رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة لعبةٌ في عالم السياسة، الدولية تحديداً، يختلط فيها الإعلام بالدبلوماسية، ويمكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً بشكلٍ جذري في مصائر الشعوب والدول. تستغل اللعبة المذكورة وقائعَ معينة تجري على أرض الواقع، بل ربما يكون أطراف اللعبة ممن يخلق تلك الوقائع أصلاً، ثم يبنون عليها من خلال الخطاب الإعلامي والممارسات الدبلوماسية صورةً ذهنية مغايرةً تماماً للواقع، لكنها تُستخدم بمهارة للتنصل من التزاماتهم القانونية والأخلاقية أولاً، ثم إنها تساعدهم على تحقيق مصالحهم الخاصة في قضايا معينة، ولو جاء ذلك على حساب مصلحة الشعوب ذات العلاقة.
وعلى مدى ثلاث سنوات، كان الغرب الذي يدﱠعي صداقة الشعب السوري يمارس تلك اللعبة تدريجياً، وبشكلٍ دقيق ومدروس أوصلَها إلى الواقع الذي تعيشه اليوم.
من هنا، تأتي الأهمية البالغة لاستعادة الرواية الأصلية للثورة السورية، طرحاً لحقائقها المفصلية وشرحاً لملابساتها المتداخلة، بكل صراحةٍ ووضوح. وأن يحصل هذا على مسمعٍ من العالم بأسره، ومن خلال شخصيةٍ يسمعها هذا العالم.
هذا تحديداً ما يجعل كلمة أمير قطر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أيام في غاية الأهمية بالنسبة للشعب السوري وقضيته. فالكلمة المذكورة جاءت مدروسةً بدقة لتعالج عملية خلط الأوراق التي كان النظام الدولي يمارسها، ولا يزال، فيما يتعلق بتلك القضية.
ثمة عباراتٌ مفتاحية في الكلمة المذكورة سنحاول الإشارة إليها لتوضيح الحقيقة المذكورة أعلاه. فبعد أن تُذكِّر الكلمة بمرور أربع سنوات كاملة على مأساة الشعب السوري، مع الإشارة إلى تفاصيلها، تنتهي الفقرة بتوضيح الفلسفة الأساسية للنظام من وراء ممارساته "بإراقة الدماء وعملية تدمير سوريا بشكلٍ منهجي" بعبارة لها دلالة تؤكدُ أن هذا يصدرُ: "من نظامٍ خيّر شعبه بين قبوله أو حرق بلده". فهذه حقيقةٌ يقفز عليها النظام الدولي وإعلامُهُ بشكلٍ كبير، رغم كونها ظاهرةً غير مسبوقةٍ، على الأقل في التاريخ المعاصر، وغير مقبولة بكل المعايير والمواثيق والمعاهدات الدولية.
ثم يأتي التذكير المطلوب بحقيقةٍ أخرى تم طمسُها تدريجياً واستبدالها بروايةٍ أخرى تحولت معها الثورة السورية، كما أراد نظام الأسد، حرباً أهلية في أحسن الأحوال، ثم مجرد حربٍ على الإرهاب. تناسى النظام الدولي حقائق أساسية في مسيرة الثورة، وجاءت الكلمة لتضع الأمور في نصابها بالشكل التالي: "وقد سبقَ أن حذّرنا أن مواصلة النظام الإرهاب وسياسة الإبادة والتهجير وعدم توفير الدعم للثورة السورية حين كانت ثورة مدنية تطالب بالحرية والكرامة، سوف تدفع الكثير من السوريين إلى الدفاع عن النفس. كما حذرنا المجتمع الدولي منذ البداية أنه إذا لم يفعل شيء تجاه ما يجري في سوريا فسوف نصل إلى ما وصلنا إليه. وحين دافع الشعب السوري عن نفسه بالسلاح طالبنا بدعمه قبل أن يُهدم النظام البلد وتنشأ المنظمات المتطرفة".
نعم، تؤكدُ الكلمة. كانت الثورة السورية ثورةً مدنية، وتُذكِّر كل أولئك الذين يخلطون الأوراق ويتجاهلون التاريخ باستخفاف أنها كانت تطالب بالحرية والكرامة التي يدﱠعي العالم (المتقدم) أنها من حق كل الشعوب، وأن النظام هو الذي بدأ سياسات الإرهاب والإبادة والتهجير، وأن عدم توفير الدعم لها هو الذي دفع السوريين لممارسة اسمُها الصريح والواضح هو "الدفاع عن النفس" قبل أي شيء آخر. وإسكاتاً لحجة من لا يزال يدعي إلى الآن بأنه لم يستقرأ الواقع والمستقبل، تُذكِّرُ الكلمة بأن التنبيه والإشارة لهذه الحقائق حصل منذ ذلك الزمن، تفنيداً للمزاعم ولعمليات تزوير التاريخ والتلاعب بالحقائق.
وفي إشارة إلى مهزلة (الخطوط الحمراء) التي وضعتها الإدارة الأمريكية، تأتي الكلمة واضحةً إلى درجة الصراحة فيما يتعلق بالموضوع، فهي لا تتحدث عن (تجاوز) تلك الخطوط والسكوت على ذلك، بل تضع الأمور في نصابها الصحيح وفق الأعراف السياسية الواقعية، لتؤكد أن ما جرى في حقيقة الأمر، وبغض النظر عن التصريحات الإعلامية، هو أنه "لم توضع أي خطوط حمر ليقف عندها النظام السوري، ولم يلتفت العالم حتى إلى قتل أطفال سورية ونسائها بالسلاح الكيماوي، وإلى قصف أحيائها المأهولة بالبراميل المتفجرة". بهذا، تتجاوز الكلمة بشفافية وصراحة كل الصخب والضجيج، وكل الحوارات الفارغة عن تلك المهزلة، وتسمي الأمور بأسمائها بشكلٍ واضحٍ ومُباشر.
وفي معرض تحميل "مجلس الأمن مسؤوليته القانونية والإنسانية على وجه السرعة" توضح الكلمة ضرورة دعم "الشعب السوري ضد الخطريْن المحدقين به، خطر إرهاب النظام وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها وخطر القوى الإرهابية التي استغلت حالة البؤس والمرارة وغياب الدولة وغياب المجتمع الدولي". لكنها تحرص جداً، وبدقة، على محاربة الخلط الذي يتجاهله النظام الدولي في مجال الحديث عن الأسباب والنتائج فيما يتعلق بالخطرين المذكورين، وذلك بعبارةٍ حاسمة تقول:"وقد أسهم الأولُ في توليد الثاني".
ومع أجواء الحرب على الإرهاب الدولي الحالية، تحرص الكلمة أيضاً على إيضاح رؤية شمولية للتعامل مع هذا الموضوع بشكلٍ عام، مع إشارةٍ دقيقة تتعلق بسوريا تؤكد أنه "ثبت بالدليل القاطع أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا من خلال بيئته الاجتماعية، وأنه لكي تقف المجتمعات معنا في مكافحة الإرهاب يجب أن ننصفها، وألا نخيرها بين الإرهاب والاستبداد"، مع التذكير والربط بحقيقةٍ يجري تغييبها والقفز عليها تقول: "لقد عانى الشعب السوري من الاستبداد والإرهاب، ولم يستمع المجتمع الدولي لصرخات استغاثته".
إن القضية السورية تمثل اليوم مثالاً نموذجياً على استخدام النظام العالمي للإعلام والدبلوماسية بهدف ترسيخ روايةٍ تخدم أهدافه فيما يتعلق بالثورة السورية وقضيتها، وهو يعتمد في هذا إلى درجةٍ كبيرة على التعريفات والتأويلات للأحداث والوقائع. ولكن، كما يقول الكاتب والشاعر وليد سيف: "التنازع على التعريفات والتأويلات لا يجري بصورة متكافئة. هنا تتدخل علاقات القوة بكل تجلياتها المادية والمعرفية والروحية والسياسية، ليتمكن الطرف الأقوى من فرض تعريفاته وتأويلاته وتوصيفاته على عقول الآخرين. وبذا يتمكن من السيطرة على العقول والأفئدة، وتشكيل نظرتها للعالم وإدارة سلوكها واستجاباتها بناءً على ذلك. هكذا يتشكل خطاب القوة Discourse ورواية القوي Narrative".
قد يتوجب على السوريين الانتباه إلى الأولوية الكبرى لتصحيح رواية الثورة السورية وليوظفوا في هذا المجال شيئاً من الجهود والأموال التي تضيع هدراً على قضايا هامشية أخرى.. وإلى أن يتحقق هذا الأمر، يبقى من أقل الواجب الإشارةُ إلى من يقوم بهذا الأمر، ولو بحدٍ أدنى من العرفان والامتنان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3840
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1422
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1017
| 29 أبريل 2026