رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثرت الأحاديث والخطابات والندوات والمحاضرات والمؤتمرات،كما طوفان المقالات والتقارير التي كتبت"...ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة" (القصص:76)،اضافة الى الكتب والدراسات وقصائد الشعر والنثر ،التي تناولت بالبحث والتحليل،الأسباب السياسية والعسكرية لنكبة العرب في فلسطين،والنكسات والهزائم في الحرب التي اندلعب بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية وقتها على أرض فلسطين،لكنها أغفلت القاء الضوء على فلسطين قبيل النكبة في العام 1948،وكيف كانت حياة ومسار الشعب الفلسطيني على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية والفنية والاجتماعية والتعليمية والأدبية،وهذا ما سنتحدث عنه في هذا الاستعراض الموجز ،دون غيره من أوجه الحياة المعيشية الأخرى.
أرض فلسطين، كانت جزءا من دولة الأتراك العثمانيين (الدولة العثمانية) ،كبقية أرض الوطن العربي ،حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ،ولما وضعت فلسطين تحت الأنتداب البريطاني بموجب معاهدة سان ريمو الايطالية بعد هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب،تم توقيع المعاهدة مع تركيا طبقا لمعاهدة سيفر التي حددت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية في المشرق العربي التي تضم العراق وسورية بما فيها لبنان والأردن وفلسطين،بحيث تكون سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين والأردن تحت الانتداب البريطاني بالإضافة إلى العراق ،مع التزام بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور بتنسيق مسبق مع الحركة الصهيونية العالمية للالتفاف على حكومة عموم فلسطين لاحقا التي شكّلها أمين الحسيني.
الحياة الثقافيّة والفنيّة
كانت المجتمع الفلسطيني قبيل نكبة العام 1948 ،ينبض بالحياة والنشاط الإقتصادي والسياسي والعمراني،ومنارةً ثقافيةً وفنيّة، وغصّت مدنها الكبرى بدور السينما، وصالات العرض الفنية ،وشهدت نشاطًا سينمائيًا لافتًا، حيث تم افتتاح سينما أوراكل في مدينة القدس العام 1908، كأول دار عرض سينمائي في فلسطين،وفي ثلاثينيات القرن الماضي ،انتشرت في المدن الفلسطينية الرئيسية الأخرى مجموعة من دور العرض السينمائي التي كانت تعرض الأفلام المصرية ، وأفلاماً أجنبية، ناطقة وصامتة.
وتم في فلسطين إخراج عددٍ من الأفلام، كان منها خمسة أفلام للمخرج الفلسطيني إبراهيم حسن سرحان، وهي أفلام (الملك عبد العزيز، وأحلام تحققت، واستوديو فلسطين، وفي ليلة العيد، ومقدمة سينمائية، وأحمد حلمي باشا)، أما فيلم (حلم ليلة ) فكان من إخراج صلاح الدين بدرخان.
والأخوين بدر وإبراهيم لاما (الاعمي الاسم الأصلي لعائلتهم في مدينة بيت لحم)أسسا مجد السينما المصرية،بعد هجرتهم مع والديهما في أواخر القرن التاسع عشر إلى أمريكا الجنوبية وتحديدا لتشيلي ثم قررا العودة بعد عدة سنوات لوطنهم فلسطين لتأسيس شركة إنتاج سينمائي في مدينة حيفا، إلا أن مرض ابراهيم في الطريق اضطرهم للنزول في مدينة الاسكندرية فأعجبتهم المدينة المختلطة الأعراق آنذاك فقررا الإقامة فيها والعمل على إنتاج أفلام سينمائية مصرية فأسسا لهذا الغرض شركة إنتاج سينمائي باسم (شركة كوندور فيلم)عام 1926،فكان أوّل أفلامهما إنتاج فيلمهما "قبلة في الصحراء" العام 1927 .
كما كان المجتمع العربي الفلسطيني في حيفا، في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات يميل نحو اكتشاف التمثيل المسرحي، فشهدت المدينة نشاطًا مسرحيًا ملموسًا من خلال تأسيس (جمعية التمثيل الأدبي)، ثم جمعية (الرابطة الأدبية)،وكثف الأدباء الحيفاويون، ومن خارج حيفا مؤلفاتهم المسرحية، إنما الأبرز بينهم كان الأديب جميل البحري الذي وضع وترجم عشرات المسرحيات، منها (قاتل أخيه، سجين القصر، أبو مسلم الخراساني، وفاء العرب وغيرها)،وجرى عرضها على خشبات المسارح المدرسية أو على مسارح المدينة، مثل مسرح سينما كولزيوم في شارع اللنبي، وسينما عين دور، ومسرح وسينما الأمين وعدن وغيرها، أو في حدائق المتنـزهات كمتنـزه الانشراح ومتنـزه كراكين،كما شهدت مسارح حيفا ويافا حفلات غنائية لأشهر المطربين والمطربات العرب مثال محمد عبد الوهاب ،والسيدة أم كلثوم التي حملت من فلسطين أربعة ألقاب"بلبلة الشرق،فاتنة الجماهير ,مطربة الشرق الوحيدة،ومنها لقب كوكب الشرق.
ولم تقتصر الحياة الثقافية على الإنتاج المحلي لمجتمع عربي فتي، إنما حضرت إلى حيفا فرق مسرحية كثيرة منها فرقة علي الكسّار ومنيرة المهدية وفرقة رمسيس المصرية برئاسة عميد المسرح العربي الفنان يوسف وهبي، وأيضًا فرقة الممثل العربي المعروف جورج أبيض الذي وضع أسس المسرح العربي الحديث.
ولكن الجانب الأهم في كل ما نتحدث عنه في ثقافة المسارح، أن أول فرقة تمثيلية تأسست في فلسطين العربية كانت (فرقة الكرمل التمثيلية) بإدارة وإشراف الفنان الحيفاوي المعروف اسكندر أيوب بدران.
ومن أهم المسرحيات التي عرضتها هذه الفرقة كانت مسرحية (هملت) لشكسبير ،وتناقلت أخبارها الصحف الفلسطينية والمصرية مكيلة لها المديح والكلام الطيب، وكذلك مسرحية (كرسي الاعتراف) بالاشتراك مع فرقة رمسيس المصرية.
اذاعة القدس محطة انطلاق لأبرز المطربين
نقرأ في كتاب (فلسطين القضية ،الشعب،الحضارة، من عهد الكنعانيين حتي القرن العشرين) للكاتبة والمؤرّخة الفلسطينية بيان نويهض الحوت ،أن فلسطين شهدت ثاني إذاعة عربية بعد الإذاعة المصرية، فكانت (إذاعة هُنا القدس)التي امتلكت الأثير في العام 1934، وبدأت إرسالها في العام 1936 من فندق بالاس في مدينة القدس ، ثم انتقلت الى شارع مأمن الله في حي ماميلا في سنة 1939، أما أول صوت صدح فيها فكان صوت شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان صاحب نشيد "موطني" ،وقد بلغ عدد أجهزة الراديو في فلسطين ما يقرب من الواحد والعشرين ألفا .
ومن إذاعة القدس بدأ المطرب المصري محمد عبد المطلب رحلته مع الفن، واكتسب من خلالها شهرة وخبرة قبل أن يعود الى مصر ويصبح واحداً من أكثر الأصوات الغنائية جمالاً.
وفي رحاب هذه الإذاعة برز عازف العود المصري عبد الفتاح منسي، وهو شقيق العازف أنور منسي زوج المطربة صباح، وكذلك الملحن اللبناني المعروف فيلمون وهبي.
وشرعت هيئة الاذاعة البريطانية (BBC) تبث بالعربية في العام 1938، وكان المذيع البارز فيها الاعلامي الفلسطيني عيسى صباغ،غير ان بريطانيا لم تلبث في سنة 1943 أن أسّست (إذاعة الشرق الأدنى) وكان مقرها في مدينة جنين أولاً ،ثم انتقلت الى مدينة يافا ثم الى القدس في سنة 1947،ثم بعد النكبة انتقلت الاذاعة بكادرها الاعلامي الى قبرص وأخذت تبث برامجها من هناك .
كان من بين أشهر العاملين الفلسطينيين في هذه الإذاعة صبري الشريف ونجاتي صدقي ورشاد البيبي وغانم الدجاني وصبحي أبو لغد وأحمد جرار وعبد المجيد أبو لبن وكامل قسطندي.
ويقول الكاتب المقدسي نصري الجوزي في كتابه(تاريخ الإذاعة الفلسطينية.. هنا القدس)،ان بعض الموسيقيين والعازفين والاعلاميين الفلسطينيين الذي كانوا يعملون في اذاعة (الشرق الأدنى) ، توزّعوا بعد اغلاقها العام 1956 خلال العدوان الثلاثي على مصر،وقصفت الطائرات البريطانية أجهزة الاذاعة المصرية قرب القاهرة،وانحياز الكادر الاذاعي الى جانب مصر على الاذاعات العربية،وهؤلاء جميعاً أسهموا في النهضة الموسيقية العربية اللاحقة،وعلى سبيل المثال التحق بالإذاعة اللبنانية عدد من العازفين الفلسطينيين أمثال فرح الدخيل وعبد الكريم قزموز وميشال بقلوق ورياض البندك الذي انتقل لاحقاً الى اذاعة دمشق، واحسان فاخوري وحنا السلفيتي وفريد السلفيتي، ثم المطرب محمد غازي، وفيما بعد التحق بها نبيل خوري، علاوة على الموسيقار حليم الرومي والعازف عبود عبد العال، وانضم الى إذاعة دمشق يحيى السعودي ومحمد عبدالكريم، والى إذاعة بغداد ذهب روحي خماش ومحمد الغصين وصبحي أبو لغد وعبد المجيد أبو لبن وسميرة عزام ومحمد كريم، وذهب غانم الدجاني الى السعودية وفؤاد حداد الى محطة الاذاعة البريطانية (BBC)،وأسس كامل قسطندي شركة في بيروت للانتاج الاذاعي، وتولى صبري الشريف مسرحيات الأخوين الرحباني كلها تقريباً وأصدر سمير الشريف في بيروت ايضاً مجلة إذاعية باسم ( الشرق الأدنى )وتولى رشاد البيبي تحريرها، وكتب فيها مارون عبود وموسى الدجاني وسميرة عزام وعباس محمود العقاد وطه حسين وسهير القلماوي ونقولا زيادة وفؤاد صروف وآخرون ، ولاحقاً أسس غانم الدجاني (الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية) بتمويل من الفلسطيني بديع بولس، ثم أسس بديع بولس نفسه (ستديو بعلبك للسينما ) في سنة 1958بالمشاركة مع الثري الفلسطيني يوسف بيدس وفرقة الأنوار في سنة 1959، والمعروف أن عبد المجيد ابو لبن هو من اكتشف شخصية "إم كامل" التي جسدها الفنان السوري أنور البابا، وشخصية "أبو صياح" التي جسدها الفنان السوري رفيق السبيعي.
الحياة التعليمية
التعليم في فلسطين يعتبر جانب مهم للغاية من جوانب حياة الفلسطينيين، فقد اعتنوا أكثر ما اعتنوا بالعلم والتعليم، وتعتبر نسبة المتعلّمين في فلسطين أعلى نسبة في التعليم مقارنة بالدول العربية بالمقاييس الإقليمية والدولية .
كانت مدارس فلسطين قبل النكبة على ثلاثة أنواع: حكومية وهي الأكثر عددا وانتشارا في كل مدن وقرى فلسطين، وعربية خاصة، وأجنبية خاصة،وهذه الأخيرة أسستها جمعيات أوروبية وأميركية مختلفة منها العلمانية ومنها الدينية.
وعلى الرغم من أن المدارس الحكومية كانت تضم العدد الأكبر من طلاب البلد، فإن ذلك لم يكن نتيجة سخاء الحكومة البريطانية على التعليم، بل لحرص الفلسطينيين الشديد على تحصيل العلم.
وقد ورد في المذكرة المقدمة من الوفد الفلسطيني إلى رئيس عصبة الأمم في جنيف للمطالبة بتشكيل حكومة وطنية في فلسطين أيلول/ سبتمبر 1921،أن معدل من يستطيعون القراءة والكتابة والمتعلمين من شعب فلسطين بلغ أكثر من 45% من تعداد السكان، وهي نسبة لا يستهان بها آنذاك ،وقد تخرج مئات من شبانها في الكليات التركية والجامعات الغربية كمهندسين وميكانيكيين وأطباء ومحامين ومعلمين وكثيرون منهم يشغلون مراكز مهمة في أمريكا ومصر والسودان.
والفلسطينيون معتادون على الانتخابات العامة والحكم ،حيث كان لهم في عهد الأتراك مجالس محلية تمثيلية وبرلمان انتخابي عمومي في الآستانة، وقد كان الكثيرون يعينون حكاما في أنحاء السلطة العثمانية.
كانت الحياة المرهفه والراقية في كافة المناطق الفلسطينية،والحياة السكنية الجميلة والمطاعم الباريسية والشوارع المضاة بالكهرباء ،وكانت المناطق الفلسطينية تحتوي على العديد من الجامعات والكليات ،مثل كلية العربية في مدينتي القدس والناصرة،وكلية النجاح في نابلس ،وتحولت الى جامعة شاملة لكل الكليات العلمية والأدبية بعيد النكبة،وكانت الهيئة العربية العليا تبعث المدرسين للتعليم المجاني في عدة دول عربية مجاورة ،وازدهر الطب في فلسطين من الناحية المستشفيات والطواقم الطبية الماهرة .
كان يوجد في فلسطين مدن متطورة في كافة المجالات، فلا يوجد مدينة لا يوجد بها مطار ومحطة سكة حديدة ،بالاضافة الى المصانع والشركات والبنوك المتنوعه في كافة المجالات،وكان يوجد في فلسطين اكبر مصفاة نفط في المنطقة (مصفاة حيفا) ،واكبر ميناء في المنطقة (ميناء حيفا).
الأنشطة الرياضية
تعود جذور الحركة الرياضة في فلسطين إلى نهاية القرن التاسع عشر عندما بدأت بعض الإرساليات الأجنبية بتأسيس مدارس لها في فلسطين، ففي عام 1908 شكلت مدرسة المطران في القدس أول فريق كرة قدم على مستوى رسمي،وفي عام 1928 تأسس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في القدس، وانضمت فلسطين رسمياً للاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1929، وبلغ عدد الأندية الرياضية في فلسطين في تلك الفترة نحو 65 ناديًا، منها نادي الدجاني والأرثوذكسي في القدس ، ونادي اسلامي يافا واسلامي حيفا،وفي عكا النادي القومي وعكا الرياضي،وفي غزة نادي غزة الرياضي،والنادي العربي،والنادي الأرثوذكسي، ومن أشهر اللاعبين الفلسطينيين في تلك الفترة، جبر الزرقة ، جورج مارديني ، ميشيل الطويل ، عبد الرحمن الهباب ،رشاد الشوا ، حيدر عبد الشافي ،جورج رشماوي.
ثم أخذ النشاط الرياضي في النمو وأصبحت الرياضة تشكل جزء من الوعي الاجتماعي لدى فئات مختلفة من السكان، وعنصرا مكونا من عناصر الثقافة الفلسطينية ، لذا فإن ظهور بعض الأندية كان يعود لأهداف رياضية ومن ثم اجتماعية وثقافية، حيث كان نشاطها الرياضي يشكل الجزء الأكبر بين بقية النشاطات (مثل النادي الرياضي الإسلامي في يافا والنادي الرياضي العربي في القدس). كما كان هناك العديد من الأندية التي نشأت كأندية اجتماعية وفيما بعد تحولت إلى رياضية (كالنادي الدجاني في القدس).
بدأ النزاع العربي الصهيوني في المجال الرياضي يبرز في العشرينات بعد وعد بلفور وبداية الانتداب البريطاني على فلسطين ،وعملت الصهيونية على توسيع رقعة نشاطاتها الرياضية في فلسطين من خلال تأسيس الأندية )المكابي ، الهابوعيل ، البيتار) في المستعمرات ، ونقل العديد من الأندية من أوروبا إلى فلسطين .
لقد كانت الحركة الرياضية الفلسطينية في ذلك الوقت في بداية طريقها وكانت هذه الأندية كمؤسسات اجتماعية مرتبطة بالحركة الوطنية ، حيث كان تصديها لهذا الاخطبوط الصهيوني نابعا من توجيه بعض الانتقادات عبر الصحف الفلسطينية.
كان الاتحاد الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي يسعى لتمثيل فلسطين في في الاتحاد العالمي لكرة القدم الفيفا ، فقد كان يعمل بتنسيق مستمر مع الاتحادات الرياضية العربية من اجل نيل دعمها في الاتحاد الدولي .
ولا بد للإشارة إلى أن الحركة الرياضية الفلسطينية انطلقت بخطى متسارعة منذ عشرينات القرن الماضي ،على أسس تنظيمية اجتماعية ووطنية تحقق النجاحات على الصعيد الرياضي، وتعكس الهوية الوطنية الفلسطينية،وهذه النجاحات تعتبر قاعدة بناء للحركة الرياضية الفلسطينة المعاصرة .
واليوم وبمناسبة مرور 68 عاما على النكبة والاحتلال،تبقى فلسطين قضية وطن سُلب وشعب شرِّد ،وحين يكون هناك احتلال، فلا بد من مقاومة ذلك الاحتلال،لتحري فلسطين من بحرها الى نهرها ، ولو بعد حين ،وستبقى فلسطين متجذرة في وعي أجيال الشتات، بل في وعي أبناء الأمة العربية ووعي المسلمين جميعا،ما دام هناك قرآن يُتلى أناء الليل وأطراف النهار .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3462
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026