رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

225

هاشم عبدالله مستريحي

السمنة ليست طبقًا فرديًا.. الأطعمة فائقة المعالجة واختبار الأنظمة الصحية

23 يونيو 2026 , 01:00ص

لم تعد السمنة سؤالًا بسيطًا عن إرادة الفرد أمام طبق الطعام، بل أصبحت مرآة دقيقة لطريقة تنظيمنا للأسواق، وتصميمنا للمدن، وإدارتنا للمدارس، ومراقبتنا للإعلانات، وقدرتنا على تحويل المعرفة الصحية إلى سياسة عامة قابلة للتنفيذ. وحين تقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من مليار إنسان يعيشون اليوم مع السمنة، وإن واحدًا من كل ثمانية أشخاص في العالم مصاب بها، فإننا لا نتحدث عن ظاهرة غذائية عابرة، بل عن خلل متصاعد في بيئة الحياة اليومية.

في قلب هذا التحول تقف الأطعمة فائقة المعالجة كمنتجات صناعية لا تُصنع فقط لتُشبع، بل لتُؤكل بسرعة، وتُشتهى مرارًا، وتبقى طويلة الصلاحية، وتنتشر في كل مكان. ليست المشكلة في قطعة حلوى عابرة أو مشروب غازي في مناسبة، بل في تحوّل هذه المنتجات إلى نمط غذائي يومي، مدعوم بالتسويق، والسعر، وسهولة الوصول، وضعف البدائل الصحية في كثير من البيئات الاجتماعية والاقتصادية.

الأدلة الحديثة تشير بوضوح إلى ارتباط الاستهلاك المرتفع للأطعمة فائقة المعالجة بزيادة الوزن والسمنة واضطرابات القلب والتمثيل الغذائي. وتذهب بعض الدراسات السكانية إلى أن جزءًا معتبرًا من ارتفاع السمنة في بعض الدول ارتبط بزيادة استهلاك هذه المنتجات. ومع ذلك، فالدقة العلمية تقتضي ألا نقول إن هذه الأطعمة وحدها تسبب السمنة عالميًا؛ فالسمنة نتاج معقد لعوامل اقتصادية وسلوكية ووراثية وعمرانية ونفسية. لكنها، بلا شك، أحد أقوى محركات البيئة المسببة للسمنة في العصر الحديث.

هنا يظهر الفرق بين النصيحة الصحية والسياسات العامة. أن نقول للناس: "اختاروا طعامًا صحيًا" عبارة صحيحة، لكنها غير كافية. فالاختيار لا يحدث في فراغ؛ إنه يتم داخل سوبر ماركت، وإعلان، وتطبيق توصيل، ودوام عمل طويل، ومدرسة، ودخل أسري، وثقافة استهلاك. ومن منظور السياسات العامة، لا يمكن تحميل الفرد وحده مسؤولية قرار غذائي صُممت حوله منظومة كاملة لدفعه نحو الأرخص، الأسرع، والأشد استساغة.

المطلوب ليس مصادرة حرية الناس، ولا تحويل الغذاء إلى ملف عقابي، بل بناء حوكمة غذائية ذكية: بطاقات تحذيرية واضحة على المنتجات عالية السكر والملح والدهون، ضوابط أكثر صرامة لتسويق الأغذية غير الصحية للأطفال، سياسات مشتريات صحية في المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة، تحفيز الأغذية الطازجة والأقل معالجة، ومراجعة ضرائب المشروبات المحلاة والمنتجات ذات العبء الصحي العالي، وهذا هو الاستثمار في كفاءة الأنظمة الصحية واستدامتها.

ومن خبرة العمل الصحي الميداني، نعرف أن السمنة لا تصل إلى المستشفى كرقم في تقرير دولي، بل تصل كضغط دم مرتفع، وسكري غير مضبوط، ومضاعفات قلبية، وآلام مفاصل، وانقطاع نفس أثناء النوم، وزيادة في الطلب على خدمات الطوارئ والرعاية المزمنة. لذلك فإن الوقاية هنا ليست شعارًا، بل أداة لإدارة الطلب على الخدمات، وتحسين جودة الحياة، وحماية القوى العاملة، وتعزيز سلامة المرضى على المدى الطويل.

إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل الفرد مسؤول أم الأنظمة الصحية مسؤولة؟ بل كيف نصمم نظامًا يجعل الخيار الصحي أسهل، وأرخص، وأكثر حضورًا من الخيار الضار. فالفرد يحتاج إلى وعي، لكن الوعي يحتاج إلى بيئة عادلة. والمجتمع يحتاج إلى حرية اختيار، لكن الحرية تحتاج إلى سوق لا يستغل هشاشة السلوك البشري.

السمنة، في جوهرها، اختبار لحوكمة الصحة العامة. وكل نظام صحي ينتظر المريض عند باب العيادة، بدل أن يراجع السياسات عند باب المصنع والمدرسة والسوق، سيدفع الثمن مضاعفًا. أما الإدارة الرشيدة، فهي التي تفهم أن أخطر الأمراض لا تبدأ دائمًا في الجسد؛ أحيانًا تبدأ في تصميم البيئة التي نعيش ونأكل ونعمل داخلها.

 

اقرأ المزيد

حتى لا تكونوا من إخوان الشياطين حتى لا تكونوا من إخوان الشياطين

عندما وصف رب العزة والجلال فئة من البشر بأنهم من إخوان الشياطين لم يكن ذلك الوصف إلا حقيقة... اقرأ المزيد

222

| 06 يوليو 2026

يد تعطي.. قلبٌ يرتوي يد تعطي.. قلبٌ يرتوي

في نسيج الحياة المتشابك، تكمن أجمل صور الإنسانية في مدّ يد العون لمن يحتاجها. إن مساعدة الناس ليست... اقرأ المزيد

159

| 06 يوليو 2026

الشباب.. قوة قطر وصُنّاع مستقبلها الشباب.. قوة قطر وصُنّاع مستقبلها

في مسيرة الأوطان، تبقى الثروة الحقيقية هي الإنسان، وتظل قدرة الدول على صناعة أجيال واعية ومؤهلة المعيار الأصدق... اقرأ المزيد

87

| 06 يوليو 2026

مساحة إعلانية