رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من عادة الأستاذ نجيب محفوظ طوال حياته أن يقرأ كل الصحف الصباحية .. وكان يحرص على ذلك باعتباره مشاركة فاعلة فى الحياة العامة .. ولكنه فى أواخر سنوات عمره لم يكن يستطيع ذلك نظرا لضعف بصره ومشاكل كثيرة فى عينيه إضطرته لإجراء عدة عمليات جراحية .. ولكنه فى النهاية استسلم لإرادة الله وإستعان ببعض الأشخاص لقراءة الصحف له بينما هو ينصت بإهتمام بالغ .. ولحسن حظى كنت واحدا من هؤلاء السعداء الذين إستعان بهم الأستاذ .
وعندما ذهبت إلى الأستاذ نجيب محفوظ فى أحد الأيام بمكتبه بالقسم الأدبى بجريدة الأهرام بعد حصوله على جائزة نوبل بحوالى عام بناء على موعد سابق حيث كان من المقرر أن أقرأ له الصحف فى ذلك اليوم بالتناوب مع زميلى وصديقى الحاج محمد صبرى السيد سكرتير القسم الأدبى بالأهرام .. كان قد سبقنى أحد كُتاب السيناريو الذى ربما تأخر قليلا أو تباطأ لدى الأستاذ ليحظى بأكبر نصيب من وقت أديب نوبل .. رفع الأستاذ عينيه اللتان أصبحتا ضعيفتين .. وإبتسم لى لأنه تذكر موعدى معه وأشار لى بالجلوس .. وإلتفتَ إلى كاتب السيناريو ليقدم له نصيحة يُنهى بها اللقاء.. وقال :
- على من يتولى تحويل نص أدبى إلى عمل درامى تليفزيونى أو سينمائى أن يدرس العمل الأدبى جيدًا .. ويستخرج المواقف الدرامية الموجودة به حتى يمكنه أن يستفيد منها ليخرج بأحسن نتيجة .
والتفتَ إلىّ قائلا :
- الأمر فى النهاية يعود إلى مدى موهبة كاتب السيناريو وثقافته .
والقليل من الناس هم الذين يعرفون أن نجيب محفوظ نفسه قد كتب أو شارك فى كتابة سيناريو العديد من الأفلام السينمائية التى لاقت نجاحا كبيرا .. ومن بينها أفلام " شباب إمرأة " و " ريا وسكينه " و " لك يوم يا ظالم " و " الفتوة " و" أنا حرة " وأفلام وطنية عديدة من ضمنها " الناصر صلاح الدين " و " جميله بو حريد ".
ونلاحظ أن كل هذه الأفلام كانت لكتاب آخرين .. فهل كَتب نجيب محفوظ بعض أعماله الأدبية للسنيما والتليفزيون ؟ .. والاجابة كانت لا .. قاطعة وكبيرة .. لماذا؟
عن ذلك يجيب الأستاذ :
- " إن كتابة السيناريو والحوار فى هذه الحالة سيكون على حساب الإبداع الأدبى" .
ولاشك أن النصوص المكتوبه للأديب الكبير قد تم تقديمها على شكل مسلسلات بأعداد كبيرة زادت على الثمانية .. وفى معظمها كان يسلط الضوء على عدد من القضايا التى تهم قطاعا عريضا من المثقفين وغيرهم .. وكان يدرك مدى تأثير الدراما على الجمهور وخاصة المرئية بعد انتشار التليفزيون .
وقد قال أكثر من مرة فى مقابلاته مع وسائل الاعلام أن التليفزيون لديه الإمكانيات لتقديم الأعمال الأدبية أفضل من السينما .. حيث أن التليفزيون يسير فى نفس خط الرواية إلى حد كبير .. أما فى السينما فتكون الأفلام أقصر .. ولابد أن تكون مركزة .. فتضطر إلى حذف أجزاء كثيرة من النصوص الأدبية وتضيف أشياء كثيرة أخرى من عندها .
كل ذلك يحدث تحت مسمى المعالجات الدرامية وقد يؤدى ذلك إلى متغيرات يكون من شأنها عدم توضيح خبايا النص الأدبى المكتوب وفكر الكاتب أو حتى تزيينه .
ومن المعروف أن هناك تأثيرا متبادلا بين الإعلام والمجتمع من حيث التفاعل بين الفرد والرؤية المجتمعية .. وأن الإعلام فى محاولة منه لإرضاء الجمهور يلعب على بعض الأوتار التى ترغب فيها الجماعة من حيث تكريس القيم والمعتقدات التى يتبناها المجتمع فى وقت معين .
ويشير نجيب محفوظ إلى المواصفات الواجب توافرها فى النص الأدبى المراد تحويله إلى عمل درامى ناجح إلى أنه يجب أن يتسم بالحركة والتعيير حتى يأتى مضمونه متجاوبا مع الناس ويكون ناجحا .. وأن يمس ما يهمهم .
ويرى صاحب نوبل أن أفضل رواياته التى تحولت إلى أعمال درامية جاءت على يد كاتب السيناريو محسن زايد الذى كتب سيناريو " الثلاثية " للتليفزيون حيث تم تقديم جزءين منها هما " بين القصرين " و" قصر الشوق " ولم يُكتب للجزء الثالث " السكرية " أن يرى النور .
وإذا أمعنا قراءة النص الأدبى للثلاثية فسنرى أن نجيب محفوظ يعطى المرأة دور المراقب للمجتمع والمتأمل لأحواله والراصد لكل ما يطرأ عليه من متغيرات رغم أن النص الأدبى قد رأى النور منذ نصف قرن حيث كان دور المرأه غير واضح وحركتها محدودة للغاية وفى إطار ضيق .. ولكن " أمينه " من خلال شرفتها المغلقة تغرق فى أفكارها وتأملاتها ونظراتها المتلصصة عبر الفتحات الضيقة فى شرفتها .. ومن خلال ما تستطيع أن تراه أو ترى جزءًا منه أو ما يصل إلى أسماعها وهى تنتظر عودة السيد أحمد عبدالجواد إلى منزله ليلاً .. ومن خلال سلوكيات الرجل التى لم تعرف وحدها حقيقة هذه السلوكيات وما يجرى خارج البيت ليلًا أو حتى نهارًا .
وكانت هى الخط الدرامى الذى تبدأ به أحداث الثلاثية وتنتهى خلال ما يزيد عن الألف صفحة برحيل " أمينة " .. ؤالتى يرى بعض النقاد أنها نموذجًا للمرأة الحلم ويرى فيها البعض الآخر رمزًا لمصر من خلال تطور شخصيتها فى أجزاء الثلاثية .
أما النساء من النقاد فيحلو لهن - من منظور النقد النسوى - رؤية أنها إهتمام الكتب بالجوانب الخفية فى علاقة المرأة بذاتها أو بالعالم الخارجى من خلال الترويج للغيبيات والتركيز على العلاقات المجتمعية خلال النصف الأول من القرن العشرين والتعبير عن الرؤى الفلسفية التى جسدت الصراع بين القوى المتضادة على المستوى المعنوى وأيضا المادى .
وأخيرًا فإن أديب نوبل كان يقول لأصدقائه المقربين أن كتاب السيناريو يسألونه الرأى فى معالجاتهم لأعماله الأدبية إستنادًا إلى المبدأ الذى يعرفونه عنه .. وهو أن ما ينسب له هو النص الأدبى فقط .. ولكن فى مرات قليله ونادرة جاء له بعض كتاب السيناريو يسألونه الرأى والمشورة أو بالأحرى النصيحة - كما أسلفنا فى بداية هذا المقال - وكان يؤكد لهم أن ما يقوله لهم مجرد رأى وهم أحرار فى أن يأخذوا به أو لايأخذون .
ولكن المعروف والمؤكد أن أديب نوبل لم يسبب لهم أى متاعب على الاطلاق .. فهل هى دبلوماسية العباقرة أم حكمة الكبار؟
إذا أردت الاجابة .. أرجوك عزيزى القارىء أعد قراءة المقال من البداية .
وإلى موضوع جديد ومقال قادم بحول الله .
هذا المقال إهداء للقراء الأعزاء بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل أستاذنا العظيم نجيب محفوظ عن عالمنا .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30558
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17652
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4434
| 15 يونيو 2026