رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل نجرؤ على الكلام عن أمن إعلامي عربي في ظروف التبعية شبه الكاملة وفي ظروف الانجراف الثقافي وفي ظروف أصبح فيها المواطن العربي يستهلك منتجا إعلاميا وثقافيا وترفيهيا معظمه مستورد من وراء البحار بقيم وأفكار لا تمت بأية صلة لواقعه ومحيطه وبيئته وتاريخه وهويته. فالإعلام العربي الرسمي هو إعلام كرّس عبر عقود من الزمن انسلاخه التام عن واقع الشعوب العربية وجسد ثقافة اللا تواصل بين الشعوب والحكام وهذا ما أدى بالمواطن العربي إلى التوجه نحو إعلام الآخر، الذي صُمم وأُنتج أصلا للآخر وليس للعربي. هل المجتمعات العربية محمية إعلاميا؟ وهل هناك وعي بأهمية الموضوع وخطورته من قبل المسؤولين والمشرفين على الإعلام؟ ماذا عن موقف المجتمع المدني والجمعيات المختلفة من هذه الإشكالية وانعكاساتها على الأمن العربي بصفة عامة؟ ماذا عن موقف المؤسسات الإعلامية العربية ؟ أم أن معظمها عبارة عن صناديق بريد تُوزع ما ينتجه الآخر حسب قيمه ومعاييره وأيديولوجيته وفكره. وبذلك فهي تروّج لقيم إعلامية لا علاقة لها بالمجتمعات العربية ولا صلة لها بالشارع العربي ولا بقضاياه المصيرية وهمومه اليومية. فكما نتكلم عن الأمن الغذائي والأمن العسكري والأمن الاقتصادي والأمن الإستراتيجي يتوجب علينا الكلام عن قضية الأمن الإعلامي نظرا لأهمية الصورة وحرب الكلمات والحروب النفسية والحملات الدعائية في عصر لا يرحم وفي زمن أصبحت فيه المعلومة رأس مال الأمم والشعوب وأصبح فيه الرأي العام هو المحرك الأساسي للسياسة والاقتصاد والدبلوماسية.
فلا حرب بدون إعلام فعال ولا تنمية مستدامة بدون إعلام قوي ولا ديمقراطية بدون إعلام حر وديمقراطي وشفاف، ولايوجد مجتمع مدني فعال وقوي ونشط بدون إعلام يعكس قيم ومبادئ وعادات وتقاليد المجتمع. ولا يمكن تحقيق كل ما تقدم بدون أمن إعلامي. الأمن الإعلامي أكثر استراتيجية وأكثر أهمية من أي أمن آخر لأن أمن العقول وأمن الأفكار وأمن القيم هي المقومات الأساسية لمجتمع له هوية وله شخصية وله ثوابت تجمع الأمة بمختلف أطيافها ومكوناتها. وللأمن الإعلامي مقومات وأسس ومبادئ ومستلزمات وشروط وبدونها فالكلام عن الأمن الإعلامي يعتبر ضربا من الخيال. التبعية الإعلامية العربية بلغت درجة من الخطورة منذ زمن بعيد وزادت هذه الخطورة حدة مع العولمة والبث الفضائي المباشر وشبكة الإنترنيت وثورة الاتصال. فكلما زادت التكنولوجيا تطورا وانتشارا، في ظل عولمة لا ترحم الضعيف والفقير ولا ترحم من لا ينتج ويساهم في صناعة الفكر والمعرفة والصورة، زادت أنماط وأشكال التبعية والتقليد والذوبان في الآخر. والنتيجة الحتمية في النهاية هي انعدام الأمن الإعلامي الذي لا يمكن تحقيقه في غياب استراتيجية إعلامية واضحة وفي غياب إنتاج مخطط ومبرمج ومدروس وفي غياب ميزانيات معتبرة وفي غياب إنتاج رسالة إعلامية تنبع من رحم المجتمع ومشاكله وشجونه. فكلما زاد انتشار تكنولوجيا الاتصال عالميا ؛ زاد احتكار صناعة الإعلام والمعلومات والمنتجات الثقافية والترفيهية وهذا يعني عولمة الإعلام وعولمة الثقافة وزيادة التبعية وانخفاض درجة الأمن الإعلامي.
وهكذا أصبح الإعلام الغربي هو الذي يحدد أجندة المشاهد والمستمع والقارئ العربي وهذا يعني أن إعلام الآخر هو الذي يشكل في حقيقة الأمر الرأي العام العربي إذا سلمنا بمبدأ أن الإعلام ليس بريئاً وأن أي إعلام في العالم له سياسته وخطه الافتتاحي وإطاره المرجعي وقيمه وأيديولوجيته. وانطلاقا من هذا الانسلاخ الخطير فإننا لا نستطيع الكلام عن أمن إعلامي ولا نستطيع الكلام عن إعلام وطني أو قومي أو محلي يتفاعل مع هموم وقضايا الشارع العربي. فالتبعية الإعلامية والتقليد وفقدان الهوية في النظام الإعلامي العربي تشكل خطرا على الأمن الإعلامي وتهدد بذلك كيان الأمة برمتها. من جهة أخرى نلاحظ أن الانفتاح الإعلامي الذي شهده العالم العربي في الربع الأخير من القرن الماضي لم يكن في خدمة الأمن الإعلامي العربي ولا المواطن العربي. فالانفتاح، خاصة في مجال الإعلام الفضائي، جاء عشوائيا وبدون تخطيط وجاء من أجل الربح السريع والاستهلاك السلبي مما زاد في تعميق هوة التبعية والتقليد والذوبان في الآخر. فالإعلام هو صناعة الفكر والقيم وهو التأريخ اليومي للدول والمجتمعات والشعوب، وهو كذلك ذاكرة المجتمع وإذا تُرك لرحمة التجار والسماسرة فإن عواقب ذلك ستكون وخيمة على الأمة. وهذا في حقيقة الأمر ما يشكل خطرا كبيرا على الأمن الإعلامي العربي. الأمن الإعلامي العربي بحاجة إلى إعلام حر ومسؤول لا ينحاز للسلطة ولا للمال وإنما لخدمة الحقيقة وقضايا الجماهير. سطوة السلطة العربية على الإعلام ضربت مصداقية الإعلام العربي في الصميم ودفعت بالشعوب العربية للتوجه إلى مصادر أخرى غير ما هو متوفر في الداخل، الأمر الذي عزز التبعية وكرس الانسلاخ وانفصام الشخصية. فالهروب من المحلي للارتماء في أحضان الأجنبي لإشباع الحاجات الإعلامية والثقافية عند المواطن العربي يضرب في الصميم الأمن الإعلامي.
فالإشكال هنا مطروح على مستويين، المستوى الأول يتمثل في الفجوة القاتلة بين الإعلام المحلي والمواطن أما المستوى الثاني فهو اعتماد الجمهور العربي على الإعلام الأجنبي وهذا يعني أن هذا الأخير هو الذي يضع الأجندة للمواطن العربي وهو الذي يحدد له ما يقرأ وما يشاهد وما يسمع. فالتبعية الاقتصادية وانعدام الديمقراطية وغياب المجتمع المدني وتهميش المواطن العربي وعدم مشاركته في العمل السياسي كلها عوامل أدت بالإعلام العربي أن يكون مجرد انعكاس لهده التناقضات من جهة ومكرس للتبعية من جهة أخرى. وما نلاحظه في الكثير من الأحيان في القضايا الدولية الحساسة وفي القضايا التي تكون فيها الدول العربية طرفا مهما هو إعلام عربي تائه بدون هوية وبدون شخصية وبدون حتى موقف واضح. نلاحظ إعلاما يكرر ويجتر ما تتداوله وكالات الأنباء العالمية أو ما تتناوله كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية، ففضائح غوانتانامو وفضائح أبو غريب وتمثيلية «جسيكا لينش» والأكاذيب المتكررة للبنتاجون والبيت الأبيض لم يتناولها الإعلام العربي إلا بعد ما فتح ملفاتها الإعلام الغربي. أما قضايا الإهانة والحملات الدعائية المتكررة ضد المسلمين والعرب فهي لا تُواجَه بحملات إعلامية مخططة ومدروسة بطريقة علمية ومنهجية، لكن ما نلاحظه هو مجرد فرقعات هنا وهناك سريعا ما تزول وبدون أي أثر يذكر. كم هي كثيرة القضايا المهمة التي يمر عليها الإعلام العربي مرور الكرام بدون استغلالها وتوظيفها بطريقة منهجية وعلمية مدروسة. وفي غالب الأحيان لا يعرف كيف يوظفها ويستعملها لخدمة القضايا العربية. وكم هي كثيرة المواضيع التافهة التي تنال مساحات كبيرة وفترات زمنية طويلة في وسائل الإعلام العربية. وكم هي كثيرة البرامج والمسلسلات والأفلام الهابطة التي تسمم وتحنط العقل العربي والفكر العربي أكثر مما تضيف له قيمة تذكر. النخب السياسية في العالم العربي مطالبة بـ «دمقرطة» النظام الإعلامي العربي وبالاستثمار في الصناعات الإعلامية والثقافية من أجل نشر قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومن أجل حماية الفضاء الإعلامي العربي من التلوث واللاأمن الذي يعاني منه. فالأمن الإعلامي يتحقق من خلال إعلام ملتزم ومسؤول يؤمن بكرامة الإنسان وبحريته ويؤمن بالبحث عن الحقيقة ومحاربة الفساد والفقر والجهل في المجتمع ؛ إعلام يتفاعل مع الشارع ومع هموم ومشكلات الفئات العريضة من المجتمع. المواطن العربي بحاجة إلى إعلام هادف وملتزم ومسؤول ينبع من رحم قيم وتقاليد وعادات وهوية المجتمع، بإعلام بهذه المواصفات والخصائص يستطيع العرب الكلام عن الأمن الإعلامي وعن إعلام عربي الهوية وعربي القيم وعربي الرسالة وعربي الهدف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4917
| 05 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
2103
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1551
| 09 أغسطس 2026