رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاءت الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة النرويجية أوسلو وجزيرة أوتاوا وأدت إلى مقتل أكثر من 90 شخصا على يد مسيحي متطرف، مفاجئة لكثير من المتابعين لتطور ملف الإرهاب في العالم خلال السنوات العشر الأخيرة حيث كان التركيز يكاد يكون محصورا في التيارات الإسلامية المتطرفة التي تدعي أنها تشن حربا جهادية ضد قوى الكفر والضلال في العالم.
فلم يتوقع أي من هؤلاء المتابعين والمراقبين أن تأتي تلك الهجمة الجديدة على يد تنظيمات مسيحية متطرفة من داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها التي أعلنت دولها حربا شاملة بقيادة الولايات المتحدة ضد "الإرهاب الإسلامي" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تم اتهام عرب مسلمين بالقيام بها.
وربما يكون هذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت وسائل الإعلام الغربية إلى التسرع في إطلاق الأحكام وتوجيه الاتهام للجماعات الإسلامية المتطرفة منذ اللحظات الأولى للهجوم بأنها تقف خلفه، حيث أعلنت أن الهجوم يحمل بصمات تنظيم القاعدة. وهو الأمر الذي سبب إحراجا كبيرا لهذه الوسائل بعد توصل جهات التحقيق إلى المنفذ الحقيقي لهذه الهجمات، كما أدى إلى فتح ملف دور وسائل الإعلام في نشر العداء للإسلام والمسلمين في السنوات الماضية.
ويرى البعض أنه ربما يعيد هذا الجدل الذي أثاره هجوم النرويج تصحيح الصورة النمطية للإرهاب والمحاولات التي جرت خلال السنوات السابقة لربطه بالإسلام والمسلمين، حيث سيتم إعادة توجيه البوصلة نحو الفاعل "الجديد" الذي دخل الساحة بقوة كبيرة وهي جماعات التطرف المسيحية.
وفي حقيقة الأمر فإن هذا الفاعل ليس جديدا تماما بل هو قديم قدم الحضارة الأوروبية وثقافتها التي قامت على أسس متطرفة في شتى المجالات، حتى إنه يمكننا القول إن جماعات التطرف المسيحية هي الابن الشرعي للثقافة الأوروبية التي أنتجتها الحضارة الأوروبية وسيطرت على مجتمعاتها طوال القرون الماضية.
ووصم الحضارة الغربية بالإرهاب جاء من قبل كتاب ومثقفين كثر بعضهم ينتمي إلى تلك الحضارة، منهم المفكر الفرنسي "روجيه جارودي" في كتابه "الإرهاب الغربي" الذي يتناول فيه جذور الإرهاب الثقافي والسياسي والاجتماعي للحضارة الأوروبية بالعودة إلى ثلاثة آلاف سنة مضت، وصولاً إلى الحضارة الأمريكية الحديثة.
في البداية يرد جارودي على الأساطير المؤسسة للعنصرية الغربية – التي تعد الأساس الأول لثقافة الإرهاب - والتي ادعاها مفكرون كبار مثل "بول فاليري " وغيره من مفكري أوروبا الذين يرون أن الحضارة الغربية هي حضارة فريدة من نوعها لم تسبقها أي حضارة أخرى، وهو ما يرفضه جارودي الذي أشار إلى أن ما اتفق على تسميته غربا، ولد في العراق ومصر أي في آسيا وإفريقيا، حيث بداية حضارات الإنسان التي نهل منها الغرب قبل أن يؤسس حضارته الحديثة.
ثم يفند جارودي أسطورة أخرى مثلت أساسا قامت عليه الكثير من الجرائم الإرهابية التي ارتكبها الغرب ضد شعوب العالم، وهي أسطورة شعب الله المختار العبرية، والتي لم يجد ما يؤيدها على الأرض في كل أبحاث الآثار التي جرت في منطقة الشرق الأوسط، ولا حتى الوجود العبري ذاته الذي قد يكون في أفضل حالاته قبائل عابرة هاجرت من الجزيرة العربية ضمن الهجرات الآرامية.
وقد أكد أن فكرة الشعب المختار كانت أكثر الأفكار دموية في التاريخ. فقد أوحت - بعد تطعيمها بمعارك يشوع الأسطورية إلى الطهريين البروتستانت (البيوريتنز) الانجليز، وهم طائفة بروتستانتية متشددة هاجرت من انجلترا إلى هولندا ثم إلى أمريكا التي اعتبرتها أرض الميعاد لها، وبهذا المبرر استأصلت منها الهنود الحمر وسرقت أراضيهم، إضافة إلى مذابح الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية التي أفنت حضارات متفوقة عرفت الصفر والحساب الفلكي الدقيق لأيام السنة والخسوف وفنون الزراعة وأقامت مدنا منظمة في البيرو والمكسيك وهندوراس، وأوضح أن هذا التعصب الديني بقي وراء السياسة الأمريكية ليومنا حتى أن الرئيس نيكسون قال "إن الله مع أمريكا ويريد أن تقود العالم".
ويشير جارودي إلى أن النهضة الأوروبية قامت على ظاهرتين وهما الاستعمار والرأسمالية التي تهدف إلى ظهور الإنسان ذي الهدف الأوحد الذي يتوقع أن يؤدي التطور اللانهائي للعلوم والتكنولوجيا إلى إشباع رغبته في السيطرة والمنفعة، أما الاستعمار فسعى لإيجاد مجتمع يزعم تحويل الإنسان الغربي إلى المعيار الذي يتم به تقييم كل شيء، وهو ما يعني تدمير كل الثقافات غير الغربية، وجميع الأنماط الأخرى للتفكير والحياة.
ثم يوضح أن تلك الثقافة الغربية المسيطرة منذ أكثر من خمسة قرون والتي تعتبر نفسها المصدر الوحيد الخلاق للقيم والمحور الفريد للمبادرة التاريخية، تقوم أساسا على ثلاث مسلمات للحداثة: مسلمة آدم سميث الَّتي ألَّهَت السوق، مسلمة ديكارت في علاقة الإنسان مع الوجود التي تجعله ملاك وسيد هذا الوجود، مسلمة فاوست الَّتي أدخلت الإنسان في عالم اللامعنى.
ويؤكد أن هذه المسلمات أسست لقوانين إرهاب الرأسمالية الكولونيالية التي خلقت تنافسًا وحشيًا دون حد شرعي، أو أخلاقي، حيث الغرب القوي يسيطر على باقي شعوب العالم وينهب ثرواتها بعد أن يستعبدها.
هذه الثقافة الإرهابية التي أوجدتها الحضارة الأوروبية تغلغلت في المجتمعات الغربية حتى أصبحت تمثل بنيتها الثقافية وقانونها الأساسي الذي يحكم العلاقات بين أفرادها. فيقول (فرانك براوننغ) في كتابه (الجريمة على الطريقة الأمريكية)، إن هناك سلطة متجذرة في المجتمع الأمريكي تختلف عن السلطات الأخرى المتعارف عليها سواء السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية أو السلطة الرابعة المتمثلة في الصحافة وكذلك السلطة الخامسة المتمثلة في مؤسسات القوة كالجيش والمخابرات. هذه السلطة المختلفة التي أطلق عليها السلطة السادسة، وصفها بأنها وراء كافة هذه القوى الاجتماعية، وهي قوة قادرة على التأثير في الحكومة، وفي القانون، وفي الاقتصاد، وفي الشرطة، وفي الأسعار، وفي الأذواق...إلخ، وأنها تغرز جذورها التي تمتد إلى عمق التاريخ الأمريكي، وأن تأثيرها فاعل وسيطرتها واسعة، وقدرتها متنامية باستمرار.
الثقافة التي أوجدت هذه السلطة السادسة تعود إلى نشأة هذا الكيان المسمى الولايات المتحدة مع هجرة البوريتانيين الإنجليز إلى الأراضي الأمريكية. ويتجلى ذلك في قول أحد هؤلاء البوريتانيين: "من الجلي أن الله دعا المستعمرين إلى الحرب حيث يركن الهنود إلى عددهم وأسلحتهم، يتربصون الفرص لارتكاب الشر"... إنها نفس الثقافة التي سيطرت على المجتمعات الأوروبية.. فهي تخرج من معين واحد.
ثقافة الإرهاب هذه التي نشأت مع نشأة المجتمع الأمريكي، تحالفت مع الرأسمالية المتوحشة التي خلقتها الثقافة الأوروبية لتنتج مزيجا رهيبا من العنف والإرهاب، تسعى من خلاله الدولة الأمريكية ـ قائدة الحضارة الغربية ونموذجها الأمثل ـ للسيطرة والهيمنة على مقدرات الشعوب وثرواتها ـ يساندها في ذلك باقي دول الغرب الاستعماري ـ ولا تتورع عن استخدام كل الوسائل لتحقيق مآربها، والتي يصفها لنا بشكل أوضح عدد من الكتاب الأمريكيين أبرزهم نعوم تشومسكي في كتابه "ماذا يريد العم سام؟" الصادر في عام 1998 وكتاب "القوة والإرهاب، جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية" الصادر في عام 2003 وكذلك وليم بلوم في العديد من كتبه ومن أبرزها كتاب "الدولة المارقة" الذي صدر في العام 2002 وكذلك في كتاب "قتل الأمل" الصادر في العام 2006.
وفي ظل ثقافة الإرهاب هذه يكون من الطبيعي نشأة وترعرع جماعات التطرف ذات الصبغة الدينية المسيحية التي تسعى لمواجهة المسلمين ودينهم الذي يعتبرونه التهديد الرئيسي لمملكة الرب المسيحية، عبر القيام بعمليات إرهابية ليس فقط ضدهم ولكن أيضا ضد الدولة التي سمحت لهم بالعيش وسط المجتمعات المسيحية.
وهنا نتساءل: هل ستؤدي تلك الهجمات بالفعل إلى إعادة تصحيح صورة الإسلام والمسلمين ليس فقط في أوروبا ولكن في العالم أجمع، التي تم فيها الربط بينهم وبين الإرهاب وإعادة اكتشاف جذور ثقافة الإرهاب الحقيقية لمواجهتها؟
الأيام القادمة سوف تجيب على هذا.. وإن كانت تجارب التاريخ تؤكد دوما على أن ثقافة التطرف الغربية تزداد وحشية بمرور الوقت وأنها ليست في وارد إعادة التصحيح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8898
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4797
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3324
| 16 سبتمبر 2026