رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير وآخرين في تفسيرهم لقوله تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان) أنه لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوباً، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج منهم بالآيات الأربع: العصا، اليد، السنين ونقص الثمار، إلا أنهم أبوا أن يؤمنوا.
فدعا عليهم قائلاً:» يا رب، إن عبدك فرعون، علا في الأرض وبغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك. رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء. أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.
رغم كل الآيات التسع التي جاء بها موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه، إلا أنهم استمروا على ضلالتهم وعنادهم وغيهم، حتى أغرقهم الله في اليم، وأراح الله العباد والبلاد منهم. وانتهى الفراعنة وخرجوا من التاريخ بتلك الطريقة المخزية.
حدث كل ذلك ونبي الله موسى مع قومه بني إسرائيل. فكانت نهاية الفراعنة درساً لهم وعظة. لكن هل اتعظت قلوبهم من بعد كل تلك الآيات، وآخرها هلاك الفرعون أمام أعينهم؟ لا، لم يحدث ذلك الاتعاظ الذي كان يرجوه موسى وهارون عليهما السلام. ومنذ ذلك التاريخ وإلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله أن يكون، وبنو إسرائيل على ما هم عليه من تخبط ومن محنة إلى أخرى.
طوفان الأقصى
موسى دعا على عدوهم المشترك بالطوفان، فاستجاب الله له. لكن هذه المرة، وأكاد أجزم بأن هناك من دعا الله بطوفان كطوفان آل فرعون، يقض مضاجع الصهاينة ومن والاهم وسايرهم، ولا شك عندي أن الله استجاب لدعاء من دعا، وبالتالي يبدو لي أن معاناة الصهاينة التي بدأت منذ أكثر من شهر وستستمر بإذن الله بسبب هذا الطوفان، أكثر وأعمق مما عانى منه آل فرعون في ذلك الزمان. طوفان الأقصى مثلما أنه أدخل آل صهيون في معاناة وآلام لن تنتهي قريباً، أزاح في الوقت نفسه الكثير عن قوم مجرمين، الذين نزلوا بساحة شعب مسالم على حين غفلة من أهلها، بدعم بريطاني ماكر خبيث، ثم يرث هذا الدور من بعد ذلك، الأمريكان.
بعد أكثر من أربعين يوماً من عدوان صهيوني همجي غاشم، بدعم أمريكي ألماني بريطاني فرنسي وهندي، تكشفت أمور واتضحت للعالم الكثير من الحقائق الخفية، وأزال عن عين العالم غشاوة سميكة كي يرى حقيقة وواقع حفنة من عصابات صهيونية مجرمة، تم جلبها واستزراعها في فلسطين لأغراض استعمارية بحتة، لا علاقة للدين بها البتة.
طوفان المعلومات
طوفان الأقصى صاحبه طوفان من الحقائق والمعلومات التي انتشرت حول العالم بفضل الله ثم وسائل التواصل المتنوعة، والتي على إثرها بدأ الملايين بمراجعة ملف هذه القضية والبحث عنها، من بعد أن تراجعت ضمن قائمة اهتمامات وسائل الإعلام إلى درجة متأخرة، رغم وضوح الفرق بين الحق والباطل. لكن هكذا الإعلام الباحث عن الإثارة والسخونة والجدة.
لكن ملايين البشر هذه المرة لم تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية المسيسة والمنحازة، التي اعتقدت أنها لا زالت في حقبة الثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، لترسل ما تشاء من رسائل إعلامية من طرف واحد، ليستقبلها جمهور اعتاد أن يتقبل تلك الرسائل دون كثير تمحيص وتدقيق وتحقق.
تغير الوضع العالمي، وتغير الجمهور المستقبل الذي نشأ وتربى على التفاعل مع ما يصله من رسائل إعلامية. وكان من نتائج هذا التغير الحاصل على ثقافة الجمهور المستقبل، أن انكشفت معظم وسائل الإعلام الغربية أمام جماهيرها، وتبين مدى وضاعتها وحقارتها بانحيازها للرواية الصهيونية بشكل فاجر ومقزز، بل والعمل بشكل متعمد على تضليل الجماهير قدر المستطاع، فإذا بهذا الجمهور، صاحب التقنيات والوسائل المتنوعة للحصول على المعلومة، يتفاجأ بالكم الهائل من المغالطات التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية تحديداً وبعض تابعيها في الهند، ليبدأ هذا الجمهور بنفسه بتصحيح المغالطات ونشر الحقائق على أوسع نطاق، حتى غرقت الصهيونية وداعميها بطوفان من الحقائق والمعلومات، التي صار يوفرها جمهور شاب لم يعتد على التلقي والتلقين، حتى اضطرت دول ومؤسسات أمام هذا الجمهور، إلى تعديل وترقيع ما يمكن ترقيعه.
انكشاف الدعايات الصهيونية
طوفان آخر من مستخدمي وسائل التواصل أغرق كل الدعايات الصهيونية والغربية المضللة بمعلومات حقيقية، والتي على إثر ذلكم الطوفان المعلوماتي، خرجت الملايين إلى الشوارع، بل ما زالت إلى يوم الناس هذا، تطالب بوقف العدوان وكشف الحقائق، وخاصة جماهير دول غربية، طالما صدّعت حكوماتها، رؤوس العالمين بقيم الأمانة والشفافية والحريات وحقوق الإنسان، وهم بعد طوفان الأقصى، أبعد ما يكونون عن تلك القيم والمبادئ !
هذه الصحوة العالمية وهذا الزخم الجماهيري العالمي المتعطش لمزيد حقائق عن قصة الظلم الصهيو صليي على فلسطين، مطلوب استثماره من كل الأطراف الصادقة ذات الصلة بقضية الأقصى، وعلى الشكل الذي يدفع نحو مزيد من التعاطف المؤدي لأفعال ومنجزات متجسدة على أرض الواقع، للمساهمة في دحر الظلم الصهيوني ومن يؤيده، والمسارعة في مشروع إنهاء الاحتلال البغيض بعد توفيق الله ورعايته.
إنها دعوة لكل من يحمل هم هذه القضية أن يشارك بالصوت والصورة والكلمة، وبكل الوسائل المتاحة والممكنة، ذلك أننا نعيش مرحلة تغيير تاريخية، تدعو كل صاحب ضمير وإيمان أن يضع بصمته ضمن هذا التغيير، من بعد التوكل على الله عز وجل، فهو نعم المولى ونعم النصير، وهو دوماً وأبداً، حسبنا ونعم الوكيل.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
54
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
57
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
33
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2373
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1860
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026