رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ *} (آل عمران:118) هذا النص القرآني الكريم ينهى عباد الله المؤمنين من اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير المؤمنين , وذلك لأن الأولياء عادة ما يطلعون على أسرار من يوالونهم . وإذا كان هؤلاء الأولياء من الكفار أو المنافقين فإنهم عادة لا يحترمون حقوق الموالاة , بل يخونونها , ولا يألون جهدا في إيذاء المؤمنين , بل يتآمرون دوما عليهم, ويخططون للإضرار بهم, وإن تظاهروا بغير ذلك من شدة نفاقهم, وعمق كراهيتهم للحق وأهله .
ويتضح ذلك جليا باستعراض ما ورد في "موسوعة المستشرقين" للدكتور عبد الرحمن بدوي (رحمه الله) . فقد أورد فيها سير ما يقارب الثلاثمائة من المستشرقين . الذين كانوا في- غالبيتهم- قد تربوا على كراهية الإسلام والمسلمين , وتدربوا على فنون التآمر على مصر وعلى غيرها من الدول العربية والإسلامية .التي عانت من الاختراق بواسطة أعدائها عبر التاريخ .ولا يزال المصريون- بصفة خاصة- والعرب والمسلمون – بصفة عامة – يتعرضون للاختراق السياسي والاقتصادي والفكري دون أن يحذروا من أخطار هؤلاء المتآمرين ...!
ومن صور ذلك الاختراق أنه في سنة 1882م استدعى قائد البحرية البريطانية "نورث بروك" مستشرقا بريطانيا يدعى "إدوارد بالمر" من أجل السفر إلى مصر للتمهيد للغزو البريطاني لأراضيها الذي وقع بتاريخ 11/7/1882م . وكان "بالمر" هذا -للأسف الشديد- يشغل كرسي اللغة العربية بجامعة كمبريدج .
وصل هذا الجاسوس إلى سيناء من أجل تجنيد جيش من بدوها يقوم بتأمين الجانب الشرقي لقناة السويس لصالح القوات البريطانية الغازية للأراضي المصرية بالتعاون مع "فرديناند ديليسبس"مدير قناة السويس. وصل "بالمر" إلى سيناء, ومعه أربعة عملاء آخرين , اثنان بريطانيان , وعربيان أحدهما يهودي والآخر مسيحي . وكانت المؤامرة تتلخص في القيام بطعن جيش البطل أحمد عرابي من الخلف وإشغاله عن مواجهة الإنزال العسكري البريطاني في منطقة "أبو قير". وكادت المؤامرة أن تتم لولا مروءة بدو سيناء الذين قاموا بعمل كمين لهؤلاء الجواسيس الأربعة الخونة, واقتادوهم إلى وادي سدر, حيث قتلوهم وألقوا بجثثهم إلى بطن الوادي .
وبالمثل جاء إلى مصر بتخطيط صهيوني المستشرق اليهودي الألماني "بول إليعازر كراوس" ليعمل مدرسا بكلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليا) . وقد خلف في ذلك المنصب يهوديين آخرين يدعى أحدهما "إسرائيل ولفنصن", ويدعى الآخر "جوزيف شاخت". وقد لعب كل من هؤلاء اليهود الثلاثة, وغيرهم ممن سبقوهم إلى العمل بالجامعة المصرية دورا خطيرا في تدمير مفاهيم طلاب تلك الجامعة وإثارة العديد من الشكوك والشبهات لديهم .
وبعد ثماني سنوات من العمل في الجامعة المصرية وُجِدَ "بول كراوس" منتحرا في حمام مسكنه ( شارع أحمد حشمت باشا بالزمالك ), وذلك بتاريخ 14/9/1944م . وكان من أسباب انتحاره هو اشتراكه مع أربعة من القتلة اليهود المنتمين للمنظمة الإرهابية المعروفة باسم "شتيرن" , (والتي كان يقودها طريد العدالة "مناحم بيجن") في اغتيال الوزير البريطاني المقيم "لورد موين" بمسكنه في القاهرة . وقد عرفت هذه الفضيحة السياسية باسم "فضيحة لافون" . وبعد اعتقال القتلة خشي "بول كراوس" الاعتراف عليه فقام بشنق نفسه في مسكنه هروبا من مواجهة العدالة .
وفي زماننا الحالي ما زالت محاولات اختراق المجتمع المصري مستمرة من أجل إفشال كل مشروع نهضوي للأمة , والعمل على تفتيتها على أساس من الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية إلى عدد من الدويلات الصغيرة التي يسهل التحكم فيها . وذلك من أجل أن تبقى القوة العسكرية الرئيسة في المنطقة ممثلة في الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين .
وليست أعداد الصهاينة الذين قبض عليهم أثناء ثورة 25/1/2011م في كل من القاهرة والإسكندرية ببعيدة عن الأذهان . وليس اليهودي الأمريكي الذي قتل في الإسكندرية في شهر مايو 2013م والذي كان يرتدي زي الإعلاميين قد طوي ذكره بطي النسيان . وليس الأربعون أمريكيا الذين حملتهم طائرة عسكرية أمريكية من مطار القاهرة في ظل المجلس العسكري قبل أن يقدموا للمحاكمة على أعمالهم التخريبية في قلب مصر لعدة سنوات بالأمر الذي قد نسيناه !!
ويؤكد ذلك ويدعمه خطاب السيناتور الأمريكي المتصهين والمعادي للإسلام, والمدعو "مارك كيرك", والذي ألقاه في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 13ديسمبر 2011م . وهذا السيناتور عضو في لجنة العلاقات العامة الأمريكية/الإسرائيلية ((AIPAC واشتهر بأنه يمثل الاتجاه المتشدد للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط , وأنه يميني متطرف منحاز انحيازا أعمى للكيان الصهيوني . وقد ذكر في خطابه هذا أن الأمريكيين يدعمون كلا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, لكن الديمقراطية التي تؤدي إلى وصول الإسلاميين للسلطة كما حدث في كل من غزة سنة 2006م, وفي مصر سنة2012و 2013م يجب أن تحارب من السلطات الأمريكية بكل وسيلة ممكنة . وأضاف قائلا : فاجأتنا الانتخابات المصرية بحصول الإسلاميين على أكثر من 60% من مجموع مقاعد مجلسي الشعب والشورى . وهؤلاء الإسلاميون الذين تحركوا في الشوارع هاتفين : "يوما ما سنقتل كل الإسرائيليين" و "تل أبيب تل أبيب يوم الحساب صار قريب" . وهذا ادعاء باطل من أساسه لأننا لم نسمع أحدا يردد مثل هذا الكلام المفترى طوال أيام الثورة المصرية .واستنتج هذا السيناتور المتصهين أنه لو تركت مصر للإسلاميين فإن العالم سيشهد مصرا تكره إسرائيل , وتتنكر لاتفاقية كامب ديفيد, وتقضي على حرية الأقليات المصرية, وتهرب السلاح إلى حماس, وتخطط لتدمير دولة جنوب السودان, وتمنع حرية التدين وتحرم المرأة من حقوقها المشروعة .
ويضيف "مارك كيرك" قائلا إن مصر هذه صفاتها لا تستحق ما يزيد على مليار دولار من الخزينة الأمريكية . وبالتالي فإنه على مجلس الأمن القومي الأمريكي أن يعمل بمختلف الوسائل لإبقاء مصر مرتبطة بالسياسات الأمريكية وبالسلام مع إسرائيل وإلا كانت مصر الإسلامية عاملا أساسيا لتراجع دور أمريكا في المنطقة العربية كلها . وذلك لأن حكومة إسلامية تتحكم في قناة السويس , وتحكم القاهرة وهي مركز التأثير الكبير في كل الشرق الأوسط , وتعادي كلا من إسرائيل والغرب, تعتبر كارثة بالنسبة للسياسة الأمريكية , ولدلك خلص في خطابه هذا إلى نداء لمجلس الأمن القومي الأمريكي بضرورة العمل مع كل القوى الليبرالية في مصر وفي المنطقة العربية من أجل منع وقوع مصر في قبضة الإسلاميين , وهذا ما تم بالفعل بعد عام ونصف من تاريخ هذا الخطاب .
وليس أدل على ذلك أيضا من مذبحة الحرس الجمهوري التي قامت بها قوات من كل من الجيش والأمن المركزي المصري بدم بارد في 8/7/2013م فأدت إلى مصرع أكثر من خمسين وإصابة عدة مئات من المصلين وهم سجود في صلاة الفجر, تماما كما فعل جنود الاحتلال الصهيوني مع المصلين في المسجد الإبراهيمي منذ عدة سنوات . وقد ادعى الحكام الليبراليون الجدد أن سبب الاشتباك راجع إلى قيام مجموعة إرهابية مسلحة بمحاولة اقتحام مقر الحرس الجمهوري.
وقد صدر تقريران منفصلان عن هذه المذبحة , أصدرت أحدهما منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية في 17/7/2013م ونشرت التقرير الثاني صحيفة الجارديان البريطانية بعد ذلك بيوم واحد . وهذان التقريران أوردا أقوال كل من الشهود والضحايا بالصوت والصورة , بما يكذب الرواية الرسمية المصرية بالكامل , ويفضح هذه الجريمة غير المسبوقة في تاريخ مصر والتي تجاهلها الإعلام المصري تجاهلا متعمدا طمسا للحقيقة .
وقد تلى هذه الجريمة النكراء جريمة أخرى أبشع منها تم فيها الاعتداء على مسيرة سلمية للنساء في مدينة المنصورة , وذلك بتاريخ 19/7/2013م . وقد استشهد في هذه الجريمة أربع من السيدات والفتيات المسلمات بإطلاق وابل من الرصاص الحي عليهن من قبل قوات الأمن المركزي والجيش.
من هنا يتضح أن الانقلاب العسكري المصري الأخير هو انقلاب على كل من الشرعية والإرادة الشعبية والدستور, وأنه ليس عملا محليا, بل هو حلقة من حلقات التآمر الدولي على كل من الإسلام والمسلمين, خاصة في مصر قلب العالمين العربي والإسلامي. ومن غريب الأمر أن عددا من المتعلمين المصريين لم يدركوا طرفا من خطورة هذه المؤامرة فقبلوا بالدكتاتورية العسكرية بديلا للديمقراطية التي حلم بها الشعب طويلا . واستبدلوا بصناديق الاقتراع الانتخابي انقلابا عسكريا مفاجئا . واستبدلوا بالحرية والعدالة الاجتماعية وضع أيديهم وأرجلهم في مقاصل العسكريين الذين عانت مصر من حكمهم لأكثر من ستين عاما . وليس أدل على هول هذه المؤامرة الدولية من مسارعة المعترفين بها , وهم يعلمون أنه انقلاب على الشرعية وعلى الإرادة الشعبية وعلى الدستور . كذلك بدأت الأموال تفيض إلى الخزانة المصرية وإلى جيوب أعداد من كل من المسؤولين والإعلاميين من أجل شراء حرية وكرامة الشعب المصري بدراهم معدودة. ولم يدر هؤلاء أن هذا الانقلاب العسكري هو انتكاسة لكل ثورات الربيع العربي , خاصة ثورة 25 يناير المجيدة , وأنه انتصار لليبرالية الغريبة على التوجه الإسلامي الذي عبرت عنه غالبية الشعوب العربية .
لذلك يحذرنا ربنا – تبارك وتعالى – من أخطار هؤلاء الأعداء , ومن الوقوع في خطأ اتخاذهم أولياء فيقول ( وهو أصدق القائلين ) : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*} (آل عمران:118).
ويقول : {... وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ*} (المائدة:51).
ويقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*} (التوبة:23) .
ويقول : { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*} (الممتحنة:9) .
ولا أرى تحذيرا من خطر اختراق الأعداء لصفوف الأمة في القديم والحديث أشد من هذا التحذير الإلهي الذي إذا لم تعه الأمة وتعمل على مقاومته بقيت فريسة لمخططات أعدائها الذين لا يألون جهدا في العمل على تدميرها . ونسأل الله – تعالى – أن يوقظ أمتنا من غفلتها حتى تتمكن من استيعاب حجم المخاطر المحدقة بها , وندعوه أن يحميها من شرور أعدائها اللهم آمين , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك.... اقرأ المزيد
369
| 14 يناير 2026
على لسان كل مقيم: شكراً قطر
لم أكن أتوقع أن أجد هذا الزميل بهذه السعادة كما وجدته بالأمس والجميع حوله لاحظ أنه يبدو سعيدا... اقرأ المزيد
192
| 14 يناير 2026
قطر والوساطة الوقائية
في علم الإدارة، لا تُقاس كفاءة القائد بقدرته على إطفاء الحرائق بعد اشتعالها، بل بقدرته على منعها من... اقرأ المزيد
141
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1299
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1140
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1044
| 07 يناير 2026