رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

234

رائد حمزة مقداد

العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟

30 يناير 2026 , 01:37ص

في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل، ويُحتفى فيه بالتفاهة، ويُقصى فيه العلم، ويُغيَّب العلماء، كأن المعرفة صارت عبئًا، وكأن الاجتهاد جريمة، وكأن السهر في طلب العلم سذاجة لا تستحق الاحترام. نعيش عصرًا صاخبًا، لكنّه فارغ. أصوات كثيرة، لكنّها بلا معنى. منصّات تلمع، لكنّها لا تنير. في هذا المشهد، أصبح الجاهل “قدوة”، والسفيه “مؤثرًا”، والعالم الحقيقي غريبًا، منسيًا، لا يُسأل عنه، ولا يُسمع له، ولا يُعرف قدره. أيُّ ظلمٍ هذا؟ وأيُّ قلبٍ يقبل أن يُساوى من أفنى عمره في التعلم بمن لم يعرف طريق كتاب ولا معنى مسؤولية؟ من منظور ديني، فإن ما نراه اليوم ليس مجرد خلل اجتماعي، بل نكسة أخلاقية. أول ما نزل من الوحي كان: ﴿اقرأ﴾، لا “تحدث”، ولا “اشتهر”، ولا “تصدّر”. قال الله تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، ومع ذلك سوّينا بينهم، بل قدّمنا الجهل، وأخرنا العلم. وقال النبي ﷺ: «إنما بُعثت معلّمًا»، فكيف نقبل أن يُهان المعلم، ويُحتقر العالم، ويُرفع من لا علم له ولا خُلُق؟ أما تربويًا، فالمصيبة أعظم. أطفالنا اليوم لا يرون العالم قدوة، بل يرون صاحب الضجيج، وصانع الجدل، وبائع الوهم. ينشأ الطفل وهو يعتقد أن الشهرة أسرع من الدراسة، وأن الكلام أسهل من الفهم، وأن الطريق الأقصر هو الأجدر. وهكذا نزرع في أجيالنا احتقار الجهد، ونقتل فيهم الصبر، ونغتال في نفوسهم قيمة العلم من حيث لا نشعر. طالب الطب، والهندسة، والإعلام، وسائر التخصصات، يسهر الليالي، يتعب، يفشل، يقوم، يثابر، ثم يصطدم بواقعٍ مؤلم؛ حيث ينافسه من لم يدرس، ويجادله من لم يتعلم، ويُفتي عليه من لم يعرف. صار كل شخص طبيبًا، ومهندسًا، ومفكرًا، ومحللًا، بمجرد امتلاكه حسابًا وشاشة. لا مسؤولية، ولا أمانة، ولا خوف على الأرواح والعقول. إعلاميًا، تخلّت الرسالة عن قدسيتها. صار المهم هو “الترند”، لا الحقيقة. الانتشار، لا التأثير. الإثارة، لا الوعي. فغاب الإعلام الواعي، وتراجع الصوت الرصين، وحلّ محله صخب يبيع الوهم، ويصنع النجومية من الفراغ. وهنا تُقتل الثقافة، ويُشوَّه الوعي الجمعي، وتُدار المجتمعات بالعاطفة لا بالعقل. إنسانيًا، هذا المقال ليس هجومًا على أحد، بل بكاء على حالنا. هو رجاء خالص، واستعطاف صادق، وتوسل لكل ضمير حي، لكل قلب نقي، لكل عقل ما زال يؤمن أن العلم رحمة، وأن العالم أمان، وأن الثقافة هي أساس البناء الحقيقي للأمم. 

نحن لا نرفض التطور، ولا نُحارب التقنية، لكننا نرفض أن تُستعمل لهدم القيم، وتشويه الوعي، وتكريم الجهل. يا أصحاب القرار، يا مربين، يا إعلاميين، يا آباء وأمهات، اتقوا الله في عقول أبنائنا. أعيدوا للعالم مكانته، وللمعلم هيبته، وللعلم قداسته. ازرعوا في النفوس أن الطريق الطويل هو الأصدق، وأن التعب شرف، وأن المعرفة ليست رأيًا عابرًا، بل مسؤولية وأمانة. 

هذا نداء رحمة قبل أن يكون صرخة غضب. نداء رجاء قبل أن يتحول إلى ندم. فالأمم لا تنهار فجأة، بل تسقط حين تكرّم الجهل، وتقصي العلم، ثم تستيقظ متأخرة… ولا تجد من ينقذها. في النهاية، لسنا بحاجة إلى مزيد من الأصوات، بل إلى ضمير. نبكي خوفًا على علم يُقتل بصمت، وعلى عالم يموت وحيدًا. نرجوكم، أنقذوا ما تبقى من نور العقول، قبل أن نصحو يومًا فلا نجد طبيبًا صادقًا، ولا معلمًا أمينًا، ولا أمة تستحق الحياة، ولا مستقبلًا يحترم الإنسان والعلم والرحمة والحق، ويخاف الله في العقول والقلوب الحيّة الصادقة.

اقرأ المزيد

alsharq المشهد الخليجي.. حتى لا ننجرف مع التفاصيل

أكثر من شهر والخليج يعيش كما المرة الأولى التي عاشها عام 90 وأحداث غزو الكويت، حيث وجد نفسه... اقرأ المزيد

27

| 09 أبريل 2026

alsharq المجال الحيوي بين زمنين

فكرت أن أبتعد قليلا عن هذه الحرب، لكن داهمني النوم، النوم والله، بسؤال عن المجال الحيوي. استقر باحثو... اقرأ المزيد

42

| 09 أبريل 2026

alsharq الهدنة التي كشفت موازين جديدة

في أوقات الحروب لا تظهر فقط نتائج المعارك، بل تنكشف معها حقائق سياسية واستراتيجية كانت لسنوات طويلة غير... اقرأ المزيد

21

| 09 أبريل 2026

مساحة إعلانية