رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يسمونها في مصر يابان مصر، نظرا لتشابه ملامحها الاقتصادية والاجتماعية مع اليابان، كما أنها تشبه اليابان في قلة الموارد، واعتمادها على الثروة البشرية المدربة تدريبا جيدا لتوليد قيمة مضافة، مما تستورده من خامات من الخارج والداخل.
فهي مشهورة بصناعة الأثاث وصناعة الأحذية وصناعة الحلويات وصناعة الغزل والنسيج، وتصدير تلك المنتجات للخارج بينما لا تتوافر بها خامات تلك الصناعات، فهي تستورد الأخشاب من السويد وغيرها لتقوم بتصنيعها غرف نوم وسفرة وصالونات وأنتريهات ومطابخ وأبواب، ثم إعادة تصدير تلك المنتجات إلى المحافظات المصرية وإلى دول الخليج العربي.
كما أنها تستورد الدقيق والسكر والمكسرات، لتعيد تصنيعها في نوعيات متعددة من الحلويات أشهرها: المشبك الدمياطي والهريسة والبسبوسة والبقلاوة والبغاشة والجزارية، والفولية والحمصية والحمام والسمسمية واللديدة والكنافة، إلى جانب الفطائر المتنوعة والكعك المتنوع الحشو.
كما تستورد دمياط الجلود لتصنيعها أحذية، والأمر نفسه مع القطن الذي يعاد تصنيعه في شكل أقمشة وبياضات وملابس جاهزة، وهكذا تحولت محافظة دمياط الواقعة في أقصى شمال مصر على ساحل البحر المتوسط والتي يسكنها واحد ونصف مليون نسمة، إلى خلية نحل تكاد تنعدم بها معدلات البطالة، بل إنها جذابة للعمالة المعاونة من المحافظات المجاورة.
وتعود شهرة دمياط إلى نوعية العمالة بها حيث التخصص الشديد في العمل، فصناعة الأثاث بما أكثر من خمسة عشر تخصصا، فالنجار يختلف عن الدهان وعن الأشرجي الذي يقوم بلصق طبقة من القشرة على سطح الخشب، والأويمجي الذي يتخصص في حفر أشكال الزخرفة على الخشب.
وفي كل حرفة هناك تخصص داخلي، فالنجار المتخصص في صناعة حجرات الأثاث يختلف عن النجار المتخصص في صناعة الأبواب والشبابيك، بل لقد وصل الأمر إلى التخصص في صناعة نوعيات معينة من حجرات الأثاث، حيث يطلقون على التصميمات المختلفة لحجرات النوم أو الصالونات أو السفرة أسماء معينة معروفة مثلما يحدث في طرازات السيارات.
وهكذا تجد ورشا متخصصة في صناعة حجرات النوم، ولكن هذه متخصصة في صناعة الحجرة المسماة كليوباترا، والأخرى في الحجرة المسماة نفرتيتي وأخرى في حجرة رقبة الجمل، بحيث تجد نفس الطراز هو هو في أي معرض للموبيليات، مما يسهل مهمة زائري المحافظة الذين يحضرون لشراء طراز معين، قد يكونون قد شاهدوه في أحد معارض الأثاث بالقاهرة أو الإسكندرية.
ويعد ابتكار التصميمات الجديدة لأشكال الحجرات الأثاث أحد عوامل الاستثمار بالسوق وزيادة المبيعات، كما يعد الحفاظ على تلك التصميمات نوعا من الحفاظ على الملكية الفكرية للتصميم الجديد، ولهذا يتم منع صناع الأثاث من الدخول للمعارض بصحبة الزبائن، خشية تقليد التصميم في ورشهم بعد رؤيتهم له.
وتلك مهارة أخرى حيث يتعامل صانع الأثاث الدمياطي مع الخشب، مثلما يتعامل البعض مع طين الصلصال بتحويله إلى أي شكل مطلوب، وهكذا يمكنه تنفيذ أي تصميم موجود في أي كتالوج للأثاث أو مجلة للديكور، بل تصل المهارة إلى تنفيذ التصميم الذي يقترحه الزبون بالجمع بين مواصفات عدة تصميمات لابتكار نمط جديد.
ويصل الأمر بالتخصص إلى وجود حرفة للتنجيد وحرفة لدهان الأستر وحرفة لدهان اللاكيه أو البوية، وحرفة لمن يلصقون الذهب الخالص على قطع الأثاث، بل وحرفة لمن يقومون بنقل قطع الأثاث داخل الشقق، وهنا تظهر مهارة هؤلاء في إدخال قطع النيش الضخمة من أبواب الشقق الضيقة.
كذلك حرفة رص قطع الأثاث في سيارات نقل الأثاث إلى المحافظات أو البلاد الأخرى، فلا يمكن أن يتخيل أحد أن سيارة نقل الأثاث، يمكنها أن تحمل أربع عشرة حجرة أثاث بداخلها، وتزداد المهارة أن هناك خط سير لتلك السيارة حيث يكون مطلوبا منها نقل حجرات أثاث إلى عدة مدن ولهذا يتم التحميل بترتيب عكسي، والإنزال دون اختلاط قطعة أثاث واحدة.
والصانع الدمياطي يعتمد على دقة الصناعة في ترويج منتجاته، حيث تؤدي جودة المنتج المباع لأحد الزبائن في قيام المشتري بعمل دعاية للبائع، مما يجلب له زبائن آخرين من أسرة المشتري أو معارفه وجيرانه لسنوات طويلة، ولهذا تقل بشكل كبير أشكال الإعلان عن معارض الأثاث الدمياطي في الصحف والمجلات والتلفزيون.
ولم تكتف دمياط بنقل التخصص الشديد عن اليابان ولكنها أخذت منها الطابع المحافظ حيث التمسك بالقيم والتدين، واحترام خصوصية المنزل حيث يحرص الدمياطي على استقبال أصدقائه خارج المنزل، كما يشتري بنفسه مستلزمات الطعام اليومي لمنزله كي لا تنزل زوجته إلى الأسواق.
ولقد بادلت الدمياطية زوجها وفاءا بوفاء، حيث تضع زوجها في المرتبة الأولى من اهتمامها، وتدبر له نفقات البيت بحيث لا يتم الإنفاق إلا في شيء نافع، وعندما تذهب المرأة الدمياطية لشراء ملابس، فإنها تشتري أولا ملابس لزوجها، فإذا تبقى لديها مال اشترت ملابس لأولادها، فإذا تبقى معها مال بعد ذلك اشترت ملابس لنفسها!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5838
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5751
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1752
| 13 مايو 2026