رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

387

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

حكمة "صون تزو" وبراغماتية ميكافيلي لإدارة العالم

30 أغسطس 2026 , 12:00ص

في عالمنا اليوم، يتم تشكيل الواقع الدولي على صدى طبول الحروب الباردة والساخنة، ولا يبدو أن الأمر بين واشنطن وبكين مجرد تصارع اقتصادي على السيطرة على موارد العالم، أو صراع تقني على رقائق أشباه الموصلات. إنها في عمقها مواجهة حتمية بين نظامين أو فكرتين تحكمان استراتيجية عقول صناع القرار في كلا البلدين. ولفهم ما يجري خلف الكواليس في البيت الأبيض وقصر الشعب ببكين، علينا أن ننزع مجهر التحليل السياسي الآني، ونرتدي عباءة الفلسفة التاريخية؛ حيث يتواجه الفيلسوف الصيني القديم "صون تزو" مع المفكر الإيطالي "نيكولو ميكافيلي" على رقعة الشطرنج العالمية.

يتمثل إرث "صون تزو" وكتابه الخالد "فن الحرب" في امتداد الفكر السياسي الصيني للشأن الدولي، إذ إن لهذه المدرسة في إدارة الحروب تأثيرات كبيرة؛ حيث تُعتبر الحرب ضرورة قصوى يُتجنب ما أمكن من عواقبها، وتُعد "أعظم درجات المهارة هي كسر مقاومة العدو دون قتال". إن الاستراتيجية الصينية تقوم على الصبر الطويل، وبناء النفوذ الهادئ، وتطويق الخصم عبر شبكات المصالح الاقتصادية والمبادرات الجيوسياسية مثل "الحزام والطريق"، دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. إنه منطق "الماء" الذي ينحت الصخر بالتدفق المستمر والصمت المهيب، منتظراً اللحظة التي تتآكل فيها قوة الخصم ذاتياً.

في الجانب الآخر، يتربص النسر الأمريكي من علو شاهق فوق قمة العالم متسلحاً بالمدرسة "الميكافيلية"؛ تلك الفلسفة السياسية الغربية التي تمنح الأولوية المطلقة للقوة الصارمة، والردع العسكري، والمبادرة الهجومية الحاسمة. في واشنطن، الغاية تبرر الوسيلة، والحفاظ على الهيمنة العالمية يتطلب استعراضاً مستمراً للعضلات، وفرض العقوبات، وتشكيل الأحلاف العسكرية السريعة، واعتماد مبدأ "الضربة الاستباقية". إنها استراتيجية "الأسد" الذي يفرض هيبته بالزئير والمخالب، حيث يُقاس النجاح بمدى القدرة على إخضاع الآخرين وفرض الإرادة بأسلوب مباشر وفوري.

هذا التباين الصارخ يفسر الكثير من السلوكيات السياسية التي نشهدها اليوم. فبينما تتحرك أمريكا باندفاع وسرعة، محاولةً حسم الملفات بـ "النقاط الفورية" وضمن دورات انتخابية قصيرة تفرضها طبيعة نظامها السياسي، تتحرك الصين بـ "النَفَس الطويل"، ناظرةً إلى العقود القادمة وليس إلى العناوين الإخبارية لصباح الغد. الاستفزازات الأمريكية في بحر الصين الجنوبي تقابلها بكين بـ "صبر استراتيجي" مدروس، ليس عجزاً، بل رغبة في استنزاف طاقة الخصم واستدراجه إلى مربع التعب والإنهاك الاستراتيجي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط هذا الاشتباك الفكري: أي المنطقين سينتصر في النهاية؟ هل ينجح منطق القوة والردع الميكافيلي في كسر الصعود الصيني عبر محاصرته قبل اكتماله؟ أم أن حكمة "صون تزو" ستثبت مجدداً أن النفس الطويل وبناء القوة الذاتية الهادئة هما الكفيلان بوراثة العرش العالمي دون خوض معركة كبرى قد تحرق الجميع؟

المؤكد أن العالم العربي يقف اليوم في منطقة الوسط بين هاتين القوتين، وهو ما يفرض على العواصم العربية ألا تكتفي بموقع المتفرج. إن فهم الفلسفة الكامنة وراء قرارات الدول الكبرى هو الخطوة الأولى لبناء استراتيجية عربية مستقلة، ترفض أن تكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو بيدقاً في رقعة شطرنج الآخرين. لقد علمتنا الجغرافيا، وأكد التاريخ، أن القوة دون حكمة تنتهي بالانتحار، وأن الحكمة دون قوة تظل عاجزة. وفي الصراع الراهن، قد لا يكون الفوز حليف الأقوى عسكرياً، بل حليف الأقدر على قراءة التاريخ واستشراف المستقبل بنظرة لا تغفل السلاح، لكنها تؤمن أولاً بالدهاء الاستراتيجي.

مساحة إعلانية