رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، كنت أغادر الرباط باتجاه دمشق. لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل انتقالاً بين مرحلتين من العمر، وبين فضاءين سيصنعان لاحقاً كثيراً من تكويني الفكري والإنساني. كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في القسم الأدبي بجامعة محمد الخامس، وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب، ثم شددت الرحال إلى عاصمة الشرق الأوسط دمشق، أحمل في حقيبتي كتباً قليلة، وفي قلبي حنيناً كبيراً إلى مدارج تلك الجامعة، وإلى زملاء وأساتذة تعلمت على أيديهم أولى أبجديات التفكير في الأدب، ثم في الفكر، ثم في السياسة.
كنت أظن أن السنوات ستفعل فعلها، وأن المدن الجديدة ستطغى على المدن الأولى، لكنني اكتشفت أن الجامعات تشبه الأمهات؛ قد تغادرها، لكنها لا تغادر ذاكرتك أبداً. ولذلك، حين عدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً إلى كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس ـ أكدال، على مرأى حجر من مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مشاركاً في الندوة الوطنية التي نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية، شعرت أنني لا أعود إلى قاعة أكاديمية فحسب، بل أعود إلى جزء من سيرتي الشخصية.
كان عنوان الندوة: "في طبيعة ومعنى اللحظة الدولية الراهنة"، وهو عنوان يلامس سؤالاً يشغل العالم كله، لكنه بالنسبة إلينا نحن العرب ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل سؤال وجود ومصير. فنحن لسنا مراقبين لما يجري في العالم، وإنما نقف في قلب الزلزال، وتدور أغلب الحروب والصراعات الكبرى فوق أرضنا، أو على حدودها، أو بأدوات من داخلها.
في الورقة التي قدمتها، حاولت أن أميز بين الحدث والتحول. فليس كل حدث كبير تحولاً تاريخياً، لكن التحولات هي الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي والسياسات العالمية لعقود مقبلة. وانطلاقاً من هذا الفهم، رأيت أن العالم، ولا سيما المنطقة العربية، يعيش منذ نهاية القرن العشرين، وتسارعاً منذ العقد الأخير، سلسلة من التحولات البنيوية التي لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها.
توقفت أولاً عند تراجع القطبية الأحادية، وصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً، مع ما رافق ذلك من اهتزازات في بنية النظام الدولي، وإن ظل النفوذ الأمريكي حاسماً، خصوصاً في منطقتنا العربية.
ثم ناقشت صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وما ترتب عنه من تصاعد العنصرية، والتضييق على الجاليات العربية والإسلامية، وإعادة تعريف المصالح الغربية على نحو أكثر أنانية وخشونة.
لكن التحول الأخطر، في تقديري، كان ذلك الذي أصاب العالم العربي نفسه. فمنذ الثورات العربية عامي 2010 و2011، شهدنا اصطفافاً غربياً وإقليمياً مع قوى الثورة المضادة، تحت عناوين الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج الاستبداد، وتوسيع دوائر الفساد، ومحاصرة التجارب الديمقراطية الوليدة، وإغلاق المجال العام أمام القوى المجتمعية.
أما فلسطين، فقد كانت في قلب الورقة، لأنها في الحقيقة أصبحت في قلب التحولات الدولية نفسها. فحرب الإبادة على غزة لم تكن مجرد عدوان جديد على الفلسطينيين، وإنما كشفت انهيار كثير من المنظومات الأخلاقية والقانونية التي ادعى الغرب لعقود أنه حارسها. كما كشفت في المقابل يقظة غير مسبوقة داخل المجتمعات الغربية، حيث أخذت الجامعات، والنخب الثقافية، والحركات الشبابية، تعيد النظر في السردية الصهيونية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني وفصل عنصري.
وتناولت كذلك التحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الدول الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تفرض على العرب تحديات غير مسبوقة في مجالات المعرفة والإعلام والسيادة الرقمية.
وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟ بل: أين موقع العرب من هذه التحولات؟ وهل سيبقون مجرد ساحات للصراع بين الآخرين، أم يتحولون إلى فاعلين في صناعة مستقبلهم؟
لم تكن الندوة مجرد مناسبة للحديث، بل كانت مناسبة للإصغاء أيضاً. ففي الجلسات التي أدارها ونظمها ثلة من الأساتذة والباحثين، استمعت إلى قراءات عميقة ومتكاملة حول النظام الدولي الجديد، وموقع المغرب في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والعلاقات المغربية الأوروبية، وتحولات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل اللقاء أقرب إلى ورشة فكرية جماعية لفهم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به.
وكان مما زاد هذا اللقاء قيمة أنني تشرفت بالمشاركة إلى جانب أسماء أكاديمية وفكرية وازنة، في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد الصديقي، والأستاذ الدكتور إسماعيل حمودي، والأستاذ الدكتور علي كريمي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد بن خطاب، والأستاذ الدكتور مصطفى السحيمي، والأستاذ الدكتور رضا الفيلالي حوز، والأستاذ الدكتور إسماعيل قطرب، والأستاذ الدكتور نور الدين الإدريسي، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله ساعف، أحد أبرز أعلام الفكر السياسي المغربي والعربي.
خرجت من الجامعة وأنا أشعر بأن الزمن لا يمضي دائماً إلى الأمام. أحياناً يعود بك إلى البدايات، لا لتعيشها من جديد، وإنما لتدرك أن بعض الأمكنة لا تنتهي صلاحيتها في القلب. جامعة محمد الخامس كانت بالنسبة إليّ أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أول نافذة أطللت منها على الأدب، ثم على الفكر، ثم على السياسة. وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أدركت أنها ما تزال تفتح النافذة نفسها، ولكن على عالم أكثر اضطراباً.. وأكثر حاجة إلى الفكر.
وأنا أغادر جامعة محمد الخامس، لم يكن يغادرني إحساس آخر لا يقل أهمية عن النقاشات الفكرية التي شهدتها قاعاتها؛ وهو أن المغرب، رغم ما يحيط بالمنطقة من عواصف وحروب واستقطابات حادة، يواصل إدارة شؤونه الداخلية بكثير من الحكمة والاتزان وعمق الدولة وعراقة المجتمع. ففي الوقت الذي تتقاذف فيه المنطقة أسئلة المصير، يحتضن المغرب حوارات فكرية رصينة، ونقاشات سياسية وطنية هادئة وعقلانية، يستعد من خلالها لاستحقاقاته الديمقراطية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بما يعكس حيوية مؤسساته وقدرة نخبه على إدارة الاختلاف داخل إطار الاستقرار.
وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان المغاربة، كما عهدتهم دائماً، يلتفون حول منتخبهم الوطني لكرة القدم في مشواره نحو كأس العالم، لا باعتبار كرة القدم مجرد لعبة، بل باعتبارها لحظة وطنية جامعة، يلتقي فيها الاعتزاز بالهوية مع الثقة بالنفس، ويعبّر فيها شعب عريق عن طموحه المشروع إلى مكانة تليق بتاريخ المغرب وحضارته وحضوره المتجدد بين الأمم. ولعلها واحدة من أجمل مفارقات هذا البلد؛ أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين هدوء الفكر، وحيوية السياسة، ودفء الانتماء، فيظل قادراً على صناعة الأمل، حتى في زمن يبدو فيه العالم أقل اطمئناناً وأكثر اضطرابا.
من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء
لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة... اقرأ المزيد
189
| 26 أغسطس 2026
الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة
ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال... اقرأ المزيد
210
| 18 أغسطس 2026
حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة
قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو... اقرأ المزيد
249
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026