رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المولد النبوي الشريف مرت مناسبته يوم الخميس الماضي 12 / ربيع الأول ولكن الكثيرين منا إما يتجاهلون المناسبة خشية أن يقعوا فيما يرونه بدعة الاحتفال بالمولد أو يكتفون من كل المناسبة باحتفال لساعة ويظنها غاية الحق الذي عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاهلا أو متجاهلا أن المولد النبوي كمعنى لا كحدث يتجاوز ويجب أن يتجاوز الزمان والمكان والمناسبة..
هذا التجاهل وتلك الاحتفالات تناسب تماما ما صرنا في الأعم الأغلب نعاني منه ؛ العطالة والبطالة والشكلية الدينية.. وأقوله وأنا أرى قنوات الساقط حسني وبلطجيته التي تحاول ليل نهار جر البلاد والعباد إلى فتنة سياسية ومذهبية وتتفنن في اصطناع الإشاعات والأكاذيب غير عابئة بمصير مصر ومكانتها واقتصادها وأمنها.. أقوله أيضا عندما أرى بعض الكتاب والنخب الذين لم نعرفهم إلا معادين لفكر الإسلام ومنهجه ودائما وصفوا شريعة الله بكل سوء وتقص.. أراهم يتسابقون إلى الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف، ويحاولون بساعة احتفالية واحدة أن يسرقوا ضمير الدهماء والبسطاء من الناس والغوغاء فيما هم طوال العام أعداء لله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه وقداسته على الحقيقة!! ".
هذا الذي الاحتفاء بهذه الطريقة النفاقية تجعله فوق أنه بدعة في نظر جمهور العلماء وفوق أنه تزهيد في المناسبة هو أيضا نوع من العدوان على رسول الله صلى ألله عليه وسلم.. وقد سبقهم إليه أبوهم الروحي والتاريخي " عبد الله بن سلول زعيم المنافقين " الذي كان والمنافقون معه يأتون عند النبي صلى الله عليه وسلم ويبادرونه بالقول (نشهد إنك لرسول الله) فرد الله تعالى نفاقهم بقوله (والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) ثم حذره منهم بقوله (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون).. وإذن فالمسألة ليست أن يقول البعض ساعة من المدائح النبوية وكثير من السياسة المنحرفة والموجهة ثم يعيش سنة قبل ذلك وأخرى بعدها على أسوأ طوية وأخبث نية!
مشكلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أنه فوق كونه صار بابا للغدر بالإسلام وتكئة لنفاق منافقين يجب أن تظل الأمة حاذرة منهم ؛ أن بعض الجهلة الذين ربما لا تنقصهم النية الحسنة بقدر ما ينقصهم العلم الحقيقي والرشاد الصافي يخلطونه بأقوال من الشرك وأفعال من الرقص والهز المسف والإسراف المذموم في الطعام والشراب المبالغ بما ينزع عن المناسبة طهارتها وعن صاحب المناسبة وقاره وطهارته وتوقيره..
بعضهم لم يلفته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولده وحقه وعظمته إلا حمرة وجنتيه، ودقة مسربته (أي شعرات صدره)، وشثن كفيه (أي ضخامتهما)، وبلج (أي بياض) جبينه، ودعج عينيه (سوادهما في سعة).. فيتغنون ويترنمون بل يتغزلون بذلك تغن أقرب للمجون والسفه منه إلى المديح والتوقير والتعزير..
وبعضهم يرددون أشعارا لا يجوز أن نختلف في رده ورفضه وبدعيته وهو إلى الكفر والشرك أقرب منه للإسلام والإيمان.. كقصيدة " البردة " لمحمد البوصيري التي صارت تلاوتها جزءا لا يتجزأ من احتفالاتهم.. وفيها قوله مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم " أي إن حل بالبوصيري حادث عمم ومصيبة جلل فإنه – حسب قوله – لا يجد أحدا يدعوه أو يلوذ أو يستجير به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم!! والسؤال فأين الله تعالى في ذهن البوصيري؟ والله تعالى يقول سورة البقرة - 186 - (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، وفي بردة البوصيري أيضا قوله " ومن علومك علم اللوح والقلم " أي أن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر البوصيري وعقيدته يعلم كل ما في اللوح المحفوظ وكل ما قدره الله تعالى من الأزل إلى الأبد.. أليس هذا افتراء على عقيدة قررها القرآن الكريم وحسمها بعشرات الآيات مثل قوله تعالى في سورة الأنعام الآية 50 (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ).. هؤلاء نسألهم: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما اتهمت به أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما من الفاحشة هو محض افتراء وكذب؟ فإن قالوا لا فقد انتهت حجتهم وإن قالوا نعم فقد اتهموه صلى الله عليه وسلم بأنه قصر في نصرة زوجته ورضي بظلمها وسمح ببلبلة الرأي العام شهرا كاملا – وحاشاه –! أليس من أبسط معاني الشرف الإنساني والخلق السوي - فضلا عن أن يكون الخلق النبوي - أن يدافع عن زوجته وهو يعلم أنها مظلومة.. هذا – بالطبع - لو كان يعلم براءتها؟
مثل ذلك يقال عن أحداث كثيرة لو كان يعلمها مسبقا لم يكن فعله فيها مبررا ولا مقبولا.. فهل كان يوم بدر يعلم أن منزل الجيش قبل مشورة الحباب بن المنذر ليس الأفضل؟ فلم فعلها إذن؟ وفي يوم أحد هل كان يعلم أن الذين على جبل الرماة سينزلون عنه ويتسببون في هزيمة إخوانهم؟ وإن كان يعلم فلم تركهم يفعلون؟ وفي أحد أيضا هل كان يعلم بأمر الحفرة التي كان حفرها مكيدة الفاسق أبو عامر الراهب؟ ولماذا سقط فيها؟ وهل وهل وهل.. أحداث كثيرة لو كان يعلم الغيب ما عملها ؛ ولو عملها لكان – حاشاه - خائنا لجماعته وصحابته بل لنفسه..
العجيب أنه في حين يشرك مسلمون عندما يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدنا من غير المسلمين من يحسن فيما أساؤوا فيه.. من هؤلاء " عبد الله بوركي " صاحب ورئيس مجلة الصفاء السورية نصراني الذي يقول في مدحه صلى الله عليه وسلم: "إني مسيحي أجلّ محمدا، وأراه في سفر العلا عنوانا، وأطأطئ الرأس الرفيع لذكر من صاغ الحديث وعلم القرآنا، إني أباهي بالنبي لأنه صقل النفوس وهذب الوجدانا " ومنهم " غاندي " زعيم الهندوس الذي قال وأحسن فيما قال " ليدرس الهندوس الإسلام كما درسته، فسيحترمونه كما أحترمه، ولقد أصبحت مقتنعا أن الإسلام لم يأخذ مكانته في الوجود بحد السيف، بل أخذها بالبساطة وإنكار الذات والشجاعة التي اتصف بها النبي محمد " ومنهم " برنارد شو " الفيلسوف والكاتب المعروف الذي يقول " إني أعتقد أن رجلا كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع لتم له النجاح في حكمه ولقاده إلى الخير، ولحل مشاكله على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة.. "..
آخر القول: من هان عليه في سبيل منافعه الذاتية أن يتحالف مع السراق والفلول والساقطين، وهان عليه كل مقدس ديني ووطني.. لا يمكن أن يكون محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما ادعى ذلك أو توهمه، فحبه صلى الله عليه وسلم يجب أن يتجاوز المشاعر إلى الشعائر، ويتجاوز الدعاوى إلى البينات، ويتجاوز التغني المسف في مظهره إلى اتباع سنته واستلهام سيرته والقبول بل الدفاع عن شريعته (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم) وأزعم لو أننا أخذنا في كل شهر خلقا واحدا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم لنجعله شعارا لشهرنا وبرنامجا في بيوتنا وسلوكا في وظائفنا وحديثا في مجالسنا.. لصار أحدنا في سنة واحدة قرآنا يمشي على الأرض.. ولكن يبدو أننا – وللأسف - كلاميون فقط..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026