رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
ينطلق العالم أجمع في سباق الألفية الجديدة بشكل صاروخي - ونحن في بدايات عقدها الثالث - نحو العلم والمعرفة، وإذابة الحواجز، والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة، وفي أثناء هذا الانطلاق المتسارع قد تندثر هُويات متعددة، وتتشكَّل هُويات جديدة أقل ارتباطاً بأصولها لتتماهى (أو على الأقل تتماشى) والواقعَ الـمَعيش في زمان "الانفجار الحضاري العظيم".
والتغيير سُنَّة كونية خلق عليها الله تعالى الخلق، ووقفنا على كثير من ملامحها من خلال دراسة التاريخ البشري وما مر به من مراحل ازدهار وانحدار، ولعلنا نعيش في هذه الألفية أرقى مراحل الحضارة الإنسانية بما توصل إليه العلم والتكنولوجيا من إنجازات باهرة تكاد لا تُتصوَّر قبل عشر سنين مضت.
وهذه السُنَّة التغييرية قد تجعل البعض يتصور أن العالم أجمع ينبغي أن يذوب في هذه البوتقة الحضارية الضخمة، إلا أننا - عرباً ومسلمين - لدينا هُوية خاصة تبلورت عبر تعاليم ديننا الحنيف، وصُقلت على يد سيد البشرية ونبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالعنصر الذي شكَّل هُويتنا وحاطها في آنٍ معاً، بعد الدين الإسلامي وأخلاقه السمحة، هو لغتنا العربية التي جمعت ملايين البشر على هذه البسيطة، وحظيت بحفاوة ربانية حين اختارها الله لتكون لغة كتابه العزيز الذي أنزله نوراً وهدى للعالَمين، بل للكون جميعاً.
ومن المتخيل أن تضعف اللغة العربية وغيرها من اللغات بناءً على ما أسلفنا من القول باندماج الحضارة العالمية وتماهي عناصرها المتمايزة في بعضها، تماهياً إيجابياً متوازناً، لا انسحاقاً كتبعية المغلوب للغالب. ولكننا، بالرغم من التسليم العام بهذه الفكرة (على ما يوجَّه إليها من نقد، بل و"نقضٍ" أحياناً!)، ندرك تماما أن لغتنا العربية محفوفة بعناية إلهية حيث نزل الذكر الحكيم (كما سبقت الإشارة) بها دون سواها، فقد قال تعالى: "إنا نحن نَـزَّلنا الذكر، وإنا له لحافظون" (الـحِجْـر: 9).
(2)
وقد أسهمت عناصر عديدة في إضعاف اللغة العربية، اهتم برصدها وتحليلها الباحثون في حقول اللغة والمهتمون بالسياقات الثقافية عامةً.. ونكتفي هنا ببعضها فقط؛ رعايةً للاختصار وطلباً للتركيز.
- قلة الجهود المبذولة لتطوير مناهج علوم اللغة العربية وآدابها في المدارس والجامعات بشكل عصري مواكب للتقنيات الحديثة.
- ضعف الإعداد للأَطْـقُم التدريسية القائمة على تدريس اللغة العربية، وانعدام دافعية التعلم التطويري الذاتي عند الكثير من المعلمين بسبب كثرة المهام وازدحام الوقت.
- السياسة التعليمية الخاصة في بعض المدارس ثنائية اللغة، التي تقلل من النصاب العام لتدريس اللغة العربية في الجدول الأسبوعي لحساب بقية المواد الدراسية.
- مبالغة بعض المؤسسات وجهات العمل في اشتراط إتقان اللغة الانجليزية للحصول على وظيفة عادية في المجتمعات العربية.
- بعض الأسر تعتني بتعليم الطفل اللغة الإنجليزية لغةً أولى؛ استجابة لاحتياجات سوق العمل، أكثر من العناية باللغة الأم؛ مما يضعف اللغة العربية في قاموس الطفل، حتى على مستوى الخطاب اليومي، بل وحتى على مستوى اللهجة العربية الدارجة في بعض الحالات! ولا مفرَّ من أن هذا الضعف سينسحب على أسرته المستقبلية، فتكبر "كرة الثلج" بتكرار هذه النماذج الأسرية.
- والبعض الآخر من الأسر يمارس التقليد الحضاري (أو بالأحرى: اللاحضاري!) دون وعي، معتبراً أن اللغة الإنجليزية هي لغة الوجاهة المجتمعية، فيحرص على تغذية هذه الفكرة "الاستتباعية" في محيطه ومحيط أبنائه.
والباحث في أسباب ضعف اللغة العربية قد يجد عشرات من الأسباب الظاهرة أو الكامنة، وهي تختلف (في جذورها وأبعادها وتجلياتها ونِسَبها) من مجتمع لآخر، ومن "شريحة" اجتماعية وأخرى، ولكن ما يعنينا في هذه المقالة المركزة هو سؤال العلاج والنهوض: كيف نحفظ تراثنا، المتمثل في لغتنا وهُويتنا، وننقذه من هاوية التدهور والضعف؟، وكيف ننهض من هذه الكبوة الحضارية؟.
(3)
موجز الحل، من وجهة نظري، انطلاقاً من اهتمامي القديم/ المتجدد باللغة العربية، يتمحور في مبادئ ثلاثة: الالتزام، والإلزام، والاستدامة، وقبل بسط رؤيتي ثلاثية الأبعاد هذه بشيء من التفصيل، أحدد أولًا بإيجاز وبأسهل العبارات المعنى الاصطلاحي لهذه المبادئ الثلاثة.
- الالتزام: هو تفاعل الذات الحر مع القضية أو الحدث، وتبنيهما (أو أحدِهما) عن قناعة وإرادة، وإن خالفا (أو أحدُهما) ميولَ الشخص ورغباته.
- الإلزام: هو فعل قوة خارجية عن الذات، كالسلطة الحاكمة أو التنفيذية أو التشريعية والقضائية، التي لها حق الأمر والنهي، أو التطبيق، أو المراقبة والمحاسبة.
- الاستدامة: هي الحفاظ على الاستمرارية والحياة اعتماداً على حُسن استثمار الموارد وتنميتها وتوسيعها.
أما سؤال: كيف نطبق هذه المبادئ في مجال الحفاظ على لغتنا العربية الأصيلة؟؛ فسأصوغ، بإيجاز وتكثيف أيضاً، جوابه في عدة نقاط في كل مجال على حدة.
(4)
1- الالتزام: يمكن تنمية التزام الأفراد بقضية العربية من خلال:
- التربية الوالِدية: حيث تكون العناية منذ البدء بتعزيز قيمة اللغة العربية في الأسرة، بوصفها حاضنةً للهُوية والقيم التربوية، فمثلاً يمكن أن يخصص الوالدان أوقاتاً أسرية دافئة للتحدث مع أطفالهم باللغة العربية الميسَّرة، أو قراءةِ قصص بالعربية قبل النوم، مع الحرص على مخاطبة الأطفال باللغة العربية عند تعليمهم تسمية الأشياء والأفعال بأسمائها، والتدرجِ عبر مراحل نمو الأطفال، وإدخالِ قصص التراث الإسلامي وقصص الأنبياء بصوغها العصري (والإنتاج الحديث في هذا المجال كثير ومتنوع)، وتشجيعِ الأطفال على عادة القراءة عموماً، وتعزيزِ إنجازهم وتثمينه بالتشجيع والمكافأة باستمرار، مع جعلِ هذا كله نمطاً حياتياً حياً وجذاباً بقدر الإمكان، وليس مجرد عمل يؤدى من غير روح!.
- من الممكن تنمية الالتزام كذلك عند الأسر بصورة جماعية/ اجتماعية.. حين تبادر الأسرة لدعوة بقية الأسر في الحي الواحد، أو الأسر التي ترتبط في علاقة قرابة أو زمالة لممارسة أنشطة أسبوعية كالمسابقات والفعاليات الـمَصوغة لتعزيز اللغة العربية، مع الحرص على تنوع هذه المسابقات والأنشطة بما يثري حياة الأطفال وينمي قدراتهم مع إمتاعهم وإسعادهم.
- التزام المعلمين الواعي بتشجيع استخدام العربية في الصفوف وخارجها، والتزامهم بتطوير وسائلهم التدريسية؛ لجذب الطلاب لمحتوى الدروس العربية، وخلق منافسة شيقة بين حصص اللغة العربية وغيرها من حصص اللغات الأخرى.
هذا.. مع العلم أن دائرة الالتزام دائرة "لولبية"، قابلة للتمدد والنمو،
ويظل بالإمكان إيجاد العديد من الأفكار التي تطبق على مستويات فئات المجتمع كافة، ولكننا نكتفي هنا بالأمثلة التي سقناها في هذا المجال.
(5)
2- الإلزام: يختص هذا العنصر، كما سبق، بالسلطة العليا في كل مجتمع.. حاكمةً، أو تنفيذيةً، أو تشريعيةً وقضائيةً، وبالإمكان تحقيق هذا المبدأ من خلال ما يلي:
- تبني الدولة، بوصفها سلطةً عليا، قضيةَ حماية اللغة العربية (إرثاً حضارياً، ووعاءً حاملاً وحافظاً للهُوية)، وسنَّ القوانين والتشريعات الملزمة لجميع الجهات بجعل اللغة العربية تحظى بمكانتها اللازمة، ومن الجدير بالذكر أن دولتنا الفتية قطر قامت بجهود رائدة في مجال سن قوانين حماية اللغة العربية، وجعلها اللغة الأولى في المخاطبات الرسمية والاجتماعات والمكاتبات في جميع الوزارات والهيئات والدوائر الحكومية.
- ومن مظاهر الإلزام التي ترجمت على أرض الواقع ما نجده من حرص على استخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة في دولة قطر، وما نرصده من برامج مرئية ومسموعة ومكتوبة مصممة بهدف رفع الوعي المجتمعي بقضية الهوية العربية المتمثلة في سلامة اللغة العربية.
- صناعة المناهج: لابد أن تنال هذه المسألة عناية القائمين على التعليم في كل مجتمع، ولابد من استثمار جانب من الموازنات المالية التي تخصصها الدولة لبندي التعليم والصحة، من أجل تطوير مناهج اللغة العربية، مع الاستفادة من الخبرات الدولية والمحلية، ودمج التكنولوجيا الحديثة بشكل تطبيقي لإحياء دروس العربية وجعلها مواكبة لروح العصر واحتياجاته، جاذبة للطلاب، وقريبة من حياتهم وخبراتهم اليومية، والمتتبع لجهود الدولة في مجال الإلزام سيجد نماذج أخرى عديدة تدل عليه واضح الدلالة.
(6)
3- الاستدامة: وهذا المبدأ الثالث مرتبط بسابقيه، ارتباطَ الصفة بالموصوف، وما فصَلناه إلا لتسهيل الطرح وفرز عناصره، والاستدامة تتأتى من خلال الآتي:
- الوعي التام من جميع أصحاب الشأن المهتمين باللغة العربية، هُويةً وطنيةً جامعةً، بأن قضية اللغة العربية ليست مجرد شعارات اجتهادية ترفع لمجرد إثبات أننا نعمل، بل لابد من أن يصاحبها إيمان حقيقي ويقيني بأهمية هذه الجهود، واعتبارها مصيرية في حفظ تراثنا لأبنائنا، وتجنيبهم ضياع الـهُوية مستقبلاً حين تزداد التيارات العالمية تماوجاً نحو "الامتزاج الشامل" على نحو ما يرى بعض المراقبين والمنظِّرين.
- لابد من إدراك أن هذه الجهود الحامية للغة العربية والـهُوية الوطنية لا سقف زمنياً لها، فلابد من استمراريتها وتغذيتها وعدم استعجال أثرها المجتمعي، فإن آثارها الإيجابية الواضحة ربما لا تظهر إلا في المدى البعيد، ومن الخطورة أن تتراجع أو تضعف، فضلاً عن أن تقف أثناء طريق العلاج والتأسيس.. وهو طريق طويل.
- لابد من تنويع مصادر دعم العربية؛ فبالإضافة للقوانين الملزمة، والبرامج الرسمية المعتمدة، والمناهج الدراسية، نحتاج إلى فعاليات واسعة، ومكررة، وجاذبة، وعصرية، موجهةً لجميع فئات المجتمع (كالتي تقدمها "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع").
- تفعيل الترجمة الفورية باللغة العربية لجميع المؤتمرات والدورات وحلقات العمل "الوِرش" والبرامج التدريبية المقدمة بلغات أجنبية، وجعلها متاحة أمام المتلقين والمهتمين؛ لتحقيق الاستفادة الكبرى من النتاج الإنساني في شتى القطاعات.
- التركيز على التجارب العملية الناجحة وتعميمها؛ ليستفيد منها أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع.
- وأخيراً.. لابد من تنفيذٍ أمثلَ لرؤية قطر المتعلقة بدعم اللغة العربية وربطها بالـهُوية الوطنية، يشترك فيه خبراءُ ومختصون يحللون الواقع المجتمعي للغة العربية، ويقيِّمون أهم الجهود المقدمة من جميع القطاعات، ثم يقدمون "إستراتيجية" شاملة تضطلع بتعزيز هذه الجهود والاستفادة منها على نطاق واسع؛ لدمج المتشابه وتقويته اختزالاً للكُلفة والوقت، وتأميناً للجهود من الضياع والتلاشي، وتلافياً للتكرار وعدم الاتساق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5793
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4902
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2256
| 23 أغسطس 2026