رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

762

عصام بيومي

«اللا نظام» العالمي الجديد!

29 مارس 2025 , 02:00ص

يبدو أننا سنضطر للعودة بين الحين والآخر إلى روايات الخيال العلمي والسياسي وأفلام هوليوود لمحاولة فهم ما يجري في العالم الآن وفي المستقبل. هذه المرة سنتوقف مجددا مع رواية جورج أورويل «1984»، الصادرة عام 1949، وتنبأ فيها، بعالم يشبه العالم الذي نعيش فيه الآن، بدرجة كبيرة. عالم التحكم الكامل في البشر والرقابة الشاملة لكل تحركاتهم وأفكارهم! فيما يسمى النظام العالمي الجديد، مع أن الأدق أن نقول «اللا نظام العالمي الجديد»؛ لماذا؟.

يقول جون سوير رئيس الاستخبارات السرية البريطانية «إم أي 6» بين عامي 2009 و2014، إن «التوجه الأمريكي الجديد بقيادة ترامب هو أكبر تغيير عالمي منذ أواخر الأربعينيات؛ عندما تعاونت أوروبا وأمريكا لبناء النظام العالمي في صورته الحالية، ويعمل ترامب، الآن، لهدمه، وتدشين عالم بلا ضوابط». ويضيف: «يبدو أن ترامب يفضل عالما للقوى العظمى، تتمتع فيه كل قوة عظمى بمجال نفوذ. وهذا هو عالم رواية «1984»، الذي تتنازعه 3 كتل استبدادية، اقتسمت الأرض بعد حرب عالمية، وتدور الأحداث في واحدة منها وهي أوشينيا (أمريكا وتوابعها)، حيث تتم السيطرة على البشر وعقولهم على طريقة أورويل».

* ويبدو أن هذا العالم، ثلاثي الأقطاب، يتشكل بالفعل مع تضخيم ترامب أهمية روسيا على حساب أوروبا، ومع إعجاب النخب الأمريكية بالنموذج الصيني الذي ستتاح له الفرصة للتطور فيما يبدو. وقد جاءت قرارات ترمب التنفيذية بإلغاء وزارة التعليم، وبرامج ثقافية عدة، منها قناة «الحرة»، لتضيف رتوشا جديدة في صورة العالم الاستبدادي الذي بشر به أورويل. ويرسخ صورة ذلك العالم أيضا التصرفات الاستبدادية للسلطات الأمريكية ليس فقط بحق أمثال الفلسلطيني محمود خليل، بل بحق مواطنين ألمان وكنديين وغيرهم، تتم إهانتهم وإيذاؤهم في المطارات الأمريكية. وهو عالم تتراجع فيه كل القوى المجتمعية وتنزوي أمام رأس المال المسعور، ولا تقف أمامه مظاهرات أو احتجاجات، ولا ثورات، ولا حتى إضرابات عمالية بعدما كانت تطيح بحكومات راسخة مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا عام 1974. فقد انتهت إضرابات في كندا أواخر العام الماضي بلا نجاح يذكر، حيث أُجبر المضربون في قطاعي البريد والمشروبات مثلا على العودة للعمل دون تحقيق مكاسب حقيقية. وقبلها لم تُجدِ المظاهرات والاحتجاجات، سواء في أوروبا أو غيرها في وقف أي من مشاهد الظلم، التي تملأ العالم وأقساها حرب الإبادة المتواصلة في غزة.

*وهذا يؤكد فحوى مقالنا السابق عن «العالم المنفلت»، أو عالم «اللا نظام» الذي نعيش فيه. وهو أمر توضحه الصحفية البريطانية آش سركار في كتابها «حكم الأقلية»(2025)، وتقول فيه إن عالم اليوم يفقد كل الضوابط التي كانت موجودة قبل عقود قليلة. فمثلا: هذه الأيام، يبدو مفهوم الطبقة العاملة تقريبًا كشيء من الماضي. انخفضت عضوية النقابات العمالية بشكل حاد. كما اختفت مظاهر التضامن الجماعي. لكن لم يختفِ السخط، بل يتجلى الآن في شكل جرائم صغيرة وأعمال شغب عرقية». وهذه الفوضى حالة تريدها النُخب وأصحاب رأس المال، لزيادة الفرقة بين فئات الشعوب وتسهيل السيطرة عليها. وهذا المعنى تؤكده الصحفية الأمريكية تيسا لينا في أحدث مقالاتها بقولها: «عندما يتبادل الناس الأذى يكونون داعمين غير مباشرين للدولة العميقة». وهنا تتحقق فكرة مشابهة كثيرا لما سماه فريدريك إنجلز «الوعي الزائف» حيث يدفع تقاتل الطبقات الدنيا فيما بينها إلى ترسيخ حكم الأقلية الرأسمالية.

* هنا يلاحظ تراجع منسوب الحرية والديمقراطية المستمر والمنتظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ صدور رواية أورويل، وكأنهم بدؤوا تطبيقها حرفيا منذئذ. فمثلا، بعدما كان المسؤولون في الغرب يستقيلون لارتكابهم أبسط الأخطاء، بات هؤلاء أكثر تبجحا وتمسكا بمناصبهم حتى مع ارتكابهم جرائم حقيقية وليس مجرد أخطاء بسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، من مرتكبي جريمة غزو أفغانستان والعراق، وحتى اليوم. وقد تعزز ذلك التوجه خصوصا نتيجة «الرعب المصنوع» منذ أحداث 11 سبتمبر، والذي بلغ مستويات خطيرة خلال ما سمي جائحة كورونا. وكان أبرز أضرار تلك الفترة اندثار شعار «الزبون دائما على حق»، وانتحار مفاهيم حرية الرأي وحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان. إنه عالم يهدم كل القواعد والبروتوكولات التي كان مرعية من قبل. وهو عالم يبنيه ترامب بخطابه الشعبوي وتشكيكه في المؤسسات المحلية والدولية، وبتعزيزه القبضة الأمنية على الجميع. عالم يفتت كل إرث «نظام ويستفاليا»، وأهمه كيان الدولة المستقلة، ويدشن نظاما جديدا يسوده «اللا نظام». عالم ترتفع فيه الرسوم والأسعار بلا منطق، حد التعجيز، ويعيش فيه الناس في مدن مغلقة يسمونها «مدن الـ15 دقيقة»، ويقدم لهم طعام رديء بحصص محددة مثل السجون، تماما وفق نبوءات «1984».

* اللافت هنا أنه بينما يقترب أعداء الإنسانية من إكمال أركان هذا العالم أو «القرية الصغيرة» التي يحكمونها بالحديد والنار، فإن سكان هذه القرية، بلا استثناء، ما يزالون يظنون أنهم أحرار في أحيائهم (دولهم) «المستقلة»، غافلين عما ينتظرهم. وبحسب نظرية «الارتداد الاستعماري» فإن المستعمر الظالم يرد ظلمه وطغيانه على شعبه عاجلا أو آجلا!

ومن الجمل المأثورة في «1984»، قوله: «إن من الخطورة أن تبوح بأفكارك وأنت في مكان عام أو ضمن مدى شاشة الرصد». أنا سمعت هذا الكلام يتردد في زمننا الحالي في أمريكا وكندا، فمن منكم سمعه كذلك؟.

مساحة إعلانية