رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثارت تصريحات الفريق يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني والمستشار العسكري للمرشد الإيراني، في أصفهان بمناسبة الذكرى السنوية لاسترجاع إيران منطقة شلمجة ومدينة خرمشهر "المحمرة" من سيطرة الجيش العراقي عام 1983، اهتماماً كبيراً في أوساط المتابعين للشأن الإيراني. صفوي قال إن حدود بلاده "الغربية لا تقف عند شلمجة - على الحدود العراقية غربي الأهواز- بل تصل إلى جنوب لبنان". وأضاف: "هذه المرة الثالثة التي يبلغ نفوذنا سواحل البحر الأبيض المتوسط"، في إشارة إلى حدود الإمبراطوريتين الأخمينية والساسانية الفارسيتين قبل الإسلام.
وبغض النظر عن المناسبة التي صدرت خلالها هذه التصريحات، فإنها تعبر في حقيقة الأمر عن تفكير ورؤية صانع القرار الإيراني، خاصة وأن صفوي يعتبر من أركان النظام وأحد أهم الاستراتيجيين فيه. كما أنها تعبر من جهة أخرى عن حلم تاريخي مازال يراود الإيرانيين بغض النظر عن نظام الحكم القائم في بلادهم. فما تسعى إليه الجمهورية التي تصف نفسها بالإسلامية لا يختلف بالمطلق عما كان يسعى إليه النظام الشاهنشاهي وأن تباين الإطار الأيديولوجي الذي اعتمده كل منهما –القومية الفارسية في عهد الشاه وخليط من الشيعية السياسية مع قليل من القومية الفارسية في عهد الجمهورية.
ففي عهد الأسرة البهلوية التي بدأ حكمها عام 1921 حاولت إيران استغلال فرصة انهيار عدوها التاريخي - الدولة العثمانية – مع نهاية الحرب العالمية الأولى، لإعادة تشكيل المنطقة لصالحها من خلال الهيمنة على العراق، الذي ظل لقرون ساحة صراع عثمانية - فارسية. لكنها فشلت في ذلك بعد أن سارعت القوى الغربية المنتصرة في الحرب إلى تقاسم تركة الرجل المريض، وكان العراق ومنطقة الخليج من نصيب بريطانيا، ولم تلبث إيران نفسها أن وقعت تحت هيمنة البريطانيين الذين سيطروا على مقدرات البلاد وقرراها من خلال شركة النفط الانجلو-إيرانية. بالمثل، لم يؤد انهيار الهيمنة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية على المنطقة إلى تعزيز فرص إيران، خاصة وأن الدولتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اقتسمتا النفوذ في المنطقة بما يتناسب ومصالحهما خلال الحرب البادرة، فضلاً عن أن الدول العربية المستقلة حديثاً كانت قد شكلت الجامعة العربية كإطار سياسي وأمني عربي، تحول في الفترة الناصرية، مع قيادة مصر للعالم العربي، إلى مركز ثقل إقليمي كان من الصعب تجاوزه. هذه العوائق دفعت إيران إلى اتباع طرق صبورة ومعقدة وغير مباشرة لبناء النفوذ، توسلت فيها وسائل القوة الناعمة، كاختراق المجتمعات المجاورة والتبشير المذهبي. فخلال القرن التاسع عشر نجحت طهران في اختراق شيعة جنوب العراق، وفي القرن التالي، تمكنت من اختراق شيعة لبنان وزيدية اليمن وعلويي سورية.
ونتيجة ضعفها البنيوي ووجود عوائق خارجية كبيرة تحول دون تحقيق غاياتها في الهيمنة الإقليمية، وضع الشاه إستراتيجية للتعامل مع الخليج والهلال الخصيب، شملت في مرحلتها الأولى تعزيز القوة الإيرانية في الخليج العربي تحت مزاعم محاربة التغلغل الشيوعي وملء الفراغ الناجم عن انسحاب بريطانيا من شرق السويس. وفي مرحلتها الثانية عملت طهران على تحييد العراق واحتوائه من خلال اتفاقية الجزائر لعام 1975، وتعزيز العلاقات مع إسرائيل ونظامي حافظ الأسد في سورية وأنور السادات في مصر.
وباستثناء تغير العلاقة مع مصر وإسرائيل، سارت الثورة الإيرانية على ذات النهج. أما في لبنان فقد استثمرت طهران في بناء حزب الله كذراع عسكري انحصر نشاطه في تحقيق مصالحها وتحويلها إلى جزء فاعل في ميزان القوى العربي - الإسرائيلي. إلا أن إيران لم تنجح مع ذلك في حجز مقعد لها على طاولة تشكيل النظام الإقليمي ورسم مستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب البادرة، بسبب سياسة الاحتواء المزدوج التي فرضت عليها مع العراق من قبل واشنطن. إذ وجدت إيران نفسها مستبعدة من اتفاق الطائف اللبناني ومن عملية السلام التي أطلقها مؤتمر مدريد، فلجأت إلى وسائل العنف لتأكيد وجودها والحيلولة دون تهميش دورها، فاستهدفت بعملياتها السرية السعودية ومصر، كما جهدت لتخريب مفاوضات السلام مع إسرائيل، عبر استخدام حزب الله والفصائل الفلسطينية المعترضة على النهج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن كل ذلك لم يجد بفك العزلة عنها وإشراكها في عملية صياغة نظام ما بعد الحرب الباردة إقليمياً إلى أن لاحت الفرصة مجدداً بعد سبتمبر 2001.
تعد إيران أبرز المستفيدين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة. فقد قامت واشنطن على أثرها بإزالة اثنين من ألد خصوم إيران الإقليميين، في الشرق حيث أطاحت إدارة بوش الابن بحكم طالبان وفي الغرب قامت بغزو العراق وتحطيم آلته العسكرية، التي طالما شكلت التهديد الاستراتيجي الأبرز لإيران والعقبة التي تحول دون توسع نفوذها الإقليمي غربا. ورغم أن إيران كانت في وضع جيواستراتيجي ضعيف عموماً، الا أنها شهدت حالة صعود في قوتها مستفيدة من الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فقد أدى الاحتلال إلى تفكيك الدولة وحل الجيش الذي هزمها سابقاً، وخلق من ثَمَّ فراغ سلطة لم يستطع الأمريكيون ملأه نتيجة عدم وجود قوات كافية لهم على الأرض، فيما كان الإيرانيون مهيأين أكثر للاستفادة من هذا الوضع نتيجة استعداداتهم أثناء التحضير للغزو، فقاموا بدعم قوى وتيارات عراقية معارضة كانوا استضافوها لزعزعة حكم صدام حسين، سرعان ما تحولت إلى ميليشيات قوية بعد عام 2003 حيث جرى تمويلها وتسليحها. وفي الوقت الذي انشغل فيه الأمريكيون بمواجهة "سنة العراق" الذين قاوموهم باعتبارهم محتلين، تحركت القوى والميليشيات الشيعية لملآ الفراغ، واتضح ذلك جلياً مع اندلاع الحرب الأهلية بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء في فبراير 2006. وعندما قررت الولايات المتحدة البدء بالانسحاب نتيجة ضغوط شعبية وبتأثير الأزمة المالية، كانت القوى السياسية الشيعية وجلها يتلقى دعمه من إيران قد أمسكت بمفاصل السلطة في العراق. وهكذا تمكنت إيران ليس فقط من تحييد العراق بل حتى والسيطرة عليه عبر أدواتها، معتبرة ما جرى نصرا على المستوى الاستراتيجي بعد أن كان العراق هزمها مع نهاية حرب الثماني سنوات.
وهكذا ارتسمت معالم قوس النفوذ الإيراني الممتد من مناطق غرب أفغانستان ذات الغالبية الشيعية إلى شواطئ المتوسط، والمعركة التي تخوضها إيران اليوم على امتداد الهلال الخصيب هي معركة تكريس وترسيخ قوس النفوذ هذا، الأمر الذي أخذ المسؤولون الإيرانيون يتحدثون عنه مؤخراً دون مواربة، "فالتقية" كانت تلزم أيام الضعف، أما الآن فلم تعد إيران بحاجة إليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2547
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2334
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026