رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

288

إبراهيم عبد المجيد

المجال الحيوي بين زمنين

09 أبريل 2026 , 03:23ص

فكرت أن أبتعد قليلا عن هذه الحرب، لكن داهمني النوم، النوم والله، بسؤال عن المجال الحيوي. 

استقر باحثو التاريخ على تفسير نهوض الإمبراطوريات القديمة واتساعها، على نظرية المجال الحيوي. فكل امبراطورية كانت حين تظهر وتنمو، تجد فيما حولها من بلاد أو امبراطوريات ضعفت، فرصة للتوسع فيها باعتبارها مجالها الحيوي. كل الإمبراطوريات فارسية ويونانية ورومانية وعثمانية وإسلامية، فعلت ذلك، وبعدها ما سُمي في التاريخ بالاستعمار.

كل تلك الحروب كانت معروفة لمن عايشها، لكن بقية العالم كان يعرف متأخرا، فلا صحافة تنتشر ولا إذاعات، وطبعا لا وسائل تواصل اجتماعي. تغير العالم وصار هاتفا نقالا في يد الجميع، وصارت فيه مؤسسات وهيئات دولية وأهلية حامية لحقوق الناس، فكيف وسط هذه الحياة تفكر إسرائيل في التوسع فيما حولها. التاريخ لا ينسى ما فعلته إنجلترا وهي تنسحب من بلاد احتلتها، وكيف تركت وراءها «خوازيق» كما نقول في مصر، لتظل المناطق التي تنسحب منها، مركزا لصراع يوقف تطورها. الخازوق الأول كان اسرائيل ولا يزال، والثاني كان دولة أفريقيا الجنوبية. انتهت عنصرية جنوب افريقيا بعد كفاح عظيم، وصارت دولة ديمقراطية، وظل الخازوق الصهيوني الذي طبعا يجعل الديمقراطية للصهاينة، وليست لأهل البلاد الأصليين من فلسطينيين، لأن إسرائيل تعرف أن دولة ديمقراطية للجميع ستنتهي بوصول أغلبية عربية للكنيست، فتتغير الأحوال ويذوب الصهاينة بين العرب. تأتي أمريكا وتؤيد أن تتوسع إسرائيل فيما حولها، غير مدركة ما وصلت إليه هذه الدول من تطور في السلاح والعلوم وغيرهما، وأن هذا التفكير القديم لم يعد يجدي. لا تدرك أن اتساع النفوذ الآن يعني تبادل الصناعات والعلوم وغير ذلك، وليس بالاحتلال. 

الصين التي هي على الناحية الأخرى من أمريكا مثلا، ترى كثيرا جدا من صناعاتها في أمريكا نفسها، وفي بلادنا تجد صناعات من الصين واليابان وتركيا وغيرها، بلا وجود سياسي لهذه البلاد. والسؤال هل ضاقت الأرض المسروقة بالصهاينة لتتسع دولتهم؟ هل حتى بعد التطبيع مع مصر وغيرها، رأينا انتاجا صناعيا أو علميا في بلادنا لإسرائيل؟ هل فهمت اسرائيل معنى التطبيع لتتسع بالتبادل التجاري والصناعي وغيره، أم فهمته على هواها فلا حرب معها، فلتحارب هي وتحتل البلاد؟ نقترب من نصف قرن من التطبيع مع مصر، ولا نرى أي وجود إسرائيلي في حياتنا، غير من يأتون إلى منطقة شرم الشيخ لقضاء الوقت على الشواطئ، أو من يهربون منذ أحداث غزة ويتزايدون الآن، ولا يغادرون شرم الشيخ إلى بقية بلاد مصر، ويدركون كما قال موقع نتسيف العبري أنه «لو تكلمت الطيور في مصر سوف تنطق بالعداء لإسرائيل». 

 فاجأتنا إسرائيل بإحياء الفكرة الخرافية عن أرض الميعاد، وهي الفكرة التي نجحت في الوصول بالصهاينة إلى أرض فلسطين، بمساعدات من إنجلترا وغيرها، ومن خيانات لقناصل الدول الأجنبية في فلسطين، التي صارت تشتري الأرض من كبار الملاك، من غير الفلسطينيين من فضلك، وتبيعها للصهاينة، وإذا شئت معرفة دقيقة فاقرأ كتاب «دور القناصل الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي 1840-1914» للباحثة الفلسطينية نائلة الوعري. فضلا عما فعله الصهاينة أنفسهم من اغتصاب للبيوت والمزارع. 

والسؤال كيف يمكن لبلد صغير مثل إسرائيل، أن تفرض نفوذها على بلاد عظمى حولها لها تاريخ. لقد فشلت إسرائيل أن يكون لها مجال حيوي بالتطبيع، وستفشل أن يتسع مجالها الحيوي بالغارات والإبادة، في عالم صارت للسيطرة على المجال الحيوي وسائل أخرى. إسرائيل تعرف وتتجاهل في غباء، أن شعوب المنطقة لم ولن تحقق لها السيطرة، مهما حل بالمنطقة من خراب. 

مساحة إعلانية