رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

144

منى الجهني

الكتابة هوية وطن

21 أكتوبر 2026 , 12:00ص

هل الكتابة ذاكرة الأرض التي لا تنسى حكاياتها؟ أم هي المرآة التي يرى من خلالها القارئ ملامح بلد لم يزره؟ أم تلك الذاكرة التي تحمي ملامح الشعوب من النسيان؟

فالكتابة تعبر حدود الجغرافيا من خلال الثقافة حاملة معها الشعوب حيث تصل الكلمات إلى أرض لم يزرها الكاتب نفسه.

أبدا، لم تكن الكتابة مجرد كلمات مرصوصة على صفحات بيضاء، ولا أسطر متتالية تتسابق إلى نهاية الصفحة. بل كانت ولا تزال تحمل ذاكرة وهوية وطن، عرف تاريخه وتفاصيله من خلال الكلمة الصادقة التي عبر عنها أحد أبنائه.

عندما يكتب الكاتب عن حكاية وطنه، فإنه يوثق كل ذلك في تفاصيله التي يتحدث عنها في التحولات الاجتماعية وعن القيم التي يحافظ عليها بالإضافة إلى تجسيد عادات وتقاليد راسخة في الذاكرة الشعبية الراسخة جيل بعد جيل.

عندما يعبر الكاتب عن وطنه، فإنه يمنح القارئ الفرصة للتعرف على هذا البلد وروح المكان الذي يعيش فيه بأسلوب تسبق فيه حدود الكلمة الثقافية الحدود الجغرافية.

عندما يصبح الكاتب صوتا عن مجتمعه وبيئته، ومرآة مجتمعه فإنه يتحدث عن معنى تفاصيل الحياة اليومية التي يتجاوز فيها المكان.

وفي السياق ذاته، فالروائي المصري العالمي نجيب محفوظ، لم يكن كاتبا سياسيا ولا يذكر عنه سوى روايات اجتماعية ما زالت تقرأ عن هوية مصر التي جسدت الحالة الاجتماعية في ذلك الزمن من خلال "حارة" القاهرة عبر "الثلاثية" و"أولاد حارتنا"، استطاع أن يلتقط نبض الشارع بكل ما فيه من أفراح وحزن، حتى صارت شخصياته الروائية مرجعا وشاهدا على تحولات المجتمع ويكشف ما تعجز الوثائق عن ذكره.

يقول الفيلسوف جان بول سارتر في كتابه (ما الأدب؟) إن الكاتب الحر لا يكتب لنفسه، بل يكتب لعصره. لا تكتفي هوية الوطن بالتاريخ السياسي والجغرافي فحسب، إنما تنبض في الثقافة واللغة، وفي العادات المتوارثة عبر الزمن في مجتمعه والحكايات والتفاصيل التي تمنح كل مجتمع خصوصيته وملامحه التي يتميز بها عن غيره من المجتمعات.

حين تكون الكتابة هوية وطن، تروى بأقلام أبناء وبنات البلد، بأسلوب يتجاوز الحدود الجغرافية فالكتابة قوة ناعمة تمنح حضورا يتخطى الزمن والأماكن، وتحمل كلمة تنقلها إلى الشعوب الأخرى.

ومن هنا تبرز أهمية المشاركات الثقافية الدولية، التي تفتح آفاقا للحوار ويتجاوز حدود التعريف بالإصدارات الأدبية إلى تقديم صورة حية عن وطن وهوية مجتمع. إلى جانب ذلك تعطي الفرصة للآخرين لاكتشاف قطر من خلال حكايات أبنائها يبقى أثرها في الذاكرة حتى بعد انتهاء الفعاليات.

فالكاتب الذي يصبح شاهدا على عصره، تلتقط عيناه صورا ومشاهد موجودة حوله قد يغفل عنها الآخرون ويمنح للكلمة تفاصيل لا تنسى، أن تبقى وإن تبدلت الوجوه وتغيرت الأمكنة.

هذه التفاصيل ليست مجرد موضوعات للكتابة، إنما هي ملامح إنسان وذاكرة مكان فكلما كانت الكتابة صادقة في التعبير عن الهوية والبيئة كانت أكثر قربا إلى القلب وأكثر إنسانية، فالكاتب لا يمسك قلمه فقط، بل يرافقه وطنه.

وعندما يذكر غسان كنفاني ومحمود درويش، تحضر فلسطين بكل ما تحمله من ذاكرة وحنين وهوية وقضية، اللذان جعلا من الكلمة وطنا ومن حكايات الأرض ذاكرة، وحين تذكر كولومبيا وأمريكا اللاتينية يحضر معها اسم غابرييل غارسيا ماركيز الذي نقل تفاصيل بيئته إلى العالم، وعندما تذكر الهند يذكر معها طاغور وكأنهما وجهان لعملة واحدة وكما قال كنفاني موضحا هذا الارتباط بين الفرد وهويته، "الإنسان في نهاية الأمر قضية".. كل هذا وبيني وبينكم.

 

مساحة إعلانية