رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في فجرٍ قطريّ عليل، كان البحر يلمع بألوان الشروق الحالمة، حين وصل الأوروبي الرشيق والأنيق “مايكل جون” إلى الدوحة بدعوةٍ من زميله “راشد”، وقد جمعتهما صداقة مهنية تمتد لأكثر من عقدٍ من الزمان في قيادة مشاريع صناعية ضخمة. واليوم، وقد بلغا معًا أواخر الستين من العمر، لم يكن صباحهما موعدًا لدراسة مشروع أو استعادة ذكريات الصناعة المليئة بالمتعة والصعوبة، بل كان موعدًا من نوع آخر.
“راشد”، ذو القامة المهيبة ووزنٍ يزيد على مائةٍ وعشرة كيلوغرامات، استجاب أخيرًا لنصائح الأطباء وتشجيع صديقه “مايكل”؛ فقرّر خوض رحلة ريجيم صارمة. وضعا خطة بسيطة وواضحة: نظامٌ غذائي، ونومٌ مبكر عند التاسعة مساءً، ومشيٌ يومي مع بزوغ الفجر. وما أن انطلقا معًا على المسار الساحلي حتى انبهر “مايكل” بسحر وجمال كورنيش الدوحة؛ بمياه الخليج الهادئ المتلألئة، وصفوف النخيل الفاتنة، وناطحات السحاب التي تتحدى الأفق بثقة، وكأن الكورنيش لوحةٌ تجمع بين حداثة المدينة وهدوء البحر.
لكن “مايكل”، مهندس المشاريع المتقاعد، لا يتخلّى بسهولة عن نظرته التحليلية المهنية. وبينما كان “راشد” يلهث بشدّة تحت وطأة الكيلوغرامات الزائدة، وقد بدأ العرق يتصبّب من جبينه، كان “مايكل”، بلياقته الرياضية، يواصل الركض الهادئ بثبات، وعيناه الزرقاوان تلتقطان أدقّ التفاصيل كما لو كان في جولة تدقيق وتقييم ميدانية لأحد المشاريع الصناعية. فرأى قوارب خشبية متهالكة غير مجهّزة لتوفير الراحة لمرتاديها، بألوانٍ عشوائية تجمع كل ألوان قوس قزح بلا تناغم، وسلالم صعود للسياح تبدو هشة كأنها تنتظر أول زلّة، وعمالاً يرتدون ملابس متهالكة يصعب التمييز بينهم: أبحّارة محترفون أم عمال عابرون قد لا يجيدون السباحة أو أساسيات الأمن والسلامة، ولا حتى ثقافة التعامل مع الزوار والسياح.
واصل “مايكل” رصد ملاحظاته: صيادون هواة يلقون صنّاراتهم بلا تنظيم أو مراعاة لإجراءات السلامة، تاركين على المقاعد الإسمنتية بقايا طُعم ذات رائحة نفّاذة ومخلّفات تشوّه المشهد العام وتزعج المارة. وعلى امتداد المسار تبرز قطع من البلاط غير متقنة التركيب قد تهدّد سلامة العابرين، فيما يبدو التشجير بلا رؤية جمالية أو تنسيق واضح، مع ندرة تكاد تكون معدومة للوحات الإرشادية. بدا الكورنيش في عينيه تحفة طبيعية ومعمارية… لكنه، في نظر المهندس الخبير “مايكل”، يحتاج إلى “مدير مشروع” أو مشرف حقيقي يقظ يدوّن الملاحظات الدقيقة ليُبرز جماله الكامل ويحافظ على سلامة مرتاديه وزوّاره، وخصوصًا السائحين. واستوقفته كذلك الحواجز الزجاجية الممتدة في بعض المقاطع؛ فارتسمت على وجهه نظرة متسائلة: أهو بالفعل الحلّ الأنسب لبيئةٍ تتقلب أجواؤها بين رطوبة وحرارة عالية وأحيانًا رياحٍ محمَّلة بالغبار؟ وكيف ستكون كلفة العناية بها وصيانتها مع مرور الوقت؟
بعد ساعةٍ من المشي، جلسا في مقهى يطل على الخليج الغربي لاحتساء مشروباتٍ باردة. عندها التفت “مايكل جون” إلى “راشد” بنبرة جادّة قائلاً:
“هل قام المسؤول المتخصص عن الكورنيش بتقييم وتحليل شامل لإدارة المخاطر قبل التطوير الأخير؟”
توقّف “راشد” عن ارتشاف عصيره، وحدّق في صديقه بدهشة مبتسماً:
“Are you serious… John…!
يا أبو جون… نحن في نزهة صباحية لا في جولة تفتيش لأحد المشاريع الصناعية!”
ابتسم “مايكل جون”، وفي عينيه الزرقاوين وميض خبرة راسخة يعكس سنواتٍ من التجربة، وقال بنبرةٍ تجمع حزمَ المهندس وهدوءَ المراقب:
“مستر راشد، الجمال لا يكتمل من دون مراعاة معايير الأمن والسلامة، وهذا المكان البديع يستحق دراسة شاملة لتقييم وتحليل المخاطر (Risk Assessment & Risk Analysis) تمامًا كما لو كان مشروعًا نفطيًا أو بتروكيماويًا».
ثم انحنى قليلًا إلى الأمام مستفسرًا بفضول:
“ومن هو المسؤول والمشرف المعني عن هذا الكورنيش المدهش؟”
هزّ “راشد” كتفيه وأجاب بابتسامة تجمع روح الدعابة بالتأمل: “لا أعلم على وجه الدقة… لكن يبدو أن تداخل الصلاحيات بين أكثر من مسؤول قد يفسّر بعض هذه الثغرات».
فرد “مايكل” وهو يرفع كوبه، قائلاً بثقةٍ تستند إلى خبرة وتجارب طويلة في إدارة المشاريع الضخمة:
“إنّ كورنيش الدوحة، بوصفه أحد أبرز المعالم السياحية في قطر، يحتاج إلى تقييم شامل لإدارة المخاطر (Risk Assessment) تتولاه جهة متخصصة محترفة، تضمن الإشراف عليه وتضمن السلامة لمرتاديه، وتحافظ في الوقت نفسه على استدامته وجاذبيته ومنظره الخلّاب».
وما أن همَّا بالمغادرة حتى توقّف “مايكل” فجأة، مشيراً إلى بقعٍ بنية متناثرة شاهدها على طول الأرصفة، أشبه ببصقاتٍ جافة على الأرض، وقال باستغراب:
“مستر راشد، ما سرّ هذه البقع البنية؟ وما حقيقتها؟”
ساد صمتٌ قصير، ثم ابتسم “راشد” ابتسامة مازحة وهو ينظر إلى ساعته:
“حان الوقت يا مايكل… علينا الآن أن نلحق بزيارة صديقنا خليفة، ولندع هذا اللغز للمسؤول أو المشرف! فلعله يجد له حلاً…”
ضحك “مايكل” وهو يلتقط حقيبته، بينما ظل السؤال معلّقًا كعلامة استفهام كبيرة: هل يرى المسؤول عن الكورنيش ما يراه الزائر؟ وهل يكتفي بمنظر الجمال والشكل الخارجي فقط؟
هكذا انتهى صباح الرجيم على كورنيش الدوحة بجرعةٍ من الدعابة، وتقرير هندسي غير معلن، وسؤال مفتوح قد يجد جوابه من المسؤولين الذين نأمل أن يدركوا أن “قطر تستحق الأفضل”.
الخروج من النفق القديم
«كيف حقاً خلت هذه المدينة من النساء؟ هذه مدينة عجيبة يا سيدي. طلبت كل امرأة من زوجها أن... اقرأ المزيد
222
| 29 يناير 2026
إنجاز قطري أولمبي لا مثيل له
اختارت آسيا مرشحها سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيساً للمجلس الأولمبي الآسيوي لتبدأ مسيرة المجلس نحو... اقرأ المزيد
129
| 29 يناير 2026
غبقات تسرق الروح
• أسابيع وأيام قليلة تفصلنا عن قدوم شهر رمضان المبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر... اقرأ المزيد
135
| 29 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2235
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1407
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026