رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من عادة الأستاذ نجيب محفوظ طوال حياته أن يقرأ كل الصحف الصباحية .. وكان يحرص على ذلك باعتباره مشاركة فاعلة فى الحياة العامة .. ولكنه فى أواخر سنوات عمره لم يكن يستطيع ذلك نظرا لضعف بصره ومشاكل كثيرة فى عينيه إضطرته لإجراء عدة عمليات جراحية .. ولكنه فى النهاية استسلم لإرادة الله وإستعان ببعض الأشخاص لقراءة الصحف له بينما هو ينصت بإهتمام بالغ .. ولحسن حظى كنت واحدا من هؤلاء السعداء الذين إستعان بهم الأستاذ .
وعندما ذهبت إلى الأستاذ نجيب محفوظ فى أحد الأيام بمكتبه بالقسم الأدبى بجريدة الأهرام بعد حصوله على جائزة نوبل بحوالى عام بناء على موعد سابق حيث كان من المقرر أن أقرأ له الصحف فى ذلك اليوم بالتناوب مع زميلى وصديقى الحاج محمد صبرى السيد سكرتير القسم الأدبى بالأهرام .. كان قد سبقنى أحد كُتاب السيناريو الذى ربما تأخر قليلا أو تباطأ لدى الأستاذ ليحظى بأكبر نصيب من وقت أديب نوبل .. رفع الأستاذ عينيه اللتان أصبحتا ضعيفتين .. وإبتسم لى لأنه تذكر موعدى معه وأشار لى بالجلوس .. وإلتفتَ إلى كاتب السيناريو ليقدم له نصيحة يُنهى بها اللقاء.. وقال :
- على من يتولى تحويل نص أدبى إلى عمل درامى تليفزيونى أو سينمائى أن يدرس العمل الأدبى جيدًا .. ويستخرج المواقف الدرامية الموجودة به حتى يمكنه أن يستفيد منها ليخرج بأحسن نتيجة .
والتفتَ إلىّ قائلا :
- الأمر فى النهاية يعود إلى مدى موهبة كاتب السيناريو وثقافته .
والقليل من الناس هم الذين يعرفون أن نجيب محفوظ نفسه قد كتب أو شارك فى كتابة سيناريو العديد من الأفلام السينمائية التى لاقت نجاحا كبيرا .. ومن بينها أفلام " شباب إمرأة " و " ريا وسكينه " و " لك يوم يا ظالم " و " الفتوة " و" أنا حرة " وأفلام وطنية عديدة من ضمنها " الناصر صلاح الدين " و " جميله بو حريد ".
ونلاحظ أن كل هذه الأفلام كانت لكتاب آخرين .. فهل كَتب نجيب محفوظ بعض أعماله الأدبية للسنيما والتليفزيون ؟ .. والاجابة كانت لا .. قاطعة وكبيرة .. لماذا؟
عن ذلك يجيب الأستاذ :
- " إن كتابة السيناريو والحوار فى هذه الحالة سيكون على حساب الإبداع الأدبى" .
ولاشك أن النصوص المكتوبه للأديب الكبير قد تم تقديمها على شكل مسلسلات بأعداد كبيرة زادت على الثمانية .. وفى معظمها كان يسلط الضوء على عدد من القضايا التى تهم قطاعا عريضا من المثقفين وغيرهم .. وكان يدرك مدى تأثير الدراما على الجمهور وخاصة المرئية بعد انتشار التليفزيون .
وقد قال أكثر من مرة فى مقابلاته مع وسائل الاعلام أن التليفزيون لديه الإمكانيات لتقديم الأعمال الأدبية أفضل من السينما .. حيث أن التليفزيون يسير فى نفس خط الرواية إلى حد كبير .. أما فى السينما فتكون الأفلام أقصر .. ولابد أن تكون مركزة .. فتضطر إلى حذف أجزاء كثيرة من النصوص الأدبية وتضيف أشياء كثيرة أخرى من عندها .
كل ذلك يحدث تحت مسمى المعالجات الدرامية وقد يؤدى ذلك إلى متغيرات يكون من شأنها عدم توضيح خبايا النص الأدبى المكتوب وفكر الكاتب أو حتى تزيينه .
ومن المعروف أن هناك تأثيرا متبادلا بين الإعلام والمجتمع من حيث التفاعل بين الفرد والرؤية المجتمعية .. وأن الإعلام فى محاولة منه لإرضاء الجمهور يلعب على بعض الأوتار التى ترغب فيها الجماعة من حيث تكريس القيم والمعتقدات التى يتبناها المجتمع فى وقت معين .
ويشير نجيب محفوظ إلى المواصفات الواجب توافرها فى النص الأدبى المراد تحويله إلى عمل درامى ناجح إلى أنه يجب أن يتسم بالحركة والتعيير حتى يأتى مضمونه متجاوبا مع الناس ويكون ناجحا .. وأن يمس ما يهمهم .
ويرى صاحب نوبل أن أفضل رواياته التى تحولت إلى أعمال درامية جاءت على يد كاتب السيناريو محسن زايد الذى كتب سيناريو " الثلاثية " للتليفزيون حيث تم تقديم جزءين منها هما " بين القصرين " و" قصر الشوق " ولم يُكتب للجزء الثالث " السكرية " أن يرى النور .
وإذا أمعنا قراءة النص الأدبى للثلاثية فسنرى أن نجيب محفوظ يعطى المرأة دور المراقب للمجتمع والمتأمل لأحواله والراصد لكل ما يطرأ عليه من متغيرات رغم أن النص الأدبى قد رأى النور منذ نصف قرن حيث كان دور المرأه غير واضح وحركتها محدودة للغاية وفى إطار ضيق .. ولكن " أمينه " من خلال شرفتها المغلقة تغرق فى أفكارها وتأملاتها ونظراتها المتلصصة عبر الفتحات الضيقة فى شرفتها .. ومن خلال ما تستطيع أن تراه أو ترى جزءًا منه أو ما يصل إلى أسماعها وهى تنتظر عودة السيد أحمد عبدالجواد إلى منزله ليلاً .. ومن خلال سلوكيات الرجل التى لم تعرف وحدها حقيقة هذه السلوكيات وما يجرى خارج البيت ليلًا أو حتى نهارًا .
وكانت هى الخط الدرامى الذى تبدأ به أحداث الثلاثية وتنتهى خلال ما يزيد عن الألف صفحة برحيل " أمينة " .. ؤالتى يرى بعض النقاد أنها نموذجًا للمرأة الحلم ويرى فيها البعض الآخر رمزًا لمصر من خلال تطور شخصيتها فى أجزاء الثلاثية .
أما النساء من النقاد فيحلو لهن - من منظور النقد النسوى - رؤية أنها إهتمام الكتب بالجوانب الخفية فى علاقة المرأة بذاتها أو بالعالم الخارجى من خلال الترويج للغيبيات والتركيز على العلاقات المجتمعية خلال النصف الأول من القرن العشرين والتعبير عن الرؤى الفلسفية التى جسدت الصراع بين القوى المتضادة على المستوى المعنوى وأيضا المادى .
وأخيرًا فإن أديب نوبل كان يقول لأصدقائه المقربين أن كتاب السيناريو يسألونه الرأى فى معالجاتهم لأعماله الأدبية إستنادًا إلى المبدأ الذى يعرفونه عنه .. وهو أن ما ينسب له هو النص الأدبى فقط .. ولكن فى مرات قليله ونادرة جاء له بعض كتاب السيناريو يسألونه الرأى والمشورة أو بالأحرى النصيحة - كما أسلفنا فى بداية هذا المقال - وكان يؤكد لهم أن ما يقوله لهم مجرد رأى وهم أحرار فى أن يأخذوا به أو لايأخذون .
ولكن المعروف والمؤكد أن أديب نوبل لم يسبب لهم أى متاعب على الاطلاق .. فهل هى دبلوماسية العباقرة أم حكمة الكبار؟
إذا أردت الاجابة .. أرجوك عزيزى القارىء أعد قراءة المقال من البداية .
وإلى موضوع جديد ومقال قادم بحول الله .
هذا المقال إهداء للقراء الأعزاء بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل أستاذنا العظيم نجيب محفوظ عن عالمنا .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4476
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2652
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1641
| 29 مايو 2026