رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتماء مصر العربي والإسلامي والإفريقي ليس مجرد لغو قول، فهي الدوائر الحيوية لعلاقاتها، ولكن ما هي مصر التي نعنيها؟ وهل هذا الانتماء مجرد مشاركة وجدانية، أم أنه مصالح تتلاقى، فالعلاقات الدولية ليست عواطف، ولكنها مصالح، تتوافق أو تتعارض، فيتحدد طبيعة الانتماء وطبيعة منهج التعامل مع تلك الدوائر. وبمعني آخر هل هو انتماء وفق رؤية لمصر تنحاز إليها في عالم متغير، أم هو مجرد شعار أجوف قد تنجرف به مصر لغير مصالحها ومصالح شعبها ومستقبله؟
ضجيج بورصة الأقوال والشعارات في مصر بعد الثورة، أودى بطاقة الثورة حتى اللحظة بعيدا عن أهدافها، وخارج المسار الحقيقي والموضوعي لها، واستبدل الصراع من مواجهة نظام فاسد ومستبد لا يملك رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية لصالح الشعب وفئاته التي تعاني الفقر والجوع والمرض بل والجهل المستهدف بتفريغ منظومة التعليم في مصر من محتواها، إلى صراع مصطنع خارج عن حاجة المجتمع حول سلطة الحكم.
استطابت القوى السياسية فكرة الاستنساخ، وتتحدث عن التجربة التركية والإندونيسية والبرازيلية، وأردوغان ومهاتير محمد ورولا دي سيلفا. وفي الوقت ذاته لا تتحدث عن الواقع المصري ومكوناته وهويته، بل تحاول استبدال الهوية وهدم الدولة وإقامة واقع لا يدرك التاريخ ولا يضع في اعتباره الجغرافيا وما تفرضه من مصالح، ومدى تعارض المصالح المصرية أو توافقها مع غيرنا في عالمنا المعاصر، بل إنها تستدعي الشرعية الأمريكية مبررا للوجود المصري، وكأن وجود مصر مرتبط بالرضا الإسرائيلي.
انحراف بالسياسية بعيدا عن إدراك للخطر، وحصار للوطن وترتيب عاجز عن إدراك الأولويات الوطنية، فالثورة قالت إن الشعب أولا، ونادت بتحرير الإرادة وبالاستقلال الوطني، لأنه عند تحقق ذلك، وعنده فقط، نستطيع أن نحدد موقفا من أمريكا أو السعودية أو إثيوبيا، الأمر يتجاوز مدى طائرة الرئاسة إلى مدى المصالح ونطاق الأمن الذي نراه، ونطاق النفوذ الذي نريد، ومركز كل ذلك هو وطن وشعب، ورؤية للمستقبل، والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهو تجاوز للتصحر السياسي في المجتمع بدلا من استخدام الفقر سبيلا للسلطة.
الاستنساخ في العلوم البيولوجية مر بمرحلتين، روائية بداية القرن 19 حول فرانكشتاين، والثانية نهاية القرن العشرين باستنساخ النعجة دوللي. فرانكشتاين صنع جسده من أجزاء آدمية ميتة، وعجزت الطاقة الكهربية المتاحة عندها عن إحيائه، ولكن صاعقة كهربية في ليلة ممطرة مرت بالجسد الميت، حركته وتحول فرانكشتاين إلى وحش قاتل.
والنعجة دوللي محاولة بعد قرنين من الزمان لاستخدام الطاقة أيضا وأشعة الليزر لتقسيم نواة حيوان منوي وإنتاج الشبيه أو الاستنساخ بذات الصفات الوراثية.
المصدر المشترك واحد وهو الطاقة الفائقة، إن مرت بجسد ميت أنتجت وحشا خارجا عن النواميس الطبيعية، وإن مرت بنواة حيوان منوي أنتجت الشبيه.
ولكن ما تفوق على عملية الاستنساخ سواء في أدب الرعب أو في استنساخ النعجة دوللي، هو اكتشاف حبل الجينوم في الخلايا البشرية، فهو مخزن المواصفات البشرية وتكوينها، والفارق هو في حيود طاقة الجزيئات عن الطاقة الواجبة لتحقيق مواصفات الأداء والصحة، وجاءت كاميرا الليزر والفيمتو ثانية لتتيح للإنسان أن يصور الجزيئات ويحدد مدى ما أصابها من حيود، وكان التطور بعيدا عن الاستنساخ، هو الوصول الأولي لحقيقة حبل المواصفات البشرية "الجينوم".
المجتمع الإنساني له علومه الخاصة التي لا تقبل الاستنساخ، ولكنها تقبل بدراسة حبل الجينوم الاجتماعي المكون للمجتمع ذاته، أين فقد طاقة الوجود والتحقق، وأين تم حصاره وإهداره، وأين يكمن فيه الفساد، وأين يجب أن تعمل الطاقة الفائقة؟ والتي هي في العلوم الإنسانية الثورة، فالثورة علم تغيير المجتمع.
المجتمع الإنساني يفرض على المفكرين المبدعين، وليس تنابلة النخبة الذين يستدعون تنابلة السلطان، الاستفادة من التجارب الإنسانية، وأيا كانت القوانين التي يحاول علماء الاجتماع تفسير حركة المجتمعات، لكن لكل مجتمع سماته الخاصة في تكوين قواه الاجتماعية والإنتاجية، وهويته الثقافية، وتاريخه، وصراع المصالح الخارجية التي تسعى للسيطرة على إرادته. وهناك أيضا الصراع الداخلي، والصراع الداخلي في المجتمعات التي يحاولون استنساخها كان ضد الفساد والظلم الاجتماعي والتخلف، فإن محاولات الاستنساخ لا ترى الوطنية المصرية أصل الصراع ولكنها تراه الأممية الإسلامية، وكأن الشعب المصري قام بإنتاج شبح جديد لفرانكشتاين، وكأن طاقة الثورة الشعبية يجري إهدارها تحت دعاوى لا تحمل المصلحة الوطنية بالأساس ولكنها تهرب إلى جسد جرى تجميعه من قطع ميتة.
الخطر الحقيقي هو كسل الإبداع لدى المفكرين والمثقفين وما بقي من نخبة، ويضاعف الخطر اغتراب لغة الحديث عن المجتمع، واغتراب النخبة عن تاريخ هذا المجتمع وحاجاته وتجاربه وأمثلة القدوة فيه.
أمر السلطان عبدالحميد بإغراق تنابلة السلطان ليقضي على التواكل والكسل، ولكن الكسل الذي أصاب إبداع النخبة في مصر يهددها بالغرق السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
إن الحوار حول العسكرية المصرية والقضاء والصحافة والأزهر، والحوار حول الدستور ومضمونه، وأداة صياغته، يؤكد أن الفارق بين قضية التحرر الوطني والاجتماعي في مصر وبين الحوار الدائر، فارق أخدودي لا تلاقي فيه.
انقضوا على طاقة الثورة دون إبداع أو استيعاب لأهدافها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، فكانوا كمن استدعى شبح فرانكشتاين، ونسوا أن فرانكشتاين قتل من حاول صناعته، واستطابوا ترف شاشات الفضائيات فاستدعوا تجربة إغراق تنابلة السلطان في البحر حتى لا يغرق الوطن في الوحل.
الإرادة الوطنية تفرض التغيير ولا تستدعي الاستنساخ، وهي تفرض الحوار ولا تستدعي الجدل الأصم وحوار الطرشان، وهي تفرض إدراك مفهوم الأمن القومي ومفهوم الدولة، ولا تهرب إلى استخدام الحناجر أو الخناجر.
لن يقيم الحرية السياسية والعدل الاجتماعي في مصر غير أصحاب المصلحة الحقيقية في تحقيقهما. ويحتاج المجتمع إلى إبداع مفكريه ولا يحتاج إلى لغو القول الدائر حول قضاياه.
الخطر المحيط بمصر من خارجها، يتزايد. والخطر في الداخل يكمن في استدعاء شبح فرانكشتاين، ولا سبيل للعودة إلى طريق الثورة ومنهجها بغير إدراك أنها لم تكن انقلابا على نظام حكم، ولكنها تحرير للإرادة الوطنية لإعادة بناء المجتمع، وسبيل العودة لطريق الثورة ومنهاجها هو البناء التنظيمي الجامع لأصحاب المصلحة في تحقيق أهدافها، وبدونه فإن القادم سيبقى صراع حناجر وخناجر لم يكن غاية ثورة الشعب المصري.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4845
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
963
| 06 أغسطس 2026