رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكدت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر رسميا هذا الأسبوع النتائج النهائية لانتخابات الرئاسة في ظل ورود شكاوى من قبل عدد من المرشحين بوجود مخالفات في الجولة الأولى من التصويت.
وأعلنت هيئة الانتخابات أنه "لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة"، وأنه ستكون هناك جولة إعادة انتخابية بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، الذي حصل على نسبة 24.77٪ من الأصوات، وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، والذي جاء في المركز الثاني بعد حصوله على نسبة 23.66٪ من أصوات الناخبين. وبحسب المفوضية العليا للانتخابات، فإن نسبة الإقبال على التصويت في الجولة الأولى لأول انتخابات لرئاسة الجمهورية في مصر، بعد الإطاحة بنظام مبارك، بلغت 46.42% من عدد الناخبين البالغ 50 مليونا.
وتعد انتخابات الرئاسة في مصر علامة إيجابية وخطوة في الطريق الصحيح للديمقراطية وتدلل على أن أحد أكبر البلدان التي شهدت انتفاضات الربيع العربي قادرة على القيام بالتزاماتها تجاه الحياة الحرة الديمقراطية، على الرغم من حالة الاضطرابات والفوضى وعدم الاستقرار التي أعقبت الثورة.
لعل أحد الأمور التي لاحظناها خلال الانتخابات المصرية هي التغطية الشاملة للحدث من قبل وسائل الإعلام بالرصد والتحليل، والتي عمت نطاقا واسعا وتردد صداها محليا وإقليميا وعالميا، مبرهنة أن أهمية مصر لا تقتصر فقط على العالم العربي ولكن أيضا على الصعيد الدولي، وها هي مصر ماضية في طريقها الآن لتستعيد مرة أخرى نفوذها ومكانها في الصدارة باعتبارها واحدة من البلدان التي لها أهمية لا يستهان بها على الساحة الدولية. إن الانتخابات المصرية الجارية الآن تعكس بصدق العقلية المتطورة والفكر المستنير اللذين بدآ يستشريان في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا في أعقاب انتفاضات الربيع العربي، كما أنها علمتنا أن تكهنات وتوقعات المحللين والخبراء لنتائج الانتخابات يمكن أن تكون خاطئة، وهذا ما أثبتته نتائج الانتخابات الأخيرة غير المتوقعة والتي أدهشت الجميع وفاقت كل التوقعات، بمن فيهم كثير من المرشحين أنفسهم.
فتغطية وسائل الإعلام لكافة مراحل العملية الانتخابية جعلت الكثير من الناس يتوقعون أن عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح سيكون لهما نصيب الأسد وحصان السبق في الجولة الأولى وسيستحوذان على أكبر نسبة من عدد الأصوات، للدرجة التي قامت قناة تلفزيونية بمناظرة بين هذين المرشحين باعتبار أنهما أوفر المرشحين حظا في الاستحواذ على غالبية أصوات الناخبين، ولكن ومع انتهاء فرز الأصوات، ثبت أنه شتان ما بين واقع النتائج وخيال التوقعات.
إن نتيجة الانتخابات قد أعطتنا إشارة واضحة لمسألتين حيويتين تمثلان في مجملهما أهمية بالغة لدى الشعب المصري. القضية الأولى هي التنمية الاجتماعية، فخلال فترة الحملة الانتخابية البرلمانية والرئاسية، كثف الإخوان المسلمون نشاطهم بشكل ملحوظ في هذا الجانب بتوزيع عدد من المواد الغذائية كالزيت والسكر للمواطنين، ورغم نفيهم لكون الهدف من قيامهم بذلك هو كسب الأصوات، إلا أن حقيقة أن مرشحهم قد حاز على المركز الأول في الجولة الانتخابية الأولى، يظهر بلا شك أن الشعب المصري يبحث عن رئيس يستطيع أن يوفر لهم الضروريات الأساسية للحياة مثل الغذاء والمأوى والملبس، ومع التدهور الذي أصاب الاقتصاد المصري إبان الثورة، أصبح الناس في حاجة لسد رمقهم من هذه الضروريات من أجل لقمة العيش، أكثر من أي وقت مضى، وبناء على ذلك، فإن الجماعات التي تستطيع أن توفر لهم هذه الضروريات، هي في الغالب الأعم من ستحصل على أصوات الشعب.
وثمة قضية أخرى أيضا تهم الشعب المصري كثيرا عند انتخابهم لرئيسهم، وهي قضية الاستقرار، وفي هذه المسألة تحديدا يكمن السر الذي جعل أحمد شفيق، وهو رئيس الوزراء السابق في ظل نظام مبارك، يحصل على المركز الثاني في انتخابات الجولة الأولى. فلقد أصابت البلاد حالة من عدم الاستقرار نتيجة لكثرة التظاهرات المتواصلة والتجمعات الاحتجاجية التي أصبحت السمة الملازمة لفترة ما بعد الثورة المصرية، وأصبح الناس يأملون ويتمنون العيش في ظل حالة من الأمن والاستقرار والطمأنينة بديلا لفوضى ثورة الربيع العربي. وشفيق، على الرغم من كونه أحد مسؤولي النظام السابق، فإنه يمثل أيقونة الاستقرار التي ظل ينشدها الشعب المصري خاصة بعد أن تحولت مجرد مباراة في كرة القدم إلى مأساة نتيجة أحداث العنف الدامية التي شهدها ملعب بورسعيد، والتي أسفرت عن مقتل 74 شخصا وجرح المئات، وما المظاهرات التي حدثت قبل أيام قليلة عقب الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية إلا دليلا دامغا على أن الوضع في مصر ما زال يعاني حالة خطرة من عدم الاستقرار، ويحتاج بالتالي إلى شخص يمكن أن يضع الأمور في نصابها بفرض المزيد من الأمن والنظام، وقطعا فإن هناك من انتخب شفيق طمعا في وصول البلاد لحالة الأمان والاستقرار على يديه. وعلى كل حال، فإنه ومن واقع المشهد الانتخابي للرئاسة المصرية، يبدو أن الناخبين المصريين لديهم أفكار ورؤى متباينة وحسابات مختلفة وأحلام وأمنيات شتى.
فإن نتائج الانتخابات، والتي لم يحصل فيها أي من المرشحين الرئيسيين على انتصار ساحق وأغلبية مطلقة، أظهرت دليلا على أنه لا يمكن للإخوان المسلمين وحدهم إدارة شؤون البلاد والعباد، وهذا هو السبب الذي دعا محمد مرسي، عقب إعلان النتائج الانتخابية للجولة الأولى، لعقد اجتماع مع عدد من مرشحي الأحزاب الأخرى، في محاولة لتشكيل ائتلاف سيكون بمثابة رهان قوي في مواجهة النظام السابق وأتباعه، وتعهد مرسي في مقابلة له على قناة النهار، بأن منصب نائب الرئيس من خلال هذا الائتلاف غالبا ما سيكون من الأحزاب الأخرى، وأنه ستكون هناك لجنة رئاسية، كما تعهد أيضا بتشكيل حكومة ائتلافية لإدارة البلاد تحظى بإجماع البرلمان، بحيث تضم الأغلبية والأحزاب السياسية الأخرى التي تمثل كافة الاتجاهات في مصر من أولئك الذين شاركوا في الثورة.
أيضا أظهرت نتائج الانتخابات أن نظام مبارك السابق لا يزال يحظى بقوة ونفوذ بين أوساط عامة الشعب، حتى بعد أن أطاحت به الانتفاضة الشعبية، فلقد تمكن شفيق من كسب ما يكفي من الأصوات التي أهلته للحصول على المركز الثاني، على الرغم من أنه لم يكن من مؤيدي الثورة، وهذا يعني أن هناك فصيلا قويا من فلول نظام مبارك لا يزال يحاول الوصول إلى السلطة، وربما يأمل كذلك في عودة النظام السابق إلى حكم مصر من جديد.
إن من سيفوز في نهاية المطاف بمقعد الرئاسة المصرية، لن يمثل غالبية الشعب المصري، لأنه لم يفز أي من مرشحي الأحزاب بأغلبية ساحقة في الجولة الأولى، وبالتالي لم يكن هناك فائز بالمعنى المطلق. ولذلك فإنه لن يكون من السهل على الرئيس القادم أن يلبي كافة تطلعات الشعب المصري، ونأمل فقط ألا يقود ذلك إلى إطلاق "مسيرة مليونية" مماثلة لتلك الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي كانت تتم في ميدان التحرير في العام الماضي.
أما الشباب الذين شاركوا بنشاط في الثورة، ورغم تكوينهم سابقا لما سمي بائتلاف شباب ثورة 25 يناير، إلا أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى توافق فيما بينهم من أجل توحيد صفوفهم خلف مرشح واحد، وهذا قد يكون بسبب طول الفترة الزمنية ما بين الإطاحة بمبارك بتنحيه عن السلطة، والوقت الذي تتم فيه الانتخابات الرئاسية الحالية، وربما أدى ذلك إلى إصابة الكثيرين بالإحباط وفقدانهم لتلك الروح الثورية للنضال. وهناك احتمال آخر وارد تماما، وهو أن يكون هذا أمر مخطط له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من قبل البعض لإضعاف الحماس الثوري لهذه الفئة من أجل تفعيل أجندتهم الخاصة. ولكن الذين لم يشاركوا في التصويت وضعوا مصر على مفترق الطرق.
وكلما مر مزيد من الوقت قبل أن تتمكن مصر من وضع اللمسات الأخيرة على صورة الشخصية التي ستمثل قمة هرم سلطتها السياسية، فإن المزيد من الناس سوف يتطلعون إلى حكومة تكون قادرة على توفير احتياجاتهم الأساسية، بغض النظر عما إذا كانت ستقوض من حريتهم، وهنا يكمن الخطر في أن تستغل حكومة - على شاكلة ومنوال نظام مبارك - هذا الوضع، وتفرض على الشعب المصري حكما فرديا لديكتاتور آخر.
إن الوضع في مصر لن يكون بهذه السهولة، وهذا ما أثبتته نتائج الانتخابات الحالية، وسيكون من الصعب تحقيق الاستقرار ما لم تصبح البلاد قادرة على النهوض وتشكيل حكومة ديمقراطية تحمل على عاتقها مهمة إخراج مصر من هذا النفق المظلم الذي أدخلها فيه نظام مبارك والفوضى التي أعقبت الإطاحة به.
إن آمال الشعب المصري كبيرة جدا، ووسائل الإعلام قد استعادت المزيد من المنعة والحرية، الأمر الذي يعني أنهما - الشعب ووسائل الإعلام - سوف يمثلان معا رقيبا على أداء الحكومة المقبلة، وشاهدا على الإيفاء بوعودها والتزاماتها التي قطعتها لأبنائها من كافة شرائح الشعب المصري. ونأمل ونتمنى فقط أن الحكومة المصرية المقبلة لن تعود إلى سابق عهد القهر والقمع السياسي، ولن تصبح مطية للاستبداد الديني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026