رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكدت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر رسميا هذا الأسبوع النتائج النهائية لانتخابات الرئاسة في ظل ورود شكاوى من قبل عدد من المرشحين بوجود مخالفات في الجولة الأولى من التصويت.
وأعلنت هيئة الانتخابات أنه "لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة"، وأنه ستكون هناك جولة إعادة انتخابية بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، الذي حصل على نسبة 24.77٪ من الأصوات، وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، والذي جاء في المركز الثاني بعد حصوله على نسبة 23.66٪ من أصوات الناخبين. وبحسب المفوضية العليا للانتخابات، فإن نسبة الإقبال على التصويت في الجولة الأولى لأول انتخابات لرئاسة الجمهورية في مصر، بعد الإطاحة بنظام مبارك، بلغت 46.42% من عدد الناخبين البالغ 50 مليونا.
وتعد انتخابات الرئاسة في مصر علامة إيجابية وخطوة في الطريق الصحيح للديمقراطية وتدلل على أن أحد أكبر البلدان التي شهدت انتفاضات الربيع العربي قادرة على القيام بالتزاماتها تجاه الحياة الحرة الديمقراطية، على الرغم من حالة الاضطرابات والفوضى وعدم الاستقرار التي أعقبت الثورة.
لعل أحد الأمور التي لاحظناها خلال الانتخابات المصرية هي التغطية الشاملة للحدث من قبل وسائل الإعلام بالرصد والتحليل، والتي عمت نطاقا واسعا وتردد صداها محليا وإقليميا وعالميا، مبرهنة أن أهمية مصر لا تقتصر فقط على العالم العربي ولكن أيضا على الصعيد الدولي، وها هي مصر ماضية في طريقها الآن لتستعيد مرة أخرى نفوذها ومكانها في الصدارة باعتبارها واحدة من البلدان التي لها أهمية لا يستهان بها على الساحة الدولية. إن الانتخابات المصرية الجارية الآن تعكس بصدق العقلية المتطورة والفكر المستنير اللذين بدآ يستشريان في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا في أعقاب انتفاضات الربيع العربي، كما أنها علمتنا أن تكهنات وتوقعات المحللين والخبراء لنتائج الانتخابات يمكن أن تكون خاطئة، وهذا ما أثبتته نتائج الانتخابات الأخيرة غير المتوقعة والتي أدهشت الجميع وفاقت كل التوقعات، بمن فيهم كثير من المرشحين أنفسهم.
فتغطية وسائل الإعلام لكافة مراحل العملية الانتخابية جعلت الكثير من الناس يتوقعون أن عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح سيكون لهما نصيب الأسد وحصان السبق في الجولة الأولى وسيستحوذان على أكبر نسبة من عدد الأصوات، للدرجة التي قامت قناة تلفزيونية بمناظرة بين هذين المرشحين باعتبار أنهما أوفر المرشحين حظا في الاستحواذ على غالبية أصوات الناخبين، ولكن ومع انتهاء فرز الأصوات، ثبت أنه شتان ما بين واقع النتائج وخيال التوقعات.
إن نتيجة الانتخابات قد أعطتنا إشارة واضحة لمسألتين حيويتين تمثلان في مجملهما أهمية بالغة لدى الشعب المصري. القضية الأولى هي التنمية الاجتماعية، فخلال فترة الحملة الانتخابية البرلمانية والرئاسية، كثف الإخوان المسلمون نشاطهم بشكل ملحوظ في هذا الجانب بتوزيع عدد من المواد الغذائية كالزيت والسكر للمواطنين، ورغم نفيهم لكون الهدف من قيامهم بذلك هو كسب الأصوات، إلا أن حقيقة أن مرشحهم قد حاز على المركز الأول في الجولة الانتخابية الأولى، يظهر بلا شك أن الشعب المصري يبحث عن رئيس يستطيع أن يوفر لهم الضروريات الأساسية للحياة مثل الغذاء والمأوى والملبس، ومع التدهور الذي أصاب الاقتصاد المصري إبان الثورة، أصبح الناس في حاجة لسد رمقهم من هذه الضروريات من أجل لقمة العيش، أكثر من أي وقت مضى، وبناء على ذلك، فإن الجماعات التي تستطيع أن توفر لهم هذه الضروريات، هي في الغالب الأعم من ستحصل على أصوات الشعب.
وثمة قضية أخرى أيضا تهم الشعب المصري كثيرا عند انتخابهم لرئيسهم، وهي قضية الاستقرار، وفي هذه المسألة تحديدا يكمن السر الذي جعل أحمد شفيق، وهو رئيس الوزراء السابق في ظل نظام مبارك، يحصل على المركز الثاني في انتخابات الجولة الأولى. فلقد أصابت البلاد حالة من عدم الاستقرار نتيجة لكثرة التظاهرات المتواصلة والتجمعات الاحتجاجية التي أصبحت السمة الملازمة لفترة ما بعد الثورة المصرية، وأصبح الناس يأملون ويتمنون العيش في ظل حالة من الأمن والاستقرار والطمأنينة بديلا لفوضى ثورة الربيع العربي. وشفيق، على الرغم من كونه أحد مسؤولي النظام السابق، فإنه يمثل أيقونة الاستقرار التي ظل ينشدها الشعب المصري خاصة بعد أن تحولت مجرد مباراة في كرة القدم إلى مأساة نتيجة أحداث العنف الدامية التي شهدها ملعب بورسعيد، والتي أسفرت عن مقتل 74 شخصا وجرح المئات، وما المظاهرات التي حدثت قبل أيام قليلة عقب الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية إلا دليلا دامغا على أن الوضع في مصر ما زال يعاني حالة خطرة من عدم الاستقرار، ويحتاج بالتالي إلى شخص يمكن أن يضع الأمور في نصابها بفرض المزيد من الأمن والنظام، وقطعا فإن هناك من انتخب شفيق طمعا في وصول البلاد لحالة الأمان والاستقرار على يديه. وعلى كل حال، فإنه ومن واقع المشهد الانتخابي للرئاسة المصرية، يبدو أن الناخبين المصريين لديهم أفكار ورؤى متباينة وحسابات مختلفة وأحلام وأمنيات شتى.
فإن نتائج الانتخابات، والتي لم يحصل فيها أي من المرشحين الرئيسيين على انتصار ساحق وأغلبية مطلقة، أظهرت دليلا على أنه لا يمكن للإخوان المسلمين وحدهم إدارة شؤون البلاد والعباد، وهذا هو السبب الذي دعا محمد مرسي، عقب إعلان النتائج الانتخابية للجولة الأولى، لعقد اجتماع مع عدد من مرشحي الأحزاب الأخرى، في محاولة لتشكيل ائتلاف سيكون بمثابة رهان قوي في مواجهة النظام السابق وأتباعه، وتعهد مرسي في مقابلة له على قناة النهار، بأن منصب نائب الرئيس من خلال هذا الائتلاف غالبا ما سيكون من الأحزاب الأخرى، وأنه ستكون هناك لجنة رئاسية، كما تعهد أيضا بتشكيل حكومة ائتلافية لإدارة البلاد تحظى بإجماع البرلمان، بحيث تضم الأغلبية والأحزاب السياسية الأخرى التي تمثل كافة الاتجاهات في مصر من أولئك الذين شاركوا في الثورة.
أيضا أظهرت نتائج الانتخابات أن نظام مبارك السابق لا يزال يحظى بقوة ونفوذ بين أوساط عامة الشعب، حتى بعد أن أطاحت به الانتفاضة الشعبية، فلقد تمكن شفيق من كسب ما يكفي من الأصوات التي أهلته للحصول على المركز الثاني، على الرغم من أنه لم يكن من مؤيدي الثورة، وهذا يعني أن هناك فصيلا قويا من فلول نظام مبارك لا يزال يحاول الوصول إلى السلطة، وربما يأمل كذلك في عودة النظام السابق إلى حكم مصر من جديد.
إن من سيفوز في نهاية المطاف بمقعد الرئاسة المصرية، لن يمثل غالبية الشعب المصري، لأنه لم يفز أي من مرشحي الأحزاب بأغلبية ساحقة في الجولة الأولى، وبالتالي لم يكن هناك فائز بالمعنى المطلق. ولذلك فإنه لن يكون من السهل على الرئيس القادم أن يلبي كافة تطلعات الشعب المصري، ونأمل فقط ألا يقود ذلك إلى إطلاق "مسيرة مليونية" مماثلة لتلك الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي كانت تتم في ميدان التحرير في العام الماضي.
أما الشباب الذين شاركوا بنشاط في الثورة، ورغم تكوينهم سابقا لما سمي بائتلاف شباب ثورة 25 يناير، إلا أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى توافق فيما بينهم من أجل توحيد صفوفهم خلف مرشح واحد، وهذا قد يكون بسبب طول الفترة الزمنية ما بين الإطاحة بمبارك بتنحيه عن السلطة، والوقت الذي تتم فيه الانتخابات الرئاسية الحالية، وربما أدى ذلك إلى إصابة الكثيرين بالإحباط وفقدانهم لتلك الروح الثورية للنضال. وهناك احتمال آخر وارد تماما، وهو أن يكون هذا أمر مخطط له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من قبل البعض لإضعاف الحماس الثوري لهذه الفئة من أجل تفعيل أجندتهم الخاصة. ولكن الذين لم يشاركوا في التصويت وضعوا مصر على مفترق الطرق.
وكلما مر مزيد من الوقت قبل أن تتمكن مصر من وضع اللمسات الأخيرة على صورة الشخصية التي ستمثل قمة هرم سلطتها السياسية، فإن المزيد من الناس سوف يتطلعون إلى حكومة تكون قادرة على توفير احتياجاتهم الأساسية، بغض النظر عما إذا كانت ستقوض من حريتهم، وهنا يكمن الخطر في أن تستغل حكومة - على شاكلة ومنوال نظام مبارك - هذا الوضع، وتفرض على الشعب المصري حكما فرديا لديكتاتور آخر.
إن الوضع في مصر لن يكون بهذه السهولة، وهذا ما أثبتته نتائج الانتخابات الحالية، وسيكون من الصعب تحقيق الاستقرار ما لم تصبح البلاد قادرة على النهوض وتشكيل حكومة ديمقراطية تحمل على عاتقها مهمة إخراج مصر من هذا النفق المظلم الذي أدخلها فيه نظام مبارك والفوضى التي أعقبت الإطاحة به.
إن آمال الشعب المصري كبيرة جدا، ووسائل الإعلام قد استعادت المزيد من المنعة والحرية، الأمر الذي يعني أنهما - الشعب ووسائل الإعلام - سوف يمثلان معا رقيبا على أداء الحكومة المقبلة، وشاهدا على الإيفاء بوعودها والتزاماتها التي قطعتها لأبنائها من كافة شرائح الشعب المصري. ونأمل ونتمنى فقط أن الحكومة المصرية المقبلة لن تعود إلى سابق عهد القهر والقمع السياسي، ولن تصبح مطية للاستبداد الديني.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4782
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
792
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2511
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4296
| 23 سبتمبر 2026