رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرمال المتحركة تبتلع الارادة العربية وعلينا أن نحدد الأهداف بدقة
يبدو الواقع العربي المحيط، كرجل وقع في بحر الرمال المتحركة، لا يستطيع أن يقف على قدميه، ولا أن يوقف انزلاقه لباطن الأرض، والرمال تضغط من كل الأجناب على رئتيه فلا يستطيع التنفس، وباتت عيناه جاحظتين عاجزتين عن الأبصار، وإذا ما ألقى أحد ممن التفوا حوله حبلا إليه لعله ينقذه، رآه وهما تملأه الأشواك، ومن خشيته أن تؤلمه الأشواك أو تدمي يديه، يستسلم للمضي إلى حتفه، تحت دقات دفوف لا تغني لحنا عربيا على الإطلاق.
بات من التكرار الممل الإطلال على تفاصيل الصورة، في كل الأرجاء العربية، دولا أو أنظمة أو قوى معارضة أو حتى نخبة الثقافة والفكر فيه، فبين الإدانة أو كشف العجز، صارت الكلمات والمعاني تزيد من اتساع بحر الرمال، ليغرق فيه الزمن القادم من قبل أن نصل إليه، بعد أن جرى وأد التاريخ، وصار التاريخ لعنة على صانعيه، وليس درسا للمتعاقبين على الأرض العربية.
هل يذكر أحد معنى الهجرة، طواعية كانت أو قسرية؟، أذكر في طفولتنا عام 1950 وما بعده هجرة داخل مدينة الإسماعيلية، عندما تحاصر القوات البريطانية المحتلة حي "العرب" الذي نسكن فيه للبحث عن الفدائيين، فنهاجر لبضعة أيام إلى أهلنا القاطنين في حي "الإفرنج"، والفارق بينهما شارع. وهجرة أخرى عام 1967 بعد أن كان القصف الصهيوني قد نال من المدينة، وقتل العشرات، ونسف قطار مهاجرين في اليوم التالي ودمر مبنى محطة السكك الحديدية، وأيضا كانت هجرة إرادية، ووصفناها أنها إجراء يحرم العدو من وسيلة الضغط على الإرادة والأعصاب، ولم يهاجر البشر فقط، ولكن تم تفكيك المصانع ومعامل التكرير ونقلها بعيدا عن قصف العدو، وكما تحدث الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا".
هذا معنى الهجرة الذي يمكن أن نضم إليه قصص اللاجئين في كل أرجاء الأرض العربية، ولكن الهجرة الجديدة لم تعد إنقاذا للحياة، ولكنها هجرة من الحياة ذاتها، فكأن مجرد الوجود فوق الأرض العربية هو عدوان في حد ذاته على الإنسان، تمثلت معنى الهجرة من الحياة في مشهد الانتحار بحرق النفس في سيدي بوزيد التونسية، والتدلي مشنوقا من كوبرى على النيل بالقاهرة، والمهاجرون الذين يطلقون عليهم مجازا المنتحرون، متعلمون، ولكنهم يعانون من العدوان على حق الحياة فاختاروا الهجرة الطوعية. فارق بين زمنين، وفارق بين عدوين، أحدهم تهرب بالحياة من قصفاته القاتلة، والآخر عدو تهرب من الحياة لأنك لا تتحمل الوجود معه فوق الأرض.
وجديد الإنسان في الوعي العربي هو حق العودة الذي يقامر به العجز العربي، في مقابل القبول الإسرائيلي بالتفاوض، وتأبى إسرائيل التي نجحت في الانتقال بنا، من شعار من النهر إلى البحر، وشعار صراع الوجود وليس الحدود، إلى استجداء وقف الاستيطان من إسرائيل وأميركا، وتأبى إسرائيل وتقضم الأرض، وتعلن "القوة العظمى" عجزها.
جديد آخر أوضحت الوقائع أنه يصيب الإنسان العربي في أي قطر دونما سابق إنذار، أن الأنظمة لا تملك إلا الأجهزة الأمنية للتعامل معه، حدث في فلسطين هناك في الضفة وفي غزة، وكلا الأطراف مدانة بهذا، وحدث في مصر، تجاه من حاولوا الإدلاء بأصواتهم، ويحدث الآن في تونس من سيدي بوزيد إلى تونس العاصمة، وبقدر ما واجه الأمن وقتل، بقدر ما تنتشر الاعتراضات إلى قطاعات أوسع.
الخشية من الحرب الأهلية في مقالنا السابق، لم نكن نتوقع أن بشائرها ستقع خلال أيام معدودة.
وها نحن ننتقل من إدراك بأن إسرائيل هي العدو الرئيس، وأن فلسطين القضية المركزية، إلى افتقاد الوعي بأرض الوطن والشعب فوق الأرض.
سلاسة التعامل مع قضية الجنوب السوداني، والتسليم بانفصاله، بل وإلباس الانفصال صيغة الفتح الإسلامي وأنه سيمكنهم أن يفرضوا الشريعة الإسلامية في الشمال، هو حديث خارج عن العقل والسياسة والوطن والدين، هو حديث الإفك، فالأوطان ليست محل التجزئة إلا بالتفريط، وليس الدين الهادي للبشر الذين هم الشعب، محل مفاضلة مع الشعوب ويتحقق بنفي جزء من البشر لإتمام سيادة للدين، هذا هو الجهل بمعني الوطن وجهل بالدين، ليس من الشرع التفريط في الأرض، والشعب، وإلباس الهزيمة لباس الاختيار بين الدين واللا دين!
وليس من الجائز الربط بين اختيار السودانيين الانفصال عن مصر وإعلان الاستقلال عام 1956، وبين تقسيم السودان إلى دولتين،فارق بين فك ارتباط وبين تقطيع أوصال.
كما ليس من المقبول أن ندرك ما تفعله أميركا وإسرائيل بشأن الجنوب ودارفور، ونبلع ألسنتنا، مجرد الكلام نفتقده، وكأن البلاهة بديل البلاغة قد نالت من العقل العربي.
وصارت الأمور في قضايا الأوطان تقاس بحجم إنتاج البترول، وبمقدار الثروة، نتعامل مع الأوطان تعامل المحتل، وليس تعامل الوطني المسؤول عن حريتها ووحدتها.
وهي ذات الرؤية في التعامل مع شمال العراق، وإن كان الطريق إلى الانفصال في بداياته، وفاقدي الهوية الوطنية، ومدعي الانتماءات المذهبية يتحكمون في أمر الأرض والشعب، وهم لا يمكنهم استيعاب دلالات الأرض ولا الشعب، ولكنهم يستوعبون الأجندات الخارجية، وهناك الدين المسيحي يقدم لتقسيم جديد غير التقسيم القومي.
استخدمت أميركا الدين في منطقتنا مرتين، الأولى مشاركة مع اليمين العربي الذي كان يواجه معها دعوة القومية العربية بغرض تفريغها من مضمونها القومي والاجتماعي، بما يضمن مصادرة البواعث القومية للمواجهة مع أميركا وإسرائيل، والمرة الثانية لحشد المتطوعين من العرب لقتال السوفييت أثناء احتلالهم لأفغانستان، وكانت المساجد تدعو المتطوعين للسفر إلى أفغانستان للجهاد المقدس ضد الملحدين السوفييت، كان السلاح والتدريب والأموال بلا حساب، فهي حرب المجاهدين بالوكالة عن الأميركان ومدعومة بالأنظمة العربية وثروة البترول العربي، وبعد خروج السوفييت من أفغانستان، نفضت السي آي إيه يدها من المجاهدين الأفغان، وتحول الشباب إلى مواجهة مع أميركا ذاتها من ناحية، ومع الأنظمة التي دفعت بهم من ناحية أخرى، ومنذ وقائع الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك، أطلقت أميركا مقولة "إن الإسلامي قرين الإرهاب". اتفقت أميركا وإسرائيل على هذا المصطلح، وجرى تعميقه، بل وتم حصار الدول العربية على أنها تناصر الإرهابيين وتمولهم، وصارت مدارس القرآن هي البيئة الأساسية للإرهاب في عرفهم، فأغلقوها وطاردوا تلاميذها من أفغانستان إلى كل الدول العربية، وبلغ بهم الأمر إلى المطالبة برفع آيات الجهاد من المصحف الشريف، ووقعت الأنظمة العربية في فخ المواكبة، وتولى عدد من الدول العربية مهمة استجواب المجاهدين في سجون عربية، ومن ناحية أخرى استطابوا ادعاء أن الإرهاب قرين الدين، وجرى تعديل على المناهج التعليمية. واشتعلت إفريقيا والجزيرة العربية والعراق وباكستان وأفغانستان في قتال بين "مجاهدين" ينتمون إلى القاعدة أو منهجها، وبين الاحتلال أو الأنظمة التي يعملون فوق الأرض الواقعة تحت حكمهم، واليمن خير دليل علي ذلك.
هكذا أصبح الدين، وهو أحد مقومات الوجود العربي، وإحدى دعائم وحدته، مبررا للحرب على العرب، لأنه دعوة للإرهاب في عالم السلام غير الإسلامي. واعتبرت المقاومة في فلسطين لونا من الإرهاب، وليست حقا تكفله الشرائع الدولية لمواجهة الاحتلال.
هكذا صار الدين وسيلة يستخدمها الجميع لتبرير مواقفهم مهما كان تناقضها فيما بينها، أو تناقضها مع الدين ذاته.
في حديث الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة الخميس الماضي 23 ديسمبر 2010، وهو تاريخ كانت مصر تحتفل فيه بهزيمة العدوان الثلاثي في معركة بورسعيد، تحدث عما سيتبع الاستفتاء الذي سيجري في السودان في التاسع من يناير القادم، وبعد أن نوه عن إمكانية تكاد تكون مؤكدة بانفصال الجنوب، فتح ملف مياه النيل، والمنابع، وحدد أن الملف سياسي من المنابع إلى السد العالي، ومن بعد السد إلى المصب ملف فني.
وللمرة الأولى يعرض الأستاذ هيكل استعداده لأن يتقدم بتصور عن الملف السياسي، المرة الأولى يعرض هيكل أمرا كهذا في تاريخ كتاباته وأحاديثه، وعلى الملأ، الأمر الذي يجب التوقف عنده، إن هناك خطرا من نوع جديد، ولا ينفع معه الأداء العاجز، ولا تصلح له الأداءات الوظيفية، فهل سيجد من يسمع له، أم أن الأجندة الداخلية والإفريقية للنظام لا تسمح بهذا.
هكذا الإنسان والأرض والمياه والدين، صارت رمال متحركة تبتلع الإرادة والقدرة العربية، وبقيت كلمات الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا"، تدوي في الآذان لعلها تصيب انتباها.
مبادرة لدعم التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود
وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد اخطارهم من قبل إدارة إحدى الجامعات بأنهم لن يتمكنوا من... اقرأ المزيد
54
| 02 فبراير 2026
الخليج في معادلة القوى المتوسطة
يشهد العالم حاليًا نهاية حقبة العولمة، وبات يتعين على الاقتصادات متوسطة الحجم التعاون في مجالي التجارة والأمن من... اقرأ المزيد
102
| 01 فبراير 2026
فخ البقاء على قيد الحياة
أنت لست فاشلاً، أنت "مُدار": خوارزمية "تحسين الأجور" لطالما تربينا على معادلة اقتصادية بسيطة ومريحة للأعصاب: "اعمل بجد،... اقرأ المزيد
210
| 01 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2916
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2112
| 28 يناير 2026
-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد» - صفات الرئيس.. سمو التفكير والشغف الكثير.. والطموح الكبير المحفز على التطوير - رئيس الرياضة الآسيوية يمثل الجيل الجديد من القادة برؤية عصرية وإستراتيجية قطرية -القائد القطري الأولمبي يواصل مسيرة الإنجاز الرياضي والنجاح الإداري هو قامة قطرية، ذات قيمة رياضية، تمتزج في شخصيته القيم الأولمبية، وتختلط في مواقفه الصفات الإدارية، وتتمحور في رؤاه المواصفات القيادية. وهذه السمات الشخصية كلها، تشكل شخصية الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، رئيس اللجنة الأولمبية القطرية، الفائز برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي، الذي تأسس في السادس عشر من نوفمبر (1982). وبهذا الفوز المستحق، يتربع «بوحمد»، على رأس الهرم القيادي، لهذا الكيان القاري، ويصبح الرئيس الخامس، لهذا المجلس الرياضي، الذي يعتبر الهيكل التنظيمي الجامع، لكل اللجان الأولمبية الآسيوية، وعددها (45) لجنة وطنية. وها هو القيادي القطري الناجح، يواصل مسيرة الإنجاز الرياضي، والنجاح الإداري، والعمل الأولمبي الفالح، التي بدأها عام (2015)، بعد توليه رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية، التي تأسست في الرابع من مارس عام (1979)، وأصبحت عضواً فاعلاً، ومكوناً متفاعلاً في أنشطة اللجنة الأولمبية الدولية، منذ عام (1980). وها هو يتبوأ أعلى منصب رياضي في القارة الآسيوية، ويصبح رئيساً لمنظومة الرياضة الأولمبية القارية، بدعم واسع من لجانها الوطنية، التي تتطلع لترسيخ قيم التميز الرياضي، وتطوير الأداء الأولمبي، بما يحقق تطلعات القواعد الجماهيرية، ويعزز مكانة القارة الآسيوية، وأبطالها ونجومها في الرياضة العالمية. والحكاية بدأت هناك وأكررها هناك، في طشقند، عاصمة أوزبكستان، كان الحدث، وكان تقليد الشيخ جوعان بوسام التفوق الرياضي، بمبادرة رئاسية، من فخامة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، الذي حضر اجتماعات الجمعية العمومية السادسة والأربعين، للمجلس الأولمبي الآسيوي. وهناك، في العاصمة الأوزبكية، صوتت (44) دولة، من أصل (45)، لصالح «بوحمد»، في موقف قاري، يعكس ثقة اللجان الأولمبية الوطنية، بالإدارة القطرية، والإرادة الشبابية، ممثلة في قدرات الشيخ جوعان القيادية. وهنا في الدوحة، وسائر العواصم الآسيوية، يتواصل الحديث عن ذلك الحدث، وتتوالى التهاني للرئيس الجديد، لأكبر منظمة رياضية قارية، على مستوى الكرة الأرضية، وأهمها تهنئة مجلس الوزراء لسعادته بمناسبة تزكيته رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي، وذلك في إنجاز جديد للرياضة القطرية، يعكس مكانة دولة قطر وما تتمتع به من ثقة وتقدير إقليمي ودولي، ولدورها الفعال وإسهامها الإيجابي وإنجازاتها المبهرة في المجال الرياضي. وهذا ليس بغريب على سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، القيادي القطري الطموح والحريص على تعزيز الروح الأولمبية، في بطولات وملاعب ومسابقات القارة الآسيوية، وإطلاق القوة المحركة، للمنافسة الرياضية الشريفة، والمحفزة لملايين الرياضيين، والإداريين والمشجعين، والمتابعين في القارة الصفراء، التي تعتبر أكبر القارات تعداداً سكانياً، وأكثرها تنوعاً بشرياً وثقافياً وإنسانياً. ومن خلال كل هذا التنوع البشري، يسعى «بوحمد» إلى إسعاد الجماهير، وجعلهم سعداء، بأن تكون قارتهم الآسيوية، رقماً ذهبياً لامعاً، وليس دامعاً، في البطولات العالمية، لا يمكن لأي قارة أخرى تجاوزه، في المعادلة الأولمبية الدولية. ويمثل الشيخ جوعان، الجيل الجديد الشاب، من القادة الرياضيين، في القارة الآسيوية، الذين يتصدرون المشهد الأولمبي، ويملكون رؤية إدارية عصرية، تتجاوز المصلحة الذاتية، وتعمل لتحقيق المصلحة الجماعية، والمجتمعية. ويتبنى قائد الرياضة الآسيوية الجديد، استراتيجية إصلاحية، وفق رؤية قطرية، يسعى من خلالها لترتيب وتنظيم أوضاع البيت الأولمبي الآسيوي، وعلاجه من حالة «التأكسد»، ودفعه إلى مرحلة التجدد، والانطلاق بقوة لتحقيق المجد. ولعل ما يميز الشيخ جوعان، وهو الرئيس الأولمبي المجدد، أنه يملك سمو التفكير، والشغف الكثير، والطموح الكبير، المحفز على التطوير. ناهيك عن الحرص على توفير، بيئة تنافسية عادلة ومعدلة، تدفع إلى التغيير، وتعمل على الارتقاء، بأنشطة، أكبر منظمة رياضية قارية، عبر تعزيز الروح الأولمبية في عروقها، وتفعيلها في أروقتها، وتنشيطها في بطولاتها ومسابقاتها. وهذا يتحقق، من خلال مواكبة التكنولوجيا الحديثة، في قطاع الرياضة، والنهوض بالأنشطة الرياضية، عبر استخدام أحدث الأساليب العلمية، وتنظيم البطولات بطريقة مبتكرة، من خلال الاستعانة بأحدث السبل التكنولوجية. ولا أستثني من ذلك، استخدام تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في التنظيم الرياضي، والتنسيق الإداري. ويكفي أن سعادته، حقق على مدى سنوات العقد الماضي، ما لم يحققه أي قائد أولمبي من أبناء جيله. ومن بين إنجازاته، تعزيز دور قطر، كقوة رياضية متنامية على الساحة الدولية، وترسيخ مكانتها، ومكانها كنموذج عالمي، في الاستضافة الرياضية. وفي عهده وعهدته، نالت الرياضة القطرية، شرف استضافة العديد من البطولات العالمية، أذكر منها على سبيل المثال، وليس الحصر، كأس العالم لكرة السلة (2027)، وكأس العالم لكرة الطائرة (2029)، وقبلها بطولة العالم لألعاب القوى (2019)، وبطولة العالم لكرة الطاولة (2025). ولا أنسى فوز قطر، بالذهب العالمي، تحت مظلة رئاسته اللجنة الأولمبية القطرية، بعد تتويج البطل القطري معتز برشم ببطولة العالم، في الوثب العالي، خلال (3) بطولات عالمية متتالية. وكانت البداية في لندن عام (2017)، والدوحة عام (2019)، ويوجين عام (2022). ووسط كل هذا، الإنجاز الرياضي القطري، وكل هذا المجد العالمي، يبقى سجل الشيخ جوعان مضيئاً، وسيظل ساطعاً، وسيستمر براقاً، خصوصاً أنه يتولى رئاسة اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية، التي ستحتضنها الدوحة مجدداً عام (2030)، بعد نجاحها في استضافتها عام (2006). ولكل هذه النجاحات الرياضية المتتالية، وبسبب تلك الإنجازات القطرية المتوالية، يشكل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي، إنجازاً كبيراً، لا يحسب لشخصه فحسب، بل هو انتصار للرياضة القطرية، بكل شخوصها وشخصياتها وإنجازاتها وانتصاراتها، وبطولاتها. وهو إنجاز قاري، لكل رياضي وإداري قطري، ساهم في تأسيس اللجنة الأولمبية القطرية، ولكل الأجيال، التي أعقبت هذا التأسيس، وتعاقبت جيلاً بعد جيل، من الرياضيين والمدربين والإداريين والقياديين. وهو إنجاز إداري غير مسبوق لكل الرؤساء الذين تعاقبوا على رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية. وكل هؤلاء يحق لهم أن يفخروا بأن القيادي القطري الشاب «ابن الوطن»، أصبح رئيساً للمجلس الأولمبي الآسيوي. وعندما أقول ذلك، لا أنسى الدور التاريخي والتأسيسي والقيادي، الذي لعبه الشيخ فهد الأحمد، باعتباره الأب الروحي لهذا المجلس. وهو أول من تولى رئاسته عام (1982)، وتميزت فترته الرئاسية، بوضع القواعد الأساسية، واللبنات التنظيمية، بعد إشهار هذا الكيان الرياضي القاري. ومن خلال شخصيته القيادية الفذة، منح القارة هوية رياضية مستقلة ومستقرة، حتى رحيله عام (1990). وقد عايشته رياضياً، وعاصرته إنسانياً، وحاورته صحفياً، ومنها حوار أجريته معه عام (1984)، خلال بطولة كأس آسيا، التي أقيمت في سنغافورة، وشهدت انطلاقة منتخبنا العنابي، على المستوى القاري. وأشهد، على كل صعيد، أن الراحل الشهيد فهد الأحمد، كان قيادياً رياضياً، من الطراز الفريد، وكان محنكاً في مؤتمراته الصحفية، وحكيماً في تصريحاته الإعلامية. وهذه الصفات، وغيرها، يمتاز بها الرئيس الجديد، للمجلس الأولمبي الآسيوي، سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، الذي أثار إعجابي الشديد، في مؤتمره الصحفي الأول، بعد فوزه بالرئاسة. ولعل ما أثار اهتمامي، كمتابع إعلامي، ومشجع رياضي، وصحفي قطري، صاحب تجربة عتيقة وخبرة عميقة، في تغطية الأحداث الرياضية، والبطولات الآسيوية، في بداية مسيرتي الصحفية، ما أعلنه سعادته، وأكده في مؤتمره الصحفي قائلاً: «لسنا هنا للبحث عن الأضواء، التي هي من حق الرياضيين، وما أريده في المجلس الأولمبي الآسيوي، أن يتحدث عملنا عن نفسه». وفي هذا التصريح، تأكيد صريح، على نكران الذات، والحرص على المصلحة الجماعية، على حساب البهرجة الشخصية. وهذا يعني، فيما يعني، أن رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي الجديد، يريد التأكيد، أنه لا يكبر بأضواء هذا المنصب. ويؤكد أيضاً، الحقيقة الثابتة، والراسخة والساطعة، أن المنصب الرئاسي، يكبر لشخصية صاحبه، وأن الرئاسة، تتطور بأعمال رئيسها، وتزدان بحسن إدارته. وفي إطار هذه الثوابت الإدارية، ينطلق من هنا، من قطر، شعار المرحلة الجديدة، في المجلس الأولمبي الآسيوي، برئاسة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني، ويتلخص هذا الشعار، في عبارة براقة، تعكس معاني التعاون والشراكة، وتتشكل مفرداتها، في الكلمات التالية: «معاً نعمل من أجل آسيا». وبطبيعة الحال، سيعمل بوحمد، على ترجمة هذا الشعار إلى واقع، يتأكد بالأفعال، وليس الأقوال، ويتجسد بأعمال الرجال، ويتحقق بإنجازات الأبطال، وقطر لها تجربة ناجحة في صناعتهم، والتفوق في انتشارهم، والتألق في إبرازهم، والأمثلة كثيرة، لا تستطيع هذه الكلمات تحديدهم، ولا يمكن لهذه هذه المقالة حصرهم.
1050
| 29 يناير 2026