رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مذهولاً أتساءل: ما سر هذا الغياب العربي والإسلامي عن وقائع ما تتعرض له مدينة القدس بمقدساتها وهويتها الحضارية العربية الإسلامية التي تتعرض لعملية تهويد ومحو ممنهجة, لصالح تكريس المشروع الاستيطاني الاستعماري للكيان الصهيوني؟
هل غابت المشاعر الدينية التي تربطنا بقدس أقداس فلسطين, والأمة بشقيها العربي والإسلامي؟ هل نحن عاجزون إلى حد الثمالة, عن وقف كل هذه العدوانية ضد القدس التي يتعامل معها قطعان بني صهيون باعتبارها موروثاً خالصاً لهم, ويسعون بكل قوة وكفاءة واقتدار للاستحواذ عليها تمهيداً لإعادة إنتاج هيكل سليمان, الذي أكدت الكثير من الدراسات الأثرية الأجنبية الرصينة أنه لاعلاقة له بموقع المسجد الأقصى, بينما دراسات قطعان بني صهيون تحاول أن تروج لوجوده في هذا الموقع المقدس, ويتهافت علماؤهم لتأكيد هذا الوهم الراسخ في أذهانهم فحسب.
أين ما تم اتخاذه من قرارات عربية بشأن تمويل صناديق للأقصى لدعم صمود شعبها منذ سنوات طويلة, ولم تدفع الدول العربية سوى مبالغ ضئيلة من الاستحقاقات التي تضمنتها هذه القرارات, وكأن الأمر لا يعني أحدا وكأن القدس ليست عربية وكأننا استسلمنا لمخططات قطعان بني صهيون.
«لقد بلغ السيل الذبى», والعرب ساكنون والمسلمون مستغرقون في نوم عميق, بينما قطعان بني صهيون يواصلون العمل بدأب للانقضاض على القدس بأقصاها وتاريخها وشعبها, ووفقاً لتقرير قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة العربية, والذي يشرف عليه السفير محمد صبيح فإن أحدث إجراءاتهم وخطواتهم تتمثل في:
أولاً: تصاعد وتيرة هدم المنازل في مدينة القدس المحتلة بشكل غير مسبوق وخاصة في الأحياء الفلسطينية المجاورة للمسجد الأقصى المبارك وطمس آثار المعالم المقدسية التاريخية، وعدوانها على مقبرتي مأمن الله وباب الرحمة المقدسيتين التاريخيتين اللتين تضمان رفاة كبار العلماء والصحابة الأجلاء وشهداء الفتح الإسلامي في عهد القائد صلاح الدين الأيوبي والقيام بتجريفهما إلى جانب سحب بطاقات هويات المقدسيين وهو ما يعني إلغاء وجودهم بمدينتهم المحتلة بهدف تغيير تركيبتها الديموغرافية لتحقيق أغلبية إسرائيلية على حساب الوجود العربي في القدس المحتلة.
ثانياً: إصدار حزمة قوانين عنصرية (ترقى إلى الإرهاب) لا علاقة لها بالقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني وتنتهك قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بمدينة القدس المحتلة محذرا من تعالي الدعوات الإسرائيلية لإخراج مدينة القدس المحتلة من الولاية الهاشمية لها برغم أن مدينة القدس مدينة محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على باقي الأراضي المحتلة الأخرى، وأن ولاية المملكة الأردنية الهاشمية للمدينة المقدسة هي ولاية أقرها القانون والمجتمع الدولي.
ثالثاً: الاستمرار في محاولات تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً كمرحلة أولى تمهيداً لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليه ومن ثم تنفيذ دعوات الحاخامات المتطرفين بهدمه وإحلال (الهيكل المزعوم) محله وفي إجراء يكشف ازدواجية معايير وعنصرية ممارسات سلطات الاحتلال.
رابعاً: منع المصلين وطلاب حلقات العلم الفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى المبارك واستبعاد فئات عمرية معينة مقابل السماح لجموع المستوطنين المتطرفين والسياح الأجانب بدخوله على شكل أفواج كبيرة.
خامساً: قيام المتطرف جلعاد آردان وزير الأمن الداخلي في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بمطالبة موشيه يعلون وزير جيش الاحتلال إدراج تنظيمي (المرابطون والمرابطات) في الحرم القدسي الشريف كتنظيمين غير ذي شرعية واعتبارهما خارجين عن القانون، وذلك في أعقاب تحرك مكثف قامت به منظمات إسرائيلية متطرفة تدعو لتشجيع زيارة اليهود للحرم المقدسي وإقامة الشعائر التلمودية بداخله، وهو ما حظي بموافقة جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) والادعاء العام في إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال).
وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن (المرابطين والمرابطات) هما تنظيمان يدافعان عن المسجد الأقصى المبارك، وأن فتوى وزير أمن الاحتلال في إدراجهم ضمن التنظيمات المحظورة هو نوع من (إرهاب الدولة) الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد المدافعين عن المقدسات، إذ أن حماية هذه المقدسات هي حق مكفول في القانون الدولي، حيث إن من حق الفلسطينيين أن يضطلعوا بالدفاع بوسائل سلمية عن مقدساتهم، وكل أساليب الفلسطينيين السلمية التي يتبعونها في التصدي للمشاريع التهويدية، هي أساليب مشروعة في القانون الدولي لصون مقدساتهم.
سادسا: تصريحات كبار مسئولي الكيان الصهيوني وفي مقدمتهم رئيس حكومة سلطات الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي أعلن مراراً أن مدينة القدس (عاصمة أبدية وموحدة لليهود فقط) بالتزامن مع تصاعد الإجراءات التهويدية لفرض أمر واقع على الأرض في مدينة القدس المحتلة بشكل عام وفي المسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص، لتصب في خدمة المشروع التهويدي المسمى بـ(القدس 2020) الذي تعتزم سلطات الاحتلال المضي قدماً فيه دون اكتراث بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالمدينة المقدسة.
وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب الذي يتبعه قطعان بني صهيون – حسبما يؤكد التقرير- لن يعود بأي فائدة على مشروعهم الاستيطاني الاستعماري حيث إن هذه الممارسات والإجراءات والتصريحات تشكل عنصراً هاماً في استفزاز العالمين العربي والإسلامي والتي تمثل مدينة القدس لهما خطا أحمر، لن يسمحا بتجاوزه، لاسيما المسجد الأقصى المبارك (أقدس المقدسات الإسلامية)، غير أنه لا يتعين الوقوف عند هذا الحد وممارسة البكاء, والاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي ممثلاً بهيئاته ومنظماته ومنها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في العالم، وكافة المؤسسات الدولية ذات العلاقة، بالاضطلاع بدورها في التصدي لمثل هذه الإجراءات العنصرية التي ستقود فيها إسرائيل المنطقة, إلى تداعيات خطيرة تشعل من خلالها فتيل حرب دينية جديدة في هذه البقعة الحساسة من العالم, وإنما من الضرورة بمكان القيام بتحرك بخطوات جادة وحقيقية لوقف كل هذه الانتهاكات للقدس تاريخا وحضارة وهوية.
غير أن الخطوة الأهم في تقديري, تكمن في مسارعة الفلسطينيين بكل فصائلهم وقواهم لإعلان انتفاضة جديدة للدفاع عن القدس والأقصى, تعيد إنتاج انتفاضيتين سابقتين في ثمانينات وتسعينيات القرن الفائت ومطلع القرن الواحد والعشرين, على أن تنتهج من السلمية سبيلا حتى تحظى بالإسناد العالمي, ولا يوظفها الإعلام الصهيوني ضمن ما يطلق عليه بالأعمال الإرهابية, مما يجعله يلجأ إلى الاستخدام المفرط للقوة ضد شباب ورجال ونساء القدس وفلسطين, صحيح أن ثمة معلومات تشير إلى أن الجانبين الفلسطيني والصهيوني, يسعيان إلى تجنب مثل هذه الانتفاضة بحسبان كلفتها العالية عليهما, لكن مصائر الأوطان -وهو كلام موجه للفلسطينيين – لا يجب أن تخضع للحسابات الآنية أو المصالح الضيقة, غير أن ذلك يستوجب بداية استعادة المصالحة الوطنية المفقودة والغائبة أو بالأحرى المغيبة, بفعل فاعل منذ 2007, ما فتح ثغرة عميقة في جدار الصمود الفلسطيني والوحدة الوطنية, الأمر الذي وفر إمكانية هائلة أمام سلطات الاحتلال لتمارس التنكيل بالجميع: اعتداءات مستمرة على قطاع غزة وانتهاكات متواصلة للضفة بما في ذلك القدس والأقصى, بينما كل فصيل مشغول بتحقيق ذاته ومحاولة فرض معادلته على الأرض, وما أخشاه أن يواصل قطعان بني صهيون مشروعهم الاستعماري الاستيطاني ليس في القدس والأقصى, ولكن في كل أراضي فلسطين, على اعتبار أنها لا تجد من يدافع عنها أو ينتفض لوقف العدوان عليها, وفي الوقت نفسه فإن العرب مشغولون بالوحش الجديد الذي بات سيفاً مُسلّطاً عليهم والمتمثل في "داعش" وأخواته, والعالم لم يعد يعر القضية الفلسطينية أي اهتمام, سقطت من دائرة الحسابات الإقليمية والدولية فهل ثمة يقظة عربية وإسلامية خاصة أن اللجان والمنظمات التي أنشئت خصيصا من أجل القدس والأقصى, متعددة ومتنوعة لكنها هواء.. هواء.. هواء.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8433
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1515
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
747
| 26 فبراير 2026