رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

habbsalah@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

189

د. صلاح أحمد الحبو

الملكية الفكرية: الوقود الخفي لاقتصاد المعرفة

02 يونيو 2026 , 10:34م

لم يعد التفوق الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين رهيناً بامتلاك الموارد الطبيعية أو التوسع في الأصول المادية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدول والشركات على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكار، ثم حماية هذا الابتكار وتوظيفه في خلق قيمة اقتصادية مستدامة. وفي قلب هذا التحول تقف الملكية الفكرية باعتبارها أحد أهم محركات النمو في عصر اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت الأفكار والبراءات والعلامات التجارية والبرمجيات أصولاً إستراتيجية تتجاوز في قيمتها الاقتصادية كثيراً من الأصول التقليدية. تكشف المؤشرات العالمية أن العالم يشهد تحولاً تاريخياً من اقتصاد يعتمد على ما يُستخرج من الأرض إلى اقتصاد يقوم على ما يُنتج في العقل. فوفقاً لتقديرات البنك الدولي، تسهم المعرفة والتكنولوجيا والابتكار بأكثر من 50 % من النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة، بينما تشير بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية إلى أن الصناعات كثيفة الملكية الفكرية تساهم بنحو 40 % من الناتج العالمي وتوفر ملايين الوظائف ذات القيمة المضافة العالية. كما تمثل الأصول غير الملموسة، مثل البراءات والبرمجيات والعلامات التجارية، أكثر من 60 % من رأس المال الإنتاجي في عدد من الاقتصادات المتقدمة، في حين أصبحت أكثر من 85 % من القيمة السوقية للشركات الكبرى ناتجة عن أصول غير مادية، مقارنة بأقل من 20 % فقط قبل خمسة عقود. هذه الأرقام لا تعكس تطوراً اقتصادياً فحسب، بل تعبر عن إعادة تعريف جذرية لمعنى الثروة نفسها. ففي الماضي كانت القيمة تُقاس بما تملكه الشركات من مصانع وآلات ومخزون، أما اليوم فأصبحت تُقاس بما تمتلكه من معرفة وابتكار وقدرة على حماية هذه المعرفة وتحويلها إلى منتجات وخدمات وأسواق جديدة. ومن هنا لم تعد الملكية الفكرية مجرد أداة قانونية لحماية الحقوق، بل أصبحت أصلاً إنتاجياً قائماً بذاته ومصدراً رئيسياً لتوليد الإيرادات وتعزيز القدرة التنافسية. وقد ازدادت أهمية هذا التحول مع "صعود الاقتصاد الرقمي الذي جعل البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي من أهم مصادر القيمة الاقتصادية". وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الرقمي يساهم اليوم بأكثر من 15 % من الناتج العالمي، مع توقعات بتجاوزه 25 % خلال العقد المقبل. وفي هذا العالم الرقمي، حيث يمكن نسخ المنتجات المعرفية بكلفة شبه معدومة، تصبح الملكية الفكرية هي الحارس الاقتصادي للابتكار، والضامن لاستمرار الاستثمار في البحث والتطوير والإبداع. كما تكشف سلاسل القيمة العالمية عن حقيقة لافتة؛ فالحصة الأكبر من الأرباح لم تعد تذهب إلى من يصنع المنتج، بل إلى من يبتكره ويصممه ويملك علامته التجارية وتقنياته الأساسية. ولذلك انتقلت مراكز القوة الاقتصادية تدريجياً نحو الدول والشركات القادرة على إنتاج المعرفة وتسويقها عالمياً، لا تلك التي تكتفي بإنتاج السلع التقليدية أو تصدير المواد الخام. غير أن هذا التحول يطرح تحدياً كبيراً أمام الاقتصادات النامية التي لا تزال مساهمتها في براءات الاختراع العالمية محدودة، وتعاني من فجوات في الإنفاق على البحث والتطوير وفي بناء منظومات فعالة لحماية الملكية الفكرية. ومن ثم فإن بناء اقتصاد تنافسي في المستقبل لن يتحقق فقط عبر الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل عبر الاستثمار في الإنسان والبحث العلمي والابتكار، وتطوير المؤسسات القادرة على تحويل الأفكار إلى أصول اقتصادية قابلة للنمو والتصدير. إن السؤال الاقتصادي الأهم في العقود القادمة لن يكون: من يملك الموارد الأكثر؟ بل: من يملك القدرة الأكبر على إنتاج المعرفة وحمايتها وتحويلها إلى ثروة؟ فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الأصول المرئية أمام الأصول غير المرئية، وتتنافس فيها الدول على استقطاب العقول أكثر من تنافسها على استغلال الموارد. وفي هذا السباق لن يكون الأغنى هو من يمتلك أكبر مخزون من النفط أو المعادن، بل من يمتلك أكبر مخزون من الأفكار القابلة للابتكار والحماية والتسويق. تلك هي الثروة الجديدة، وذلك هو الوقود الخفي الذي سيقود اقتصاد المعرفة ويصنع خرائط القوة والازدهار في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ المزيد

alsharq «مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية

.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد

198

| 04 يونيو 2026

alsharq مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟

عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد

126

| 04 يونيو 2026

alsharq حكاية سوء

حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد

123

| 04 يونيو 2026

مساحة إعلانية