رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ *} (آل عمران:118) هذا النص القرآني الكريم ينهى عباد الله المؤمنين من اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير المؤمنين , وذلك لأن الأولياء عادة ما يطلعون على أسرار من يوالونهم . وإذا كان هؤلاء الأولياء من الكفار أو المنافقين فإنهم عادة لا يحترمون حقوق الموالاة , بل يخونونها , ولا يألون جهدا في إيذاء المؤمنين , بل يتآمرون دوما عليهم, ويخططون للإضرار بهم, وإن تظاهروا بغير ذلك من شدة نفاقهم, وعمق كراهيتهم للحق وأهله .
ويتضح ذلك جليا باستعراض ما ورد في "موسوعة المستشرقين" للدكتور عبد الرحمن بدوي (رحمه الله) . فقد أورد فيها سير ما يقارب الثلاثمائة من المستشرقين . الذين كانوا في- غالبيتهم- قد تربوا على كراهية الإسلام والمسلمين , وتدربوا على فنون التآمر على مصر وعلى غيرها من الدول العربية والإسلامية .التي عانت من الاختراق بواسطة أعدائها عبر التاريخ .ولا يزال المصريون- بصفة خاصة- والعرب والمسلمون – بصفة عامة – يتعرضون للاختراق السياسي والاقتصادي والفكري دون أن يحذروا من أخطار هؤلاء المتآمرين ...!
ومن صور ذلك الاختراق أنه في سنة 1882م استدعى قائد البحرية البريطانية "نورث بروك" مستشرقا بريطانيا يدعى "إدوارد بالمر" من أجل السفر إلى مصر للتمهيد للغزو البريطاني لأراضيها الذي وقع بتاريخ 11/7/1882م . وكان "بالمر" هذا -للأسف الشديد- يشغل كرسي اللغة العربية بجامعة كمبريدج .
وصل هذا الجاسوس إلى سيناء من أجل تجنيد جيش من بدوها يقوم بتأمين الجانب الشرقي لقناة السويس لصالح القوات البريطانية الغازية للأراضي المصرية بالتعاون مع "فرديناند ديليسبس"مدير قناة السويس. وصل "بالمر" إلى سيناء, ومعه أربعة عملاء آخرين , اثنان بريطانيان , وعربيان أحدهما يهودي والآخر مسيحي . وكانت المؤامرة تتلخص في القيام بطعن جيش البطل أحمد عرابي من الخلف وإشغاله عن مواجهة الإنزال العسكري البريطاني في منطقة "أبو قير". وكادت المؤامرة أن تتم لولا مروءة بدو سيناء الذين قاموا بعمل كمين لهؤلاء الجواسيس الأربعة الخونة, واقتادوهم إلى وادي سدر, حيث قتلوهم وألقوا بجثثهم إلى بطن الوادي .
وبالمثل جاء إلى مصر بتخطيط صهيوني المستشرق اليهودي الألماني "بول إليعازر كراوس" ليعمل مدرسا بكلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليا) . وقد خلف في ذلك المنصب يهوديين آخرين يدعى أحدهما "إسرائيل ولفنصن", ويدعى الآخر "جوزيف شاخت". وقد لعب كل من هؤلاء اليهود الثلاثة, وغيرهم ممن سبقوهم إلى العمل بالجامعة المصرية دورا خطيرا في تدمير مفاهيم طلاب تلك الجامعة وإثارة العديد من الشكوك والشبهات لديهم .
وبعد ثماني سنوات من العمل في الجامعة المصرية وُجِدَ "بول كراوس" منتحرا في حمام مسكنه ( شارع أحمد حشمت باشا بالزمالك ), وذلك بتاريخ 14/9/1944م . وكان من أسباب انتحاره هو اشتراكه مع أربعة من القتلة اليهود المنتمين للمنظمة الإرهابية المعروفة باسم "شتيرن" , (والتي كان يقودها طريد العدالة "مناحم بيجن") في اغتيال الوزير البريطاني المقيم "لورد موين" بمسكنه في القاهرة . وقد عرفت هذه الفضيحة السياسية باسم "فضيحة لافون" . وبعد اعتقال القتلة خشي "بول كراوس" الاعتراف عليه فقام بشنق نفسه في مسكنه هروبا من مواجهة العدالة .
وفي زماننا الحالي ما زالت محاولات اختراق المجتمع المصري مستمرة من أجل إفشال كل مشروع نهضوي للأمة , والعمل على تفتيتها على أساس من الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية إلى عدد من الدويلات الصغيرة التي يسهل التحكم فيها . وذلك من أجل أن تبقى القوة العسكرية الرئيسة في المنطقة ممثلة في الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين .
وليست أعداد الصهاينة الذين قبض عليهم أثناء ثورة 25/1/2011م في كل من القاهرة والإسكندرية ببعيدة عن الأذهان . وليس اليهودي الأمريكي الذي قتل في الإسكندرية في شهر مايو 2013م والذي كان يرتدي زي الإعلاميين قد طوي ذكره بطي النسيان . وليس الأربعون أمريكيا الذين حملتهم طائرة عسكرية أمريكية من مطار القاهرة في ظل المجلس العسكري قبل أن يقدموا للمحاكمة على أعمالهم التخريبية في قلب مصر لعدة سنوات بالأمر الذي قد نسيناه !!
ويؤكد ذلك ويدعمه خطاب السيناتور الأمريكي المتصهين والمعادي للإسلام, والمدعو "مارك كيرك", والذي ألقاه في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 13ديسمبر 2011م . وهذا السيناتور عضو في لجنة العلاقات العامة الأمريكية/الإسرائيلية ((AIPAC واشتهر بأنه يمثل الاتجاه المتشدد للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط , وأنه يميني متطرف منحاز انحيازا أعمى للكيان الصهيوني . وقد ذكر في خطابه هذا أن الأمريكيين يدعمون كلا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, لكن الديمقراطية التي تؤدي إلى وصول الإسلاميين للسلطة كما حدث في كل من غزة سنة 2006م, وفي مصر سنة2012و 2013م يجب أن تحارب من السلطات الأمريكية بكل وسيلة ممكنة . وأضاف قائلا : فاجأتنا الانتخابات المصرية بحصول الإسلاميين على أكثر من 60% من مجموع مقاعد مجلسي الشعب والشورى . وهؤلاء الإسلاميون الذين تحركوا في الشوارع هاتفين : "يوما ما سنقتل كل الإسرائيليين" و "تل أبيب تل أبيب يوم الحساب صار قريب" . وهذا ادعاء باطل من أساسه لأننا لم نسمع أحدا يردد مثل هذا الكلام المفترى طوال أيام الثورة المصرية .واستنتج هذا السيناتور المتصهين أنه لو تركت مصر للإسلاميين فإن العالم سيشهد مصرا تكره إسرائيل , وتتنكر لاتفاقية كامب ديفيد, وتقضي على حرية الأقليات المصرية, وتهرب السلاح إلى حماس, وتخطط لتدمير دولة جنوب السودان, وتمنع حرية التدين وتحرم المرأة من حقوقها المشروعة .
ويضيف "مارك كيرك" قائلا إن مصر هذه صفاتها لا تستحق ما يزيد على مليار دولار من الخزينة الأمريكية . وبالتالي فإنه على مجلس الأمن القومي الأمريكي أن يعمل بمختلف الوسائل لإبقاء مصر مرتبطة بالسياسات الأمريكية وبالسلام مع إسرائيل وإلا كانت مصر الإسلامية عاملا أساسيا لتراجع دور أمريكا في المنطقة العربية كلها . وذلك لأن حكومة إسلامية تتحكم في قناة السويس , وتحكم القاهرة وهي مركز التأثير الكبير في كل الشرق الأوسط , وتعادي كلا من إسرائيل والغرب, تعتبر كارثة بالنسبة للسياسة الأمريكية , ولدلك خلص في خطابه هذا إلى نداء لمجلس الأمن القومي الأمريكي بضرورة العمل مع كل القوى الليبرالية في مصر وفي المنطقة العربية من أجل منع وقوع مصر في قبضة الإسلاميين , وهذا ما تم بالفعل بعد عام ونصف من تاريخ هذا الخطاب .
وليس أدل على ذلك أيضا من مذبحة الحرس الجمهوري التي قامت بها قوات من كل من الجيش والأمن المركزي المصري بدم بارد في 8/7/2013م فأدت إلى مصرع أكثر من خمسين وإصابة عدة مئات من المصلين وهم سجود في صلاة الفجر, تماما كما فعل جنود الاحتلال الصهيوني مع المصلين في المسجد الإبراهيمي منذ عدة سنوات . وقد ادعى الحكام الليبراليون الجدد أن سبب الاشتباك راجع إلى قيام مجموعة إرهابية مسلحة بمحاولة اقتحام مقر الحرس الجمهوري.
وقد صدر تقريران منفصلان عن هذه المذبحة , أصدرت أحدهما منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية في 17/7/2013م ونشرت التقرير الثاني صحيفة الجارديان البريطانية بعد ذلك بيوم واحد . وهذان التقريران أوردا أقوال كل من الشهود والضحايا بالصوت والصورة , بما يكذب الرواية الرسمية المصرية بالكامل , ويفضح هذه الجريمة غير المسبوقة في تاريخ مصر والتي تجاهلها الإعلام المصري تجاهلا متعمدا طمسا للحقيقة .
وقد تلى هذه الجريمة النكراء جريمة أخرى أبشع منها تم فيها الاعتداء على مسيرة سلمية للنساء في مدينة المنصورة , وذلك بتاريخ 19/7/2013م . وقد استشهد في هذه الجريمة أربع من السيدات والفتيات المسلمات بإطلاق وابل من الرصاص الحي عليهن من قبل قوات الأمن المركزي والجيش.
من هنا يتضح أن الانقلاب العسكري المصري الأخير هو انقلاب على كل من الشرعية والإرادة الشعبية والدستور, وأنه ليس عملا محليا, بل هو حلقة من حلقات التآمر الدولي على كل من الإسلام والمسلمين, خاصة في مصر قلب العالمين العربي والإسلامي. ومن غريب الأمر أن عددا من المتعلمين المصريين لم يدركوا طرفا من خطورة هذه المؤامرة فقبلوا بالدكتاتورية العسكرية بديلا للديمقراطية التي حلم بها الشعب طويلا . واستبدلوا بصناديق الاقتراع الانتخابي انقلابا عسكريا مفاجئا . واستبدلوا بالحرية والعدالة الاجتماعية وضع أيديهم وأرجلهم في مقاصل العسكريين الذين عانت مصر من حكمهم لأكثر من ستين عاما . وليس أدل على هول هذه المؤامرة الدولية من مسارعة المعترفين بها , وهم يعلمون أنه انقلاب على الشرعية وعلى الإرادة الشعبية وعلى الدستور . كذلك بدأت الأموال تفيض إلى الخزانة المصرية وإلى جيوب أعداد من كل من المسؤولين والإعلاميين من أجل شراء حرية وكرامة الشعب المصري بدراهم معدودة. ولم يدر هؤلاء أن هذا الانقلاب العسكري هو انتكاسة لكل ثورات الربيع العربي , خاصة ثورة 25 يناير المجيدة , وأنه انتصار لليبرالية الغريبة على التوجه الإسلامي الذي عبرت عنه غالبية الشعوب العربية .
لذلك يحذرنا ربنا – تبارك وتعالى – من أخطار هؤلاء الأعداء , ومن الوقوع في خطأ اتخاذهم أولياء فيقول ( وهو أصدق القائلين ) : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*} (آل عمران:118).
ويقول : {... وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ*} (المائدة:51).
ويقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*} (التوبة:23) .
ويقول : { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*} (الممتحنة:9) .
ولا أرى تحذيرا من خطر اختراق الأعداء لصفوف الأمة في القديم والحديث أشد من هذا التحذير الإلهي الذي إذا لم تعه الأمة وتعمل على مقاومته بقيت فريسة لمخططات أعدائها الذين لا يألون جهدا في العمل على تدميرها . ونسأل الله – تعالى – أن يوقظ أمتنا من غفلتها حتى تتمكن من استيعاب حجم المخاطر المحدقة بها , وندعوه أن يحميها من شرور أعدائها اللهم آمين , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5388
| 13 سبتمبر 2026