رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تغير الشرق الأوسط إلى شرق الحرب والدم والمياه والبترول، أو في الجغرافيا السياسية هو الشرق الإسرائيلي، فإسرائيل هي محور الأحداث، وهي معيار التحالفات أو الصدام، وتصب نتائج الاستبداد العربي أو الاقتتال لصالحها، وهي التي تملك اليد الطولى على العرب من الاختراق الأمني والسياسي والاقتصادي إلى اليد العليا العسكرية المطلقة العنان فوق الأرض العربية، من الخنادق إلى الفنادق إلى المصانع وحتى الحركات الجماهيرية والقصور.
قال يوسي ادلين رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية في نهاية 2010 وهو يسلم مهام منصبه: "إننا اخترقنا مصر على الأصعدة المختلفة وأن أي نظام بعد مبارك لن ينجح دون قبولنا به".
حمل الهجوم الإسرائيلي على مجمع اليرموك للصناعات العسكرية بالخرطوم دلالات تعددت من معنى الأداء الإسرائيلي في إطار ما أطلق عليه صراع الأذرع الطويلة بين إسرائيل وإيران على الأرض العربية، إلى دلالة التفكك والعجز العربي، وهو يحاول الرد على اختراق طائرة حزب الله من دون طيار للدفاعات الإسرائيلية ووصولها إلى صحراء النقب قرب مفاعل ديمونة، وهو دلالة على أن الصراع في المنطقة شامل وميدانه الجغرافي مفتوح، حسب الأهداف الإستراتيجية التي لا تقف عند حدود موقع إيراني واستهداف إسرائيلي.
كانت النتائج العكسية لتحرك الشعوب العربية ضد الأنظمة الاستبدادية، دلالة خطر مازال قائما وأن تغير شكل الاستبداد وأصبح استبدادا تحت عباءة الدين، وكافة حالات الاستبداد هي بالضرورة تحتاج إلى تفاهم ما مع أمريكا والتسليم بأن أمن إسرائيل غاية تطلق يدها بلا حساب بالمنطقة.
الواقع في مصر يكاد يتجاوز احتمالات الحرب الأهلية في إطار الصراع على لقمة العيش والعدل الاجتماعي أو مجرد الصراع على السلطة إلى اتجاه يماثل العراق وأفغانستان أو العنف المسلح تحت عباءة الدين بغير هدف واضح سوى خلخلة الدولة لصالح أهداف أمريكية إسرائيلية. انتقل العنف من سيناء إلى داخل مصر وزاد من فعاليته حالة الانفلات الأمني وغياب الدولة والانكفاء على الذوات في صراعات السلطة والتمكين وتغيير الهوية.
وزاد على كل ذلك التعامل الهزلي في أمر العسكرية المصرية، وهو أدق أمور الوطن وأكثرها حساسية، فبعد أن كان الخطاب السياسي يتحدث عن مصر في إطار الوطن العربي انتقل إلى دولة بالشرق الأوسط وليتحول الأمر بعد ذلك إلى إمارة في خلافة إسلامية بينما الواقع يتحول بالأفعال والمصالح ونتائج الصراع المرصودة وغير المرصودة إلى منطقة نفوذ إسرائيلية بامتياز.
بعد يناير 2011 لم يعد هناك شيء بعيد عن النقاش والنقد، وكانت هتافات الحناجر تسبق بحث العقل وتأمله، وكان هناك من يزكي حالة "الحناجر" دون "العقل" في سبيل إعمال الاستحواذ وجرت المقامرة بأمر الوطن ودوره ومستقبل أبنائه وقدرته على إدارة الصراع في الإقليم.
التعامل مع العلاقة بين الجيش والدولة خارج السياق العلمي والسياسي ولمجرد إطلاق يد الاستحواذ دون إدراك للمسؤولية الوطنية، وصلت إلى حد الإهانة، والمساس بالروح المعنوية للقوات المسلحة للقوات المسلحة ويقارب الحرب النفسية، والمستفيد الأول منها هو العدو الإسرائيلي ذاته، وكأنه قتال عنه بالنيابة للعسكرية المصرية بتاريخها وانتمائها، حرب تهدم التماسك المعنوي والعقيدة للقوات المسلحة المصرية.
وتطرق التعامل مع العلاقة بين الجيش والدولة إلى محور المؤسسات التي تديرها القوات المسلحة اقتصاديا، واتهمت بأنها دولة داخل الدولة، وأنها تشغل الجيش عن مهامه القتالية، وكأن الواقع الاقتصادي المصري يدعم قواته المسلحة ولا يمارس التفريط في الأرض والمشروعات الاقتصادية التي كانت ظهيرا للجيش في حرب الاستنزاف وحرب 1973، بينما يجري التعامل مع قضايا الفساد في المجتمع وفق رغبات مكبوتة غير معلنة للتصالح ووراثة الإرث الناتج عن فساد النظام السابق دون تغيير ودون خجل.
إن الثقة بين الجيش والشعب هي أولى أسس العقيدة القتالية بأنه جيش الشعب في مواجهة مصدر الخطر الرئيسي الذي هو إسرائيل، ثم ثقة هذه القوات في أن هدف قيادتها هو ذاته هدف أمتها، وأن ما تملكه من سلاح يمكنها من أداء مهمتها وأنها لن تساق إلى حقل قتل، إن قيمة إحساس الجندي بجنديته وشرفه تتمثل بأنه قيمة الأمان والفخر لدى شعبه، بدءا من أسرته إلى كل طوائف الشعب.
إن هذه الحرب النفسية كانت تستكمل حلقات بدأت مبكرة للانحراف بهذا الجيش عن دوره في الدفاع عن أمن وطنه وتمكينه من الإمكانات اللازمة لأداء مهمته، حتى إن أصوات انطلقت في أعقاب حرب 73 تقول إن خط الدفاع عن مصر هو خط المضايق في الثلث الأول الغربي من سيناء، أي جرى تعديل مفاهيم استقرت من زمن الفراعنة عندما وصل أحمس في دفاعه عن مصر إلى مرجعيون بالجنوب اللبناني، وأعقب ذلك مقولة إن حرب 73 هي آخر الحروب، وجرى تحديد مصدر وحيد للسلاح تنشر الصحف الغربية الآن تحليلات أنه سلاح يمكن السيطرة عليه، ولم يخرج أحد ليرد عليهم ولو بطريقة عملية دون التصريحات التي صارت محل شك، فالسلاح لم يتم اختباره عمليا، ولا ندري مدى مواءمته للمهام القتالية المحتملة مستقبلا خاصة أن حاجزا جغرافيا بعمق سيناء ومانع مائي "قناة السويس" يحولان بين القوات المقاتلة وبين الخطر المتوقع مستقبلا والدائم وهو إسرائيل.
حدد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري بعد يونيو 67 أن الحرب القادمة هي حرب الصواريخ، كانت هذه هي الرؤية، وتمت ترجمتها على الأرض وظهرت نتائجها ابتداء من أسلوب مواجهة المدمرة ليلات حيث جرى إغراقها في أكتوبر 67 بلنشات صواريخ صغيرة لتكون أول حادثة مماثلة في تاريخ المواجهات البحرية، ثم مواجهة الطيران الإسرائيلي بالصواريخ المضادة للطائرات، ووصولا إلى مواجهة المدرعات بالصواريخ المضادة للدبابات، فلسفة ورؤية استتبعها بناء القدرات والأدوات والقيادة وخطط العمليات.
وهنا الفارق بين قائد أرضه محتلة وفرض الاحتلال عمق العازل الجغرافي والمانع المائي، وبين وضع تغيب فيه السيادة عن ذات الأرض ونواجه ذات المانع تحت دعاوي السلام، ولا نملك رؤية للمواجهة ولا فلسفة للرؤية في طبيعة المواجهة القادمة بينما عمق مصر الاستراتيجي يتآكل من حولها، وينتهك، وتصبح مطالبة بالدم أن تحمي مياه النيل وبالدم أن تحمي أعماق مياهها الإقليمية التي استولت إسرائيل على مخزون الطاقة فيها، وليس أدل على ذلك من آبار الغاز التي تحفرها إسرائيل بينما التعاقدات المصرية تسلم كامل المخزون ببعض المواقع للشركات المنتجة ولا يعلن أحدهم سببا منطقيا لهذا الاستعمار البترولي الجديد.
الأمم الحية تملك قدرة مراجعة النفس بالثورة أو من دونها، ولكن في إطار السلطة الوطنية الواعية بمصالح الوطن والمسؤولة عن القرار السياسي، على أن يتم ذلك في إطار دعم بناء الدولة وليس في إطار تفكيك مكوناتها الأساسية، ويتم ذلك في إطار مشروع رؤية متكاملة لنظام دولة الثورة بكافة المؤسسات.
يجب الانتباه بجدية عالية في محاولة إعادة البناء إلى مؤسستي الخارجية والمخابرات العامة، وهما مؤسستان إن لم تملكا إستراتيجية وطنية واضحة المعالم، تحولتا بالوجود الشكلي دون المضمون إلى عبء على الوطن في عالم يتسم بالمتغيرات السريعة، والصراعات المتداخلة بين العناوين وحقيقة الأهداف والمصالح.
إن كلا المؤسستين يمثلان خط الدفاع الأول عن الوجود الوطني، عن الأمن القومي لمصر، سواء ارتدوا قفازات حريرية في المحافل الدولية، لتغني الكلمة عن قتال ودم أن كانت تعبيرا صحيحا عن مصالح الأمة وفي مكانها وتوقيتها وخلفها إرادة شعب، أو ارتدوا قمصانا زرقاء في عالم الحرب السرية، فقد يكون جهد مجموعة من رجال العمليات السرية حائلا دون ضياع حق أو دون بذل دم ثمنا لحق جري اغتصابه في لحظات الغفوة. كلا المؤسستان لا يملكان التغاضي عن المصالح الوطنية المباشرة أو غير المباشرة والحالة أو المستقبلية.
إن الدول تسعى لمصالحها بكل ما تملك من طاقة ولا تملك ترف التهاون عندما تكون المصلحة هي بقاء الوطن، في مواجهة عدو يسعى إلى السيطرة وفرض إرادته حتى وإن كان الثمن فناء الوطن وليس صراع المصالح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
11625
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1845
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1695
| 01 أغسطس 2026