رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأوضاع الحالية في مصر أقرب إلى السيولة منها إلى المنطق، حيث الأقوال أدنى من الثقافة والوعي، والأفعال تتجاوز الأدوار، واستبدال الخصومات أساس الخيارات، وتبادل الأدوار صار مفزعا فالعناصر التي تنتمي إلي تيارات الثورة او أنتجتها الثورة صامتة، وقضايا اللحظة يتبادل الدعوة إليها عناصر محل ريبة، وفتاوى إهدار الدم لا راد لها، وكتائب الإشاعات صارت أحد مكونات النظام، والمؤسسة العسكرية محل استفهام أكثر منها رمانة الميزان، وهي الصفة التي ضاعت منها خلال الفترة الانتقالية، وسط هذه السيولة تصبح المكاشفة واجبة، حتى وإن بدت أنها تكرار لما قيل من قبل أو تجميع له، فهي المدخل الأساسي لبحث توازن القوى.
بدون تحديد ماهية القوى المؤثرة في المجتمع المصري، وواقعها الآن لن نستطيع الحديث عن ميزان القوى أو البحث في تعديله، وماذا نعني بالتعديل، وهل ننظر بعين منحازة أم بعين محايدة، فالانحياز في المواقف السياسة هو حقيقة الوجود، والحياد يعني انعدام الموقف. ما يمكن أن نرصده كانحياز أو حياد هو الموقف من الثورة، ومن حاجات الشعب وأهدافه.
ننحاز إلى الثورة، ومرجعية القياس هو هدفها الأعلى في نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وعلى هذا المعيار تجب المصارحة.
البداية واجبة من نهاية وقائع الثمانية عشر يوما الأولى من عمر الثورة، أي مع تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة البلاد، كان يمكن يومها أن يمثل المجلس، الثورة والشعب إن هو (تفهم مطالب الشعب) كما أعلن المتحدث باسمه، كما هي (مطالب الشعب) ولم يكن يضمر إنهاء عملية التوريث كحد أقصى، وكان يمكنه أن يكون رمانة الميزان الوطني إن لم ينحز منذ اللحظة الأولى إلى جانب جماعة الإخوان والتيارات الدينية.
بداية المشهد انحياز من المجلس العسكري للإخوان في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ونهاية المشهد قرارات من الرئيس المنتخب بتغييرات في القيادة العسكرية فتحت جدلا هل ما نراه تنفيذا لاتفاق بينهما أم هو انقلاب على المجلس استولت به الإخوان على قيادة الجيش أو هو خليط بين هذا وذاك.
هذا الجدل أثاره حق الشعب أن يعرف، وهو صاحب الإرادة التي صنعت الثورة ومنه إرادة أتت بالرئيس المنتخب، وتناقض هذا الحق مع اكتفاء الأطراف بعرض النتائج بينما تكفلت كتائب الإشاعات المنتشرة في مصر بعرض الأبعاد الثورية للقرارات، وصارت إزاحة المجلس العسكري هي المطلب الثوري، رغم أن المجلس العسكري هو من أتي بهم وقدم الانتخابات على الدستور حسب رؤية الإخوان، وأحال وقائع الفترة الانتقالية إلى فترة انتقامية كما أطلق عليها الشعب في أحاديثه اليومية مثيرا الكثير من علامات الاستفهام دون أن يجد إجابات عليها.
أنتجت الفترة الانتقالية عددا من الملاحظات نرصدها كمقدمة أساسية لدراسة ما نعنيه بالبحث عن توازن القوى:
1) أن هناك تحالفا بين الإخوان والمجلس العسكري، وتوقعنا في مقالات سابقة أن هذا التحالف كان سابقا على الثورة في مواجهة موضوع التوريث، حيث افترضنا أن المجلس العسكري كان يبحث عن عمق جماهيري ووجد ضالته في الإخوان في مواجهة تحالف الداخلية والسلفيين والرأسماليين الجدد، والذي كان يتبنى مشروع التوريث.
2) أن هذا التحالف تأكد مبكرا بلقاء الإخوان (محمد مرسي وسعد الكتاتني) مع عمر سليمان، وتولت جماعة الإخوان بناء عليه مهمة تفريغ الميدان، مقابل الحصول على حزب والإفراج عن المعتقلين أو المحكومين.
3) جرى فتح أبواب المشاركة أمام السلفيين باعتبارهم تيارا سياسيا، وكذلك أفرج عن العديد من المعتقلين ، ليس بحثا عن تحقيق العدالة، ولكن لدعم معسكر تحالف الإخوان والمجلس العسكري.
4) لا يمكن الفصل بين ما جري داخليا والمحيط الإقليمي والعالمي الذي شكل وحدة في الرؤية تحول بين التغيير الموضوعي كما يريده الشعب ويطالب به وبين مجرد التغيير الشكلي بإزاحة رأس النظام مع الإبقاء علي النظام وعلاقاته الداخلية والخارجية كما هي, وكان الأمر تحقيقا لمصالح متبادلة حتى وان كان لدي الغرب تحالفا مؤقتا، يمكن إعادة صياغته مستقبلا، ولكنه حاجة اللحظة.
5) تجاوب التحالف الداخلي مع الرؤى الخارجية في الإقليم او لأمريكا وإسرائيل، استهدفت بالأساس ألا تتحقق نتائج حقيقية لتحرك العشرين مليونا من المصريين، وتفريغ هذا التحرك من قواه الفاعلة لضمان عدم القدرة على تكراره.
6) تولي المجلس العسكري عملية تفريغ الحركة من قواها الفاعلة سواء بالاعتقال والمحاكمات العسكرية، حتى القتل، مع اختراق التجمعات التي تأسست بعد الثورة وجرى تفكيك هذه التجمعات والائتلافات بتحقيق بعض المصالح الشخصية لعناصرها وفتح دائرة الضوء أمامهم، فزاغ منهم البصر وتغلبت المناحي الشخصية على الموضوعية.
7) تجلت خلال الفترة الماضية حملة على الهوية المصرية، وكأن مصر كانت دولة الكفر ولم تكن دولة الفساد، وكأن الدعاة كانوا قادة الثورة ولم يكونوا خدم النظام وسدنته والداعين إلى عدم التظاهر، وبلغ بهم الأمر بالفتوى بأنهم يكفيهم أن الحاكم لا يمنع صلاتهم بالمساجد، وتحول الأمن القومي المصري والهوية الوطنية إلي رهينة لهم، وتبدل معنى التصويت إلى أنه غزوة دينية، وأن كل من يخالفهم هو خارج على شرع الله، وحدث التشوه الأكبر في الخطاب السياسي، ووصل الأمر حد إهدار دم المتظاهرين.
8) كشفت الوقائع حقيقة تصحر الحياة السياسية، وهو ما عرض له الاستاذ محمد حسنين هيكل في اقتراحه بمجلس أمناء الدستور، وأن تكون الفترة الانتقالية لمدة ثلاث سنوات، وبات واضحا أن ثورة الشعب تجاوزت الأحزاب والنخب ولم يستطع أي منهم ان يعرض رؤية تعبر عن الثورة، وصار الخطاب السياسي فارغ المضمون، مبتور لا يدعم أهداف الثورة ولا يخصبها، ولكنه خطاب الخصومة سعيا لتحقيق نتائج وفق جدول أعمال تحالف العسكري والإخوان، غير واعين أن من يضع جدول الأعمال يملك آليات وقدرات إدارته لصالحه.
9) وقعت التيارات السياسية حبيسة أحاديث الخصومة، بالمطالبة بالثأر لدم الشهداء ومحاكمات مبارك ونداءات سقوط حكم العسكر، وكان لذلك كله ثمنه من الدم والشهداء والمصابين، بل وكانت المطالبات المتكررة تدعو إلى تحقيق جدول أعمال الإخوان، لتتحقق النتائج كاملة لصالح الإخوان ، التي تعمل وفق خطة واضحة بأن الصناديق ستحكم وتقرر وهو ما يجب أن تلتزم به. كان واجبا في ذلك الوقت عدم التغاضي عن مطلب مراجعة مدى قانونية الجماعة، ومدى جواز الربط بين حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان حسب قانون الأحزاب السياسية، وتغاضت لجنة الأحزاب عن ذلك وسقط الجميع في فخ الجشع السياسي عند صياغة قانون الانتخابات النيابية لتقضي المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، ولا يحاسب من وضعه ولا يحاسب من حاول تجاوز حكم المحكمة، هكذا تمضي الأمور بلا حساب، ففتحت أبواب الهوى السياسي، فسقطت الأعراف وتاهت القيم والمعايير والعلوم السياسية، بعد أن أجهضت الشرعية الثورية.
10) لم يكن ما جرى في مصر وحتى اللحظة في عزلة عن الإقليم أو العالم، وكتبنا مقالا حول لعبة الأمم فوق الأرض المصرية، ومنها ما أعلنه في نهاية عام 2010 رئيس المخابرات الحربية الإسرائيليه يوسي ادلين بأن أي نظام سيأتي بعد حسني مبارك لن يكون في استطاعته أن يحكم خارج المصالح الإسرائيلية وأنهم يخترقون مصر في كافة الاتجاهات، لم يرد يومها أحد، ولكن غيره يعمل ولا يعلن. وجرت اتصالات ولقاءات واتصالات داخلية وخارجية بين العديد من القوى سواء مباشرة أو عبر وسطاء، ولم يكشف أحد عن ذلك بشفافية، ولم يعلن أحد عن مضمون الالتزامات التي ترتبت على هذه اللقاءات، والتعهدات دون رقابة شعبية خطر، والأموال التي تدخل لتدعيم المواقف والحملات تفسح مجالا لتغيير طبيعة التوازن، وكل مال مدفوع له مقابله السياسي، فالعالم لا تحكمة قاعدة الإحسان ولكن تحكمه قاعدة المصالح، ومن له ثمن يقبل به، لا قيمة له في وطنه.
11) انتبهت بعض التيارات السياسية إلى ضرورة وجود موقف مغاير لموقف المجلس العسكري والإخوان والتيارات الدينيه، وعقد مؤتمر مصر الأول مبكرا، ورغم صحة التوجه والخطاب السياسي في مجمله واتساقه مع الثورة، غير أنه بديل عن الانتماء إلى القوى الشعبية والمجتمعية، وجد مصدر قوته فقط في استدعاء مواقف من المجلس العسكري فحكم مبكرا بفشل التوجه لاجتماعي، وانحسر وانتهى، ووقع العديد من مكوناته صرعي الارتباط بالمجلس العسكري كما حدث للمجلس الاستشاري.
12) غابت قضايا البناء الأساسية والتي تمثل أعمدة الدستور الجديد عن اهتمام عناصر التيارات غير الدينية.
لم تملك هذه التيارات تصورا لدور القوى الاجتماعية ودور العمال والفلاحين والطبقة الوسطى والطلاب، وظل التواصل معهم يتم مصادفة أو إعلاميا، كظاهرة كلامية، وغاب الاتصال السياسي بالقوى الاجتماعية فافتقدت التيارات السياسية حديثها وقديمها الذي لم يتعلم من تجربتة، افتقدت جذورها الاجتماعية.
ولم تسع العناصر السياسية إلى حوار وطني حول مفهوم التنمية الاقتصادية المستقلة في عالم العولمة والعدالة الاجتماعية، وحصرت نفسها في حكم قضائي صدر قبل الثورة بالحد الأدني للأجور وأضافت إليه مطالب بتحديد الحد الأقصى وتردد تعبير الضرائب التصاعدية كتحقيق للعدالة، وهي خيارات بعيدة تماما عن الرؤية الاقتصادية المتكاملة للتنمية ومحدداتها وبرنامجها الزمني المتوقع وشمولها الاجتماعي، والمعنى العلمي للعدالة الاجتماعية والتي لا تعني شراكة الفقر ولكن التنمية المستقلة وحق العمل والعلاج والتعليم والسكن، وكيفية علاج التضخم في الأسعار ومعنى الاستثمار ومجالاته والموقف من القروض.
وتغلبت فكرة التصالح مع الفساد على مبدأ القضاء على الفساد وما ترتب عليه، وبديلا عن تطهير جهاز الدولة ووضع قواعد لذلك يجري التسلل داخله لإحكام السيطرة عليه، وبديلا عن مراجعة سيطرة رأسمالي النظام السابق على الثروة والسلطة، يجري إقامة حلف جديد بينهم وبين رأسمالي الجماعة.
وبديلا عن دراسة مفهوم الأمن القومي ودور الأجهزة والمؤسسة العسكرية في إطار هذا المفهوم كمؤسسات للدولة وليست خارجه عنها، انحسر الإدراك في هتاف يسقط حكم العسكر وتطهير جهاز الأمن وإسقاط العلم الإسرائيلي من فوق مقر السفارة في مشهد مماثل لمشاهد الرجل العنكبوت، وتتحول القضية الفلسطينية الي قضية معبر وأنفاق، بينما تسعى جماعات دينية لإعلان سيناء إمارة إسلامية وهي ميدان المعركة القادم مع العدو الصهيوني متناسين خطط إسرائيل بشأن تبادل الأراضي.
ذلك كله أدى إلى انعزال التيارات السياسية عن التأثير على الدستور الذي يجري وضعه في غياب لقوى الشعب الفاعلة.
وتجلى الخطر عندما قامت محكمة القضاء الإداري بتأجيل الحكم في شرعية الجمعية التأسيسية، مما أتاح الفرصة لصدام حولها، قد يترتب عليه عوار في العمل من أجل وضع دستور توافقي لمصر، يمثل العقد الاجتماعي الجديد بعد الثورة.
هذه الملاحظات الأولية حول تراكمات ما جرى خلال الفترة الانتقالية هي مقدمة لأزمة لدراسة توزيع القوى داخل المجتمع، تمهيدا للإسهام في دراسة ميزان القوى وكيفية إعادة التوازن له، خاصة بعد أن خرجت المؤسسة العسكرية من معادلة القوى مؤقتا وحتى إشعار آخر، وفي الحد الأدنى تحسب داخل معسكر الاستحواذ وليست رمانة الميزان، وهو الأمر الذي لم يتحقق خلال الفترة الانتقالية على الإطلاق.
لقد واجهت الثورة سؤالا امتد معنا منذ أول السبعينيات طرحة الدكتور محمود فوزي رئيس وزراء مصر في بداية حكم السادات ووزير خارجية مصر خلال حكم عبد الناصر، وكلما واجهنا مشكلة الرجال والقيادة، وجدنا أنفسنا نكرره ومؤداه: أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام المشاكل؟
هذه هي المعضلة، ماهية الرجال الذين تحتاجهم مصر في اللحظة الراهنة؟
وماهية المضمون الثقافي والسياسي والوطني لمن يتصدى لمواجهة المشاكل؟
في المعادلات الرياضية تتحدد صعوبة الحل بعدد العوامل المجهولة، وفي المعادلات السياسية تتحدد صعوبة الحل باختلال ميزان القوى، أي بالقوى الخارجة من الحساب، لأنها ستحاول الدخول في الحساب، خاصة وأنها كسرت حاجز الخوف ولم يعد الوعي فئويا أو تلقينيا ولكنه صار وعيا بالمصلحة وترابطها بين الفئات المختلفة، واختبرت أسلوب فرض الإرادة، وتزايد وعيها بفاعليته، ومعادلة تخصم القوى الاجتماعية هي معادلة انفجار اجتماعي وليست معادلة مجتمع بعد الثورة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5886
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4218
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3138
| 24 سبتمبر 2026