رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أي نظرة مجملة وتحليل متأن للفوضى والخراب السياسي والسيادي الذي يحدث في المنطقة العربية تقود إلى ذات النتيجة: المشروع الإيراني يزداد توسعا ورسوخاً، والمشروع الإسرائيلي يتعمق احتلالا واستيطاناً، وذلك كله على حساب العرب دولا، وشعوبا، وقضايا، وسيادات.
اليوم تقود الولايات المتحدة حربا عريضة وقائمة على تحالف عالمي ربما كان الأوسع والأكبر منذ الحرب العالمية الثانية ضد عدو تافه اسمه داعش. وتنخرط في هذه الحرب معظم الدول العربية بعضها بحماس. وبعضها بتردد. وبعضها الآخر شبه مرغم إذ لا خيار آخر، المستفيد الأول والأكبر من هذه الحرب هو إيران، والتي يبدو وكأن العالم كله وبقيادة أوباما نفسه ينفذ لها أجندتها الإقليمية ويطهر لها مساحات النفوذ ويهيئ لها الأرض كي تتمدد بسهولة، كل انتصار على داعش تحققه أمريكا وحلفها سوف يفتح مدى جديدا للنفوذ الإيراني الذي يمتد هلاله فوق العراق وسوريا ولبنان، ويبتلعها كلها ويتوقف عند الحدود الإسرائيلية ويحترمها!
داعش. واستباقاً لأي سوء فهم أو مظنة بأن هذه السطور تدافع عنه بأي شكل من الأشكال، جماعة ظلامية وإرهابية وتستحق أن تُدار ضدها كل الحروب، ما قامت وتقوم به من جرائم لم يدمر سوى العرب والمسلمين وبلدانهم، ولم يجر عليهم سوى المصائب والويلات، إنها الجماعة التي يلتقي فيها الفكر الماضوي المنغلق مع إخفاقات الحاضر واستبداداته وإفرازاته. وتسلط التفسيرات المتطرفة للنص والسياق التاريخي والسياسي معاً. داعش هي عمليا وتاريخيا إفراز تحالف الاستبداد الداخلي في البلدان العربية والإسلامية مع الاستغلال القاتل للنص الديني سواء من قبل الحكومات أو التنظيمات. وذلك كله تحت مظلة التدخلات الخارجية التي لم تتوقف في المنطقة وعمقت من تطرف جماعاتها المتطرفة ودفعت بها إلى مربعات قصوى من التعصب. معطوفاً على ذلك بهارات قادمة من الخارج هي النواتج لفشل عملية إدماج الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين في الغرب. وليس هناك من لكن هنا بحق هذه الجماعة وتفاهاتها. اللاكن هي بحق التدخل الأمريكي والغربي الذي يفشل في التوقيت وفي التدخل ضد الطرف المناسب في الوقت المناسب، هذا التدخل بل وأقل منه بكثير كان سيحسم كل المعركة التي دارت في سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف. وكان سيوفر دماء وحياة مئات الألوف من الأبرياء. وكان سيقطع الطريق على بروز داعش وأخواتها وكل ما هو قريب منها. كانت ثورة السوريين السلمية والراقية والبطولية تتصلب في التمسك بسلميتها في حين تعاظم بطش النظام الأسدي بها لدفعها نحو الهاوية. وقفت الولايات المتحدة ودول عربية كثيرة تراقب تردي تلك الثورة. وفتك النظام بها. وتدخل إيران الفج والوقح لمناصرة النظام وقمع الثورة. واستمرت القصة المعروفة تفاصيلها إلى أن وصلت درجة بروز الجماعات المسلحة التي عسكرت الثورة وفتحت بوابات سوريا لكل من هب ودب من متطرفي العالم. المسؤول الأول عن تدهور تلك الثورة وعدم نجاحها هو الدول العربية المحيطة والغرب بمجمله. والطرفان هما المسؤولان عن نشوء داعش واستقوائها وتوسع سيطرتها.
الأسئلة التي تزدحم بها عقول الملايين من عرب المنطقة لا تجد أجوبة عليها. والخشية كلها أنها ستواصل الضغط على عقول أصحابها حتى تصل إلى درجة الانفجار. وعلى رأس تلك الأسئلة: لماذا أعرض أوباما وأمريكا ومن ورائهم الغرب كله عن حرب إرهاب النظام الأسدي وإيقافه عند حده رغم كل المجازر التي قام بها. وترك الشعب السوري ضحية لآلة القتل اليومية. فيما نرى أوباما نفسه وأمريكته وغربه يتملكهم النشاط والقوة والإصرار على خوض حرب ضد داعش وفقط. ويُستثنى من الحرب إرهاب النظام الأسدي وكل الجماعات القادمة من إيران ولبنان والتي تؤيده في إجرامه ضد الشعب السوري؟ لماذا لم يتحرك العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة عندما قصف النظام الأسدي شعبه بالأسلحة الكيماوية التي كان يزعم بأنه يدخرها لحربه الإستراتيجية مع إسرائيل. وهي الحرب التي لم تحدث ولن تحدث أبداً؟
الأجوبة الأسرع نفاذا إلى عقل كل مراقب تتمحور حول مصلحة إسرائيل وأمنها واستقرارها بكون ذلك هو المحرك الأهم في أي سياسة أمريكية وغربية في المنطقة العربية. عوض ضرب النظام الذي ارتكب جريمة حرب بحق الإنسانية بحسب كل الشرائع الدولية. استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل خوف النظام من ردة الفعل الدولية وفرضوا عليه نزع سلاحه الكيماوي. وهو الأمر الذي خضع له النظام "الممانع" بكل سرعة واستجابة. مقابل أن يبقى في كرسي الحكم. إلى جانب إسرائيل تقف إيران اليوم في نفس الدرجة لجهة الاستفادة والحصاد الذي تجنيه من وراء السياسة الأمريكية التي تتحالف فيها العنجهية والعنصرية العميقة ضد العرب والفلسطينيين والدعم الأعمى لإسرائيل مع الغباء وقصر النظر الذي نشهده في كل حلقة من حلقات الحروب العمياء التي تشنها واشنطن في المنطقة. في كل دورة من هذه الدورات تقدم هدايا إضافية لإيران.
إذا اقتربنا أكثر لنا أن نقول إن تطور الحالة الداعشية في المنطقة العربية كان وليد حرب غزو العراق سنة 2003. والتي أفرزت نواتج وعمليات سياسية وإستراتيجية لا تسير في ذات الاتجاه. فمن ناحية أولى أسقطت الحرب صدام حسين واستبداده. لكن جاءت بما هو أسوأ منه: استبداد جديد ومن نوع طائفي هذه المرة. ومن ناحية جيو إستراتيجية قدمت الولايات المتحدة التي قادت الحرب مفاجأة ذهبية وخارقة للتوقع إذ قدمت العراق كبلد وحكومة ومنطقة نفوذ هدية على طبق من فضة لإيران. من تلك اللحظة الزمنية الحالكة في التاريخ العربي الحديث والمنطقة تسير من انحدار لآخر. ومن حلقة تجزئة وتفتت إلى أخرى ـ وفوق ذلك كله من جولة توسيع لنفوذ وسيطرة إيران على الجوار الإقليمي إلى أخرى.
إذا صدقت بعض التقارير الصحفية التي نسبت إلى أحد نواب العاصمة الإيرانية في خطبة عصماء قال فيها إن إيران تسيطر الآن على أربع عواصم عربية: بغداد، ودمشق، وسوريا، وصنعاء. فإن ما يحدث الآن من حرب لن ينتج إلا تكريسا للتوسع الإيراني الذي جوهره المشروع الفارسي الذي لا علاقة له بالدين ولا حتى بالشيعة والتشيع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2505
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2280
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026