رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شيخة غانم الكبيسي

 AlKubaisiSha

مساحة إعلانية

مقالات

369

شيخة غانم الكبيسي

رمضانيات الزمن الجميل

28 فبراير 2026 , 04:29ص

ها هو قد عاد.. من لا نعلم هل إليه سنعود؟ يعود كل عام ليحيي شجونا تفيض للقائه منذ رؤية هلاله إلى مُحاقه، شهر فضيل يحمل في طياته حنينا يتجدد لتلك الطفولة واشتياقا يتصاعد لكل ما أخذه الماضي الجميل من بساطة ونقاء، تُلاحقنا ذكرياته لتُعيد تلك المشاعر المحفورة بالأعماق منذ عقود، قد تبدو فيه أحداثنا متشابهة ولكن تختلف تفاصيلها وقوة تأثيرها بقلوبنا قبل عقولنا.

ذكرى تفوح برائحة البيوت القديمة ودفء عائلة اجتمعت بعد الإفطار حول الشاشة لمشاهدة برنامج الشيخ الطنطاوي الذي امتزجت نصائحه الدينية بفلسفة حياتية تناغمت مع طبق المحلبية الذي تقدمه والدتي كل يوم لوالدي ليتلذذ بهما وهو مُستند على أريكته المخملية، يسود هدوء بارد وتنزل السكينة على قلوبنا بعد ان ارتوينا وملأنا البطون، على عكس حالنا قبل الغروب بسويعات عندما التففنا حول والدتي التي تربعت في جلستها بمنتصف أرض المطبخ لتضرب الهريس «أكلة شعبية»، كان يسيل لعابنا مع كل صحن، نتحين الفرص لنلعق قليلا منه بسبابتنا - فَلَم يُطلق على هذا الإصبع بلحاس القدور من فراغ-، نتعاون جميعنا في وضع قليل من السمن لتزيين الطبق قبل توزيعه على الجيران. كان بالساحة المقابلة لمنزلنا عائلة مُتعففة تعيش في خيمة صغيرة تم نصبها لإيوائهم، حرصت على أن أكون أنا من يأخذ لهم طبق الطعام لاستكشف الحال وأرمق في عيون صغارهم الذين كانوا بمثل سني الفرحة التي قد يجلبها لهم طبق من القمح أو الرز، وفي كل مرة كنت أعود مُحملة بمشاعر مُختلطة وتساؤلات مُستنكرة ممزوجة بالامتنان للنعم الإلهية التي حظيتُ بها. 

 وفي المساء نستنفر لصلاة التراويح بالمسجد، لتبدأ أعمق الروحانيات الدينية مع لحظة صعودنا الدرج لقسم النساء الذي يقطع ظلامه شعاع ضوئي يتخلل فتحاته الضيقة كخيوط من ذهب ترسم زخارفها على الجدران وسط عبق دخان البخور والروائح الفواحة. نستهل تحدينا الأكبر في التعبد بقراءة صفحات من القرآن الكريم، فمن يُكمل أكثر من ختمة هو الفائز، ولا يقطع هذا التنافس إلا صوت الإمام عندما يُعلن قيام الصلاة ويختتم ليلتنا بالدعاء والمناجاة ليزيد من جمال تضرعنا ويتفنن في تأجيج مشاعرنا.

 وقبل أذان الفجر يصدح صوت (المسحر) الذي يجوب الطرقات في الفريج ماشياً على قدميه متقدما جمعا من الرجال، يحمل طبلاً يضربه بإيقاع متناغم مصحوباً بالدعوات والاناشيد التي تُنادي بذكر الله ليُعلن بأعلى صوت عن اقتراب وقت السحور، فيلحق به الصغار وهم يرددون خلفه بفرحة عارمة.

ولوجوده وقع مميز بمنتصف الشهر حين يتزامن مروره بالحَي مع ليلة «القرنقعوه» ليشعلنا حماسة. 

وفي ليلة تهجد طويلة توافق السابع والعشرين يجتمع النسوة بأحد المنازل لإقامة حلقة ذكر يملؤها الشجن وتفيض فيها الدموع حزناً على نهاية من سارع الرحيل.

لتختلط مشاعر التوديع بفرح استقبال العيد وتجهيزاته، ينشغل الجميع بشراء الملابس وتنظيف المنزل وأنشغل أنا بمراقبة والدتي وهي تُعد أفضل أطباقها لتقديمها في «فوالة» المجلس لاستقبال الضيوف، تساعدها في ذلك شقيقتي الكبرى التي أبدعت في صنع مذاق لا يُنسى لحلوياتها، بينما صوت أم كلثوم يصدح في الأجواء، نتمايل معه وندندن «يا ليلة العيد انستينا» بسعادة تغمر أرواحنا طمأنينة.

 يُخيم السكون فتتقلص الأضواء وتعلو التكبيرات من مذياع أبي. ننحني لمخداتنا الدافئة بعد حمام ساخن أخفى بُخاره انعكاس المرايا التي لم ابلغ مستوى ارتفاعها لأتذكر كيف كانت تعابير وجهي عندما تُغطيني والدتي بمنشفة وتحملني لسريري لأرتدي ملابس النوم الجديدة، أستسلم على وسادتي لمُخيلتي الطفولية متسائلة: كيف سأسرح خصلات شعري الاسود الكثيف؟ كيف سأبدو بهذا الفستان الذي عُلق خلف باب الغرفة وبنهايته حذاء جلدي أسود جديد تفضحه لمعته؟

مساحة إعلانية