رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحامي عبد الله نويمي الهاجري

إنستغرام: @9999

مساحة إعلانية

مقالات

1227

المحامي عبد الله نويمي الهاجري

الأخطاء الطبية.. بين هاجس الحماية وضرورة التوعية

30 يونيو 2025 , 04:13ص

في زمن أصبح فيه التردد على المصحات والمستشفيات جزءا من حياة الناس، ليس فقط بسبب المرض، بل أحيانا بدافع الوقاية والمتابعة الصحية، تتزايد التساؤلات حول الحدود القانونية لمسؤولية الأطباء. وفي الحالة التي ينتج عن عملية العلاج ضرر، أو أعراض لم يتوقعها المريض فإن أسهل ما يمكن أن يقوم به هذا الأخير، هو اتهام الطبيب بالتقصير وارتكاب خطأ مهني. لكن الأمر في حقيقته ليس كذلك، لأن الأخطاء الطبية لها مفهوم قانوني دقيق وضوابط تحتاج فهما عميقا. فمتى يعتبر ما حدث مع المريض خطأ طبيا؟ وهل القانون فعلا يحمي المريض من الإهمال الطبي؟ وماذا عن حقوق الأطباء من التعسف في استعمال هذا المفهوم؟ وهل استطاع المشرع القطري تحقيق التوازن بين هاجس حماية المريض وضرورة التوعية بحدود الأخطاء الطبية؟

ليس مجرد شعور المريض بعدم الرضا عن نتيجة العلاج هو بالضرورة من الأخطاء الطبية، بل يفترض لنكون أمام خطأ طبي أن ينحرف الطبيب عن الضوابط والأصول المهنية عند تقديم العلاج بفعل إهمال، تقصير، ضعف خبرة أو تسرع في اتخاذ قرار غير مدروس. وهو يختلف بذلك عن الأعراض الجانبية أو المضاعفات المحتملة التي تكون عادة متوقعة الحصول بعد أخذ العلاج، حتى ولو تم ذلك وفق مراحل مضبوطة علميا. فالقانون في حالة المضاعفات أو الأعراض لا يعتبر الأمر خطأ طبيا في حد ذاته، بل يمكن أن يستنبط منها وجود الخطأ من عدمه إذا لم يتم احترام المعايير اللازمة ولم يتم الإفصاح عنها للمريض.

ولقد نظم المشرع القطري مسؤولية الأطباء عن الأخطاء المهنية عبر عدة نصوص قانونية، خصوصا القانون رقم 2 لسنة 1983 بشأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب وجراحة الأسنان، حيث تنص المادة 18 على حدود مسؤولية الطبيب كما يلي:

«لا يكون الطبيب مسؤولا عن النتيجة التي يصل إليها المريض إذا تبين أنه بذل العناية اللازمة ولجأ إلى جميع الوسائل التي يستطيعها من كان في مثل ظروفه لتشخيص المرض والعلاج.

ويكون مسؤولا إذا ارتكب خطأ ترتب عليه الإضرار بالمريض، وبخاصة في الأحوال الآتية:

أ- إذا كان الخطأ نتيجة جهله بأمور فنية يفترض في كل طبيب الإلمام بها سواء من حيث تشخيص المرض أو وصف العلاج المناسب.

ب- إذا كان سبب الإضرار بالمريض هو الإهمال أو عدم بذل العناية اللازمة.

ج- إذا كان سبب الإضرار بالمريض هو إجراء الطبيب عليه تجارب وأبحاثا علمية غير معتمدة فنيا.

وعليه فإن مسؤولية الطبيب تقوم فقط عند ثبوت الخطأ المهني، ولا يحاسب على النتيجة ما دام قد بذل العناية المطلوبة وفقًا لمعايير المهنة.

والملاحظ أن المشرع لم يقتصر فقط على إبراز مكامن مسؤولية الخطأ الطبي فحسب، بل ربطها بمبدأ المحاسبة، فبالإضافة إلى الجزاء المدني المترتب عنها وفقا للقواعد العامة، فإنه قد تقوم مسؤولية الطبيب الجنائية إذا ثبت الخطأ من جانبه، وقد يؤدي ذلك إلى إصدار عقوبات في حقه قد تصل إلى الحبس والغرامة بحسب المادة 22 من القانون المذكور، والمادة 311 من قانون العقوبات.

لكن الإشكال ليس في النصوص القانونية، بل في ضعف الوعي القانوني لدى العديد من المرضى بشأن التعامل مع حدوث الأخطاء الطبية في حقهم، والجهل بالطرق اللازمة للتسوية أو المطالبة بالحقوق.

ومن جهة أخرى، لا يمكن اعتبار الخطأ الطبي دائما تقصيرا أو سوء نية من قبل الطبيب، لأن بيئة العمل في هذا المجال بالتحديد معقدة بطبيعتها، وأحيانا تكون الحالة الصحية للمريض تستدعي اتخاذ قرارات وقتية لا تحتمل التأخير مما يزيد من فرص تخللها بالمخاطر والأخطاء. ولعل ذلك ما يبرر موقف المشرع من وضع حدود لتحميل الطبيب مسؤولية الخطأ وتأكيده على أن المعيار في ذلك هو مدى انحراف الأطباء عن السلوك السليم المعتاد.

وأمام هذه المعادلة الصعبة، كان من اللازم إيجاد آلية تضمن حقوق الطرفين وتقلل من حدة الأضرار، تتمثل في ضرورة التأمين ضد الأخطاء الطبية، حيث إن المؤسسات الصحية أصبحت ملزمة به، بهدف حماية الأطباء من التعسف في رفع الدعاوى وتوفير وسيلة قانونية تغطي تكاليف جبر ضرر المريض في حالة الأخطاء غير العمدية.

والقضاء بدوره عند الفصل في الدعاوى المرتبطة بالأخطاء الطبية، يكون واعيا بهذه المعادلة في حماية حقوق الطرفين، حيث أصبح يستعين بآراء خبراء طبيين في الحالات المعروضة أمامه، ولا يقضي بثبوت المسؤولية الطبية من عدمها، إلا بعد الحصول على تقرير فني يوضح الملابسات والظروف المتعلقة بكل الحالة.

وعموما فإن ضمان الحماية من الأخطاء الطبية ليس في تشريع القوانين وتحديد العقوبات في مواجهة الأطباء فقط، لأن ذلك لن يعيد المريض إلى حالته الصحية العادية، بل الضمان الحقيقي يكمن في الوقاية من وقوع الأخطاء عن طريق التكليف بمهنة الطب لأشخاص أكفاء بضمير مهني عال، ونشر التوعية الصحية والقانونية لدى الأفراد.

مع الإيمان دائما بأن مجال الطب مهنة إنسانية لا تخلو من الخطأ، لكن يجب دائما مراعاة الضوابط وتوفير الحلول الآمنة.

مساحة إعلانية