رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

- دكتوراه في العلاقات الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

330

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"

02 يونيو 2026 , 10:20م

لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل مرت بتجارب قاسية كشفت لها خطورة الجمود الإداري وتجميد الكفاءات داخل الهياكل البيروقراطية المغلقة، ولعل التجربة البريطانية قبل إصلاحات "فلوتون" عام 1968 تُعد واحدة من أبرز النماذج التاريخية التي توضح كيف يمكن للبيروقراطية التقليدية أن تتحول من أداة لتنظيم الدولة إلى عائق يحد من قدرتها على التطور والاستفادة من عقول أبنائها.

فبعد الحرب العالمية الثانية، وجدت بريطانيا نفسها أمام تحديات اقتصادية وإدارية وتنموية ضخمة، في وقت كانت فيه الدولة بحاجة ماسة إلى الخبرات المتخصصة والعقول القادرة على التخطيط وإدارة الملفات المعقدة، لكن المشكلة لم تكن في غياب الكفاءات، بل في طبيعة الجهاز الإداري نفسه، في تلك المرحلة، كانت الخدمة المدنية البريطانية قائمة على نظام بيروقراطي جامد يقسم الموظفين إلى فئات مغلقة يصعب الانتقال بينها، وكان الموظف يُصنف منذ تعيينه داخل مسار محدد، ثم يبقى فيه لسنوات طويلة بغض النظر عن تطوره العلمي أو خبرته أو قدراته الحقيقية، وبذلك، وجد كثير من أصحاب الكفاءات أنفسهم محاصرين داخل وظائف روتينية، بينما بقيت المناصب العليا مرتبطة أحيانًا بالتصنيف التقليدي والخلفية الاجتماعية أكثر من ارتباطها بالكفاءة الفعلية أو القدرة على التطوير، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر آثار هذا الجمود بصورة واضحة، بطء في اتخاذ القرار، وضعف في الحراك المهني، وعدم قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات الحديثة، إضافة إلى إحباط كثير من الموظفين المتميزين الذين لم يجدوا مساحة حقيقية للنمو أو التأثير، أدركت بريطانيا لاحقًا أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد البشرية، بل في طريقة إدارتها، فالدولة التي تُهمل كفاءاتها أو تُبقي أصحاب المؤهلات العليا في غير مواقعهم المناسبة، تخسر جزءًا مهمًا من قدرتها على التطور والابتكار وصناعة السياسات الفعالة، ومن هنا جاء “تقرير فلوتون” التاريخي عام 1968، ليشكل نقطة تحول كبرى في الفكر الإداري البريطاني، حيث انتقد التقرير بصورة واضحة الجمود البيروقراطي وهيمنة الفئات الوظيفية المغلقة، ودعا إلى فتح الحراك المهني، ودعم التخصص، والاستفادة من الخبرات العلمية، وتطوير الخدمة المدنية على أسس أكثر مرونة وعدالة وكفاءة، كما مهّد التقرير لاحقًا لظهور نماذج أكثر تطورًا داخل منظومة الكابينيت البريطاني، تقوم على تحريك الكفاءات نحو المواقع الأكثر احتياجًا لها، بدلاً من إبقائها رهينة المسميات الوظيفية والقيود التقليدية، إن استحضار هذه التجربة اليوم ليس من باب المقارنة التاريخية فقط، بل للتأكيد على حقيقة إدارية مهمة وهي أن البيروقراطية حين تتحول إلى غاية بحد ذاتها، فإنها تبدأ تدريجيًا في تعطيل التنمية بدل خدمتها، فكم من كفاءة وطنية حصلت على مؤهلات عليا وخبرات متقدمة، لكنها بقيت لسنوات طويلة تنتظر فرصة للحراك أو إعادة التمكين، وسط ذرائع متكررة تتعلق بـ: عدم وجود شاغر، أو قيود الميزانية، أو التعقيدات الإجرائية، أو الخوف من الملاحظات الرقابية، ومع أهمية التنظيم المالي والإداري بلا شك، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الحوكمة وبين المرونة المؤسسية التي تسمح باستثمار الكفاءات وعدم تجميدها داخل مواقع لا تعكس قدراتها الفعلية.

فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد الشهادات التي يحملها أبناؤها، بل بقدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى قوة مؤسسية حقيقية داخل أجهزة التخطيط والسياسات والتطوير.

إن دعم أصحاب الشهادات العليا ليس ترفًا إداريًا، ولا مطلبًا شخصيًا لفئة معينة، بل جزء من معركة أكبر تتعلق بكفاءة الدولة نفسها، وقدرتها على بناء جهاز حكومي مرن، عادل، وقادر على الاستفادة من كل طاقاته البشرية.

ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من التجربة البريطانية هو أن تجاهل الكفاءات قد يبدو مشكلة فردية في بدايته، لكنه مع الوقت يتحول إلى تحدٍّ مؤسسي يمس جودة الإدارة وكفاءة التنمية واستدامة التقدم الوطني.

اقرأ المزيد

alsharq البلاستيك إلى منصات التتويج الصناعي

إن الصورة النمطية السلبية التي ارتبطت بمادة البلاستيك (Plastic) هي حكم مجتزأ يفتقر إلى الموضوعية إلى حدّ كبير؛... اقرأ المزيد

285

| 15 يونيو 2026

alsharq حين يكون الغياب عين الحضور!

إن الغياب في حقيقته أبعدُ من تواري الأجساد، واحتجاب الأبدان، إذ إن في منازله المعنوية مساحاتٌ رحبة تتسع... اقرأ المزيد

168

| 15 يونيو 2026

alsharq من الإلغاء إلى العقاب!

نعيش في عصر التواصل والوصول. يمكننا الوصول لأي أحد في أي مكان إن امتلكنا جهازا إلكترونيا مُحمّلا بالإنترنت... اقرأ المزيد

129

| 15 يونيو 2026

مساحة إعلانية