الغرب على ملكية الإعلام والنشر الدولي وتفردوا في التحكم الإخباري وفي تدفق المعلومات القطبي الأحادي وبتنا فيه أسرى لصور وأخبار مضللة وهي التي تتحكم وتستحوذ تضليل تغطية القضية الفلسطينية وإحداث أزمات عربية أو بين دول الجوار اكتشفنا بعد ذلك عدم حياديتها بل وتمهيدها العالم كلّه لما تودّ افتعاله من أزمات كـ (السي ان ان) وغزو العراق باختلاق ذرائع للحرب والاستيلاء على دولنا ومقدراتها.. وكذبة أسلحة الدمار الشامل خير دليل.
كان ذلك في التسعينات وبداية الألفية، أمّا اليوم فمع أهميّة الشبكات الفضائية - تلك القوى الناعمة- اخترق الانترنت العالم وتطوّر بسرعة الضوء من صورة تقليدية سميّت بـ المواقع التصفحيّة الثابته غير التفاعلية عرفت بـ Web.1.0
إلى مواقع تفاعلية آنية بين المتسخدمين حول العالم أطلق عليها Web. 2.0
تلك التفاعلية التي أفرزت تنافسيّة في ظهور منصات رقمية اجتماعية شكّلت ثورة في الثروة الإعلامية الفرديّة والجماعية ولكّنها في دواخلها تخفي قدرات رقمّية هائلة للتحكم المعلوماتي والاستخباراتي والأمني أيضا والذي تعتمد أهداف استخداماته على أخلاقيات من يمتلك بنيته الرقمية وخوادم مدن السيليكون فيها. إلى أن جاءت طفرة دفاتر البيانات الرقمية (بلوك تشين) وما يسمى Web.3.0.
ودخول العوالم الخفية الغامضة وما تبعها من ثورة الشات جي بي تي وأخواتها وما سيفضي له مستقبلا في تطور مذهل يجب ألاّ نقف أمامه موقف المستهلك خصوصا وان قمة الويب تدعو قطر فيها إلى الريادة في الابتكار التي حتما نؤمن بأنها ستطال كلّ شيء بدأت الدولة في تطويعه رقميا من النفط والغاز إلى الطبّ، الاستثمار والاقتصاد بل وحتّى الرياضة، التربية والتعليم والإعلام.
وقطر تحتصن أضخم حدث تكنولوجي وتشكل فيه أكبر حضور عالمي، سعدنا بإعلان معالي رئيس مجلس الوزراء عن تخصيص الدولة استثمارات بقيمة مليار دولار أمريكي لدعم الشركات الناشئة في قطر والعالم، لتطوير اقتصاد تنافسي ومتنوع.
وسعدنا بتوقيع عديد من مذكرات التفاهم مع كبرى شركات التكنولوجيا وصناعة المحتوى في ظل عصر جديد من الإنجازات البشرية في زمن الذكاء الاصطناعي بأنواعه المختلفة لتعزيز مكانة قطر كرائد في المنطقة، وإبراز الهوية الوطنية القطرية على المستوى العالمي لتحقيق استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة 2024 – 2030،المرحلة الأخيرة من رؤية قطر 2030.
أما وقد أكّد معاليه:»إنه مع استمرار التكنولوجيات الناشئة في فتح أبواب جديدة، يجب إدراك أن الابتكار لا يقتصر فقط على استحداث أدوات جديدة، بل يتعلق بإعادة تصور الإمكانات التي يمكن تحقيقها باستخدام تلك الأدوات خصوصا وان دولة قطر تمتلك استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والمناطق الحرة».. فلنا إذاً أن نؤكد على هدف مهمّ بل ونراهن فيه على نجاح لا يقل عن ثورة إنشاء الجزيرة في التسعينات ونجاحها المدوّي فلدينا على المسار الآخر من إمكانات البنية التحتيّة الرقميّة بذور طيبة أيضا في المدينة التعليمية في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا ومعهد قطر لبحوث الحوسبة الرقميّة في أربعة مسارات فضلا عن تخصصات الهندسة الرقمية والاتصالات في جامعة قطر وجامعة الدوحة للعلوم والتكنولجيا الواعدة.
هذا وتمتلك دولة قطر بنية تحتيّة أخرى يمكننا تطويرها لنؤسس تزامنيا مع استثماراتنا الرقمية العالمية في الأسهم منصّات رقمية إعلامية محلّية «في قطر» لنتجاوز خدعة الديمقراطية الزائفة ومنصات احتكار السياسات والتلاعب في المحتوى بهندسة الخوارزميات.
وحرّي بقطر أن تنشئ في ذاتها «سيليكون فالي» للدولة بعد أن اجتازت وبجدارة فضاء الأقمار الصناعية الاحتكارية لتعزّز حضور الفضاء بعد حضور الأرض في أقمار سهيل 1 و 2 وتجاوزت أعداء تشويش الجزيرة في عصر التأجير، سيليكون جدير بنا أن نعيد فيه تسمية «الخوارزمي» تأصيلا تاريخيا وتأسيّا وريادة. سيليكون فالي لن يكلّف كثيرا من موازنة المكرمة التكنولوجية المعلنة في قمّة الويب ولكنه حتما سيكفيها شرّ التشويش والتضليل الرقمي وسيوفّر لها أضعاف الامتيازات دبلوماسيا وسياسيّا وأمنيا واقتصاديا أيضا...
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2508
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2280
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1182
| 11 أكتوبر 2026