رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية هذه صرخة ونداء بأنين كثير من النساء في قطر نوجهها لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي وقفت مع حفظ حق المرأة في أهم شؤونها "الأحوال الشخصية والأسرة" التي كفلها القرآن الكريم ورغم تلك الجهود المباركة نسرد حكايتها المؤلمة من أرض الواقع،
مسكينة هي المرأة عندما تجد نفسها أما لأطفال ورهينة طلاق تظن انه حل وهي تعلم أنها ستكون الضحية وانه ابغض الحلال إلى الله ليس لما له من آثار بالغة في تفكيك الأسرة وتشتت الأبناء فحسب، بل لما له من تبعات كبيرة تتحملها المرأة وحدها على الأغلب.
من هو الطرف الأضعف أو الطرف المستضعف في مجتمعات تخوض تقدما فريدا في حقوق المرأة ومكتسباتها؟
إنها المرأة في مجتمعات يظن البعض أنها أنصفت فيها إنصافا تحسد عليه ولكنها الأم، "نصف المجتمع التي لم تلبث أن تجد نفسها الحلقة الأضعف في سلسلة المجتمع الذي يسيره العرف الذكوري وتمجيد الرجل وتأليه سطوته ورجولته التي تفتك حتى بأبنائه بعد الطلاق في أنانية بحتة لدى الكثيرين تتحملها دائما شمعة تحترق لتنير درب الأسرة أسموها "المرأة".
من المعروف أن قانون الأسرة 22 لعام 2006 قد نظم المعاملات الأسرية وحدد الحقوق بين الطرفين، ومن المعلوم أن النفقة هي الدخل الوحيد الذي تعتمد عليه معظم المطلقات وأبنائهن في تدبير أمورهن وتأمين متطلبات الحياة الكريمة، ولأن التقاضي حق مصون ومكفول للمرأة حسب القانون يقتضي أن تتحرى فيه المحكمة تقدير النفقة ليس بمبلغ مقطوع، بل وفقا لوضع الطليق المالي ومدخلاته الشهرية وممتلكاته لتقدير نفقة الأولاد والطليقة مع مراعاة متطلبات الأبناء وارتفاع مستوى المعيشة بشكل يضمن العيش الكريم.
وحين انه يفترض أن تقوم المحكمة بالبت في موضوع النفقة إثباتا للحق وتسوية للمنازعات الأسرية صلحا، وحين انه قد يظن البعض أن المرأة وفقا للتطورات الواقعة في القانون بعد تحويله من مسمى الأحوال الشخصية وبمجرد رفع القضايا قد أنصفت، إلا إن هذا الاعتقاد خاطئ لسببين:
الأول: إن كثيرا من النساء يلذن بالصمت وينفقن وحدهن على الأبناء دون مطالبات ودون رفع قضية ودون محاكم ويعلم الله وحده معاناة المرأة المطلقة فليست الجميع عاملات ويعتمدن على مصدر دخل محدد، وحتى لو كان لهن دخل فهن عصاميات في التربية والإنفاق الذي يشيب له الرجل هذه الأيام فما بالنا بالمرأة، والغريب أن القانون لم يضع للمرأة إجراء تلقائيا أو آلية تحفظ كرامتها لصرف نفقتها ونفقة الأبناء دون اللجوء للمحكمة والتقاضي فلماذا تضطر للسير للمحكمة أمام أعين الناس التي لا ترحم، وفي ماذا؟ وعلى ماذا؟ أعلى حقّ ٍلأبناء ٍ يجب ان يتكاتف فيه الأب معها بل كل المجتمع ومؤسساته؟
من يرحم المرأة؟ علما بأن كثيرا ممن يسمون رجالا في مجتمعاتنا المنتفخة المنتشية لا تدفع فيه الرجل مراجله وكرامته وشيمه إلى الإنفاق لا على زوجة انفصل عنها أو انفصلت عنه، بل حتى على أبنائه الذين من صلبه ولو لمأكل أو مشرب وللأسف تجده على النقيض يصرف على المظاهر والملذات أو ربما "البعض" أو حتى على "بنات الهوى" وما لا يليق ذكره هنا احتراما للذوق والآداب العامة. في الوقت الذي ترزح فيه أسرته وصلبه ولحمه دون عائل ودون مورد.
والسبب الثاني: أن الفئة الأخرى من المطلقات تضطرها الظروف القاهرة وتردي الآليات التلقائية للنفقة أو غيابها كلية إلى أن تلجأ للمحكمة في المطالبة بحق أبنائها في تقاض مكفول نظمه لها القانون ولكنها تعاني الامرّين وينطبق عليها المثل القائل "كأنك يا بو زيد ما غزيت" ومن أين يأتي الألم؟
أولها: من تهرب الزوج وتنصله أو امتناعه أو مماطلته في معاناة لا يشعر بها سواهن، المحكوم لهن بالنفقة، فيمضين أوقاتهن في محكمة التنفيذ ومتابعة الإجراءات لتحصيل الحقوق التي أقرتها المحكمة وقد لا ينلن منها شيئاً، إما بسبب تعمد المحكوم ضده التهرب من دفع ما عليه حتى لو كان موسرا وللأسف، أو عدم مقدرته الإيفاء بالنفقة للمديونيات عليه، ولمن أراد أن يتأكد فليسأل القضاة قبل أن يسأل الضحايا من النساء وأطفالهن!!.
ثانيا: من طول إجراءات التقاضي في ارض العدالة "المحكمة" التي ترهق المرأة والأسرة وتجعلهما فترة دون مورد للصرف والإنفاق، وما قد تقتضيه من أعباء إضافة إلى مصاريف أبنائها من دفع أتعاب للمحامين المتابعين للقضية، والتي لا تجعل للحكم قيمة لصعوبة تنفيذه وعدم الجدية في ملاحقة الرجال المتنصلين من دفع حقوق أبنائهم وترك المرأة تعاني ذلك وحدها فضلا عن شكوى عدد من النساء تحيز بعض القائمين على قضايا الأسرة في صف الرجل باستئناف القضايا أو تطويل اجراءاتها في ظل نظرة ضيقة للمرأة ومعاملة جافة تجدها نساء اشتكين ممن يلجأن لهم في مظنة عدلهم لحفظ كرامتهن التي قَدْ تمتهن على أعتاب المحكمة التي طالما اجتهد مجلس الأسرة آنفا في أن يجعلها مفصولة عن القضايا الأخرى دون أن تجد الفصل المناسب في مبنى خاص يليق بمهامها ويحفظ خصوصية الأسر وليس فقط دور واحد في مبنى، ولا نعلم "مَن ْ؟" قبل "مَا؟" السبب في هضم حقوق المرأة التي بُح صوت المشرعين والقائمين على سياسات الأسرة في قطر لحفظها دون جدوى..
بل اشتكى لنا عدد من النساء من هدر خصوصيتهن وعدم مراعاة شعورهن النفسي عند موعد المراجعة من خلال وضع اسمهن كاملا بكتابته على باب غرفة القضاء، او تتم فيه مناداتهن بالاسم أمام ملأ من الحضور، وإننا لنعجب كيف تغيب سياسة المحافظة على الخصوصية ووضع آلية رقمية أو رمزية لكل قضية دون أسماء؟ فهل قضايا الأسرة في حق النفقة والسكن مشاع عام للتشهير بلبنة المجتمع الرئيسة؟ فضلا عن عدم وجود وثيقة بنود حقوقية بشكل عام تكون بمثابة عقد خاص يعلم فيه كل من الرجل والمرأة مسبقا ما له وما عليه قبل وقوع الطلاق امتثالا وردعا كما في بعض الدول الخليجية، الأمر الذي يحيل الجلسات هباء وحقوق الورق إلى الورق والتنفيذ في عالم من اليوتوبيا لم نرقَ له بعد رغم إسلامية حكمنا وإسلامية طرحنا وادعائنا بأننا مسلمون.
محامون قطريون متخصصون في محاكم الأسرة رصدوا معاناة النساء في تحصيل نفقتهن، والتطويل في تنفيذ إجراءات الأحكام القضائية وتكدسهن في محكمة الأسرة، فأطلقوا مشكورين مقترحا لإنشاء صندوق لدفع نفقة المطلقات والأرامل فوراً بعد إصدار الحكم، وتحصيل النفقات فيما بعد من المحكوم عليهم دون تعقيدات ودون أعباء مالية تتحملها المغبونة وحدها، وألا تضطر للذهاب لمحكمة التنفيذ للمطالبة بحقها، وقد تم نشر ذلك في الصحف وعلى موقع "محامين قطر" لمن أراد أن يصل للحقائق بنفسه ويفتح بها تحقيقا صحفيا استقصائيا يصل فيه صوت المظلومات في مجتمع تقدم المرأة القطري.
إن وضع آلية تنفيذية تلقائية للحكم للمرأة المطلقة وأبنائها بحقهم في النفقة والسكن دون لجوئها للمحكمة أمر حتمي، وتنفيذ الأحكام القضائية دون مماطلة وحماية وتقدير حقها وحق الأبناء ورفع مقدار النفقة في ظل مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة وفي ظل رفع الرواتب والأجور لمعيل الأسرة حاليا بات ضرورة ملحة مع وجوب وضع الضمانات القانونية والرقابة الدستورية على القوانين.
والأهم من ذلك كله يجب تجنيب المرأة دخول المحاكم من اجل لقمة عيش أبنائها فتلك لعمري اكبر اهانة لمجتمع مسلم وليس للمرأة فحسب، واكبر إدانة لتنصل أشباه الرجال من مسؤولياتهم.
هذا أنينهن فاسمعوه.....................
وقد سطر الله لنا مثلا فريدا في سورة مدنية نظمت لنا دستورا مدنيا في الحياة والمعاملات في أول عاصمة لدولة الإسلام فسمع الله سبحانه قول تلك المرأة التي تجادل رسول الله (ص) في زوجها ووصفها بأنها تشتكي إلى الله تقديرا لأهمية سماع شكواها وأحقيته فسمعها تعالى وحكم لها وانزل فيها سورة كاملة هي سورة "المجادلة".. بسم الله الرحمن الرحيم (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1))
فقالت عائشة رضي الله عنها فيها " تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية.
واستوقفت عُمَر رضي الله عنه، وهو يسير مع الناس، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها، حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها..
أيها القضاة، أيها المجتمع، ويا رعاة الحق الكريم هذا شرع الله، فلننزل إلى ارض الواقع وأرض المحاكم ولنسمع أنين النساء المطلقات وأبنائهن، ولنحفظ كرامة الأسرة القطرية ولنحمِها من التصدّع "إن الله سميع بصير"
ملاحظة:
هذا ولا ننسى أن نقدم تحية خاصة لكل رجل مطلق في المجتمع القطري حفظ حق أهله وهم يستحقون ذلك:
"وخيركم خيركم لأهله"
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3042
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
939
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1116
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
11355
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
3897
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3060
| 16 أغسطس 2026