رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سمير محمد سلوم

مساحة إعلانية

مقالات

114

د. سمير محمد سلوم

قطر بين الأصالة والعولمة

30 يناير 2026 , 01:34ص

في قلب الدوحة الحديثة، بين ناطحات السحاب والمراكز التجارية، وبين الأسواق الشعبية القديمة، تتكشف صورة المجتمع القطري في زمن العولمة: مجتمع يسعى لإيجاد توازن دقيق بين قيمه التقليدية العميقة، ونمط الحياة الحديث الذي يفرضه العصر الرقمي والانفتاح العالمي، هذا التوازن ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة للحفاظ على هوية وطنية قوية وسط تيارات التغيير السريعة.

 لطالما شكّلت القيم التقليدية في قطر أساس المجتمع وروحه، فالروابط الأسرية المتينة، واحترام الكبير، والتكافل الاجتماعي، والاعتزاز بالموروث، جميعها عوامل صقلت الهوية القطرية، وجعلتها متماسكة عبر الأجيال، فهذه القيم لم تكن مجرد عادات جامدة، بل نظام حياة يمنح المجتمع استقرارًا ووعيًا بالانتماء، وهو ما يميز قطر عن غيرها من المجتمعات التي تأثرت بسرعة بالعولمة وفقدت هويتها.

 ومع ذلك، فرضت العولمة وسرعة التطور التكنولوجي على الشباب نمطًا جديدًا من الحياة، مختلفًا عن أجيال سابقة، فوسائل التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الرقمية، والانفتاح الإعلامي، لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت تشكل طريقة التفكير والسلوك اليومي، وتعيد رسم أولويات الشباب واهتماماتهم، فالشباب اليوم يعيشون تجربة مزدوجة: التمسك بالهوية الوطنية والتقاليد الراسخة، وفي الوقت نفسه الانفتاح على أفكار وأساليب حياة حديثة مستوحاة من العالم الخارجي.

 ويظهر التحدي الأكبر في كيفية إيجاد توازن ذكي بين الأصالة والمعاصرة، فالسياسات التعليمية والثقافية في قطر لا تقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل تعمل على دمج الموروث الوطني في المناهج الدراسية، وغرس قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية، مع تزويد الشباب بمهارات التفكير النقدي والقدرة على التفاعل الإيجابي مع العالم، كما تسهم الفعاليات الثقافية والفنية في تعزيز الوعي بالتراث الوطني، وخلق مساحة للشباب للتعبير عن أنفسهم بطريقة تحافظ على الجذور، دون أن تمنعهم من الابتكار والتجدد.

 إن صراع الحداثة مع القيم التقليدية ليس تهديدًا فقط، بل فرصة لإعادة صياغة الهوية بطريقة أكثر مرونة وقوة، فالمجتمع الذي يحافظ على جذوره بينما يواكب العصر، قادر على تحويل الضغوط والتحديات إلى فرص، وصناعة مستقبل متوازن، يجمع بين الاعتزاز بالتراث والانفتاح على العالم، ويجعل قطر نموذجًا حيًا للمجتمعات التي تحمي هويتها في زمن العولمة.

 فالهوية القطرية ليست مجرد ماضٍ تتذكره الأجيال، بل مستقبل يُصاغ اليوم، والمفتاح هو التوازن الواعي بين الجذور والابتكار، بين التقاليد والتجدد؛ لضمان أن يظل المجتمع محافظًا على ذاته، ومواكبًا للعصر في آن واحد.

مساحة إعلانية