رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

525

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

عدالة التقاعد

31 أغسطس 2025 , 12:25ص

يُعد نظام التقاعد من أبرز المؤشرات على عدالة أي مجتمع تجاه من خدموه بإخلاص لعقود. ومع تغير أنماط الحياة وارتفاع متوسط الأعمار، بات لزامًا إعادة النظر في مدى إنصاف قوانين التقاعد الحالية، خصوصًا لأولئك الذين تجاوزت خدماتهم الثلاثين عامًا دون أن يقابل عطاؤهم بتقدير مادي أو معنوي يليق. إن كثيرًا من التشريعات تُحيل الموظف إلى التقاعد بعد عمر أو مدة محددة، بغضّ النظر عن حجم خبرته أو رغبته في الاستمرار، وتمنحه مستحقات متواضعة لا تعكس القيمة الحقيقية لعطائه، وكأن التقاعد نهاية حضور وليس انتقالًا إلى مرحلة جديدة من العطاء بوجه آخر.

وهنا تبرز المفارقة: فالموظف الذي قضى ثلاثين عامًا أو أكثر في خدمة الدولة، يُعامل في بعض الأحيان بنفس آلية من أنهى الحد الأدنى فقط من الخدمة. أليس من العدل أن يُمنح هذا المتفاني امتيازات خاصة، سواء عبر مكافأة استثنائية، أو تحسين مستحقاته التقاعدية، أو منحه فرصة للاستمرار في مسارات بديلة تناسب خبرته؟ في كثير من الدول، يُنظر للمتقاعد وكأنه خرج من دائرة الفعالية، رغم أن الواقع يقول عكس ذلك؛ فالمتقاعد يحمل رصيدًا من الخبرات والمعارف قد لا تتوفر في غيره، ويمكن الاستفادة منه في مجالات التدريب والاستشارات واللجان التي لا حصر لها، والمشاركة المجتمعية لكن غياب الأنظمة التي تستوعب هذه الفئة بعد التقاعد يضعهم أمام فراغ مهني واجتماعي، ما يؤثر على حالتهم النفسية ويجعلهم يشعرون بالتهميش.

الأمر لا يقتصر على الإنصاف الفردي، بل هناك فجوات واضحة بين المتقاعدين أنفسهم تبعًا للقطاع الذي عملوا فيه. فبينما يتمتع بعضهم برواتب تقاعدية مرتفعة وتأمين شامل، يعاني آخرون من دخل لا يكفي للحد الأدنى من المعيشة، وما نطرحه هنا ليس من باب الحسد بل من باب العدالة، إذ يُعد هذا التباين خرقًا لمبدأ العدالة الاجتماعية ويكرّس التفاوت الطبقي.

إنصاف المتقاعدين لا يكون بمجرد تكريم رمزي أو حفل وداع، بل بإصلاح حقيقي لأنظمة التقاعد يأخذ في الاعتبار سنوات الخدمة الطويلة، ويمنح ميزات إضافية لمن تجاوز الثلاثين عامًا في العمل، ويعيد دمجهم في الحياة المجتمعية بشكل فاعل.

العدالة التقاعدية ليست رفاهية، بل استحقاق قانوني وأخلاقي لمن قدّموا أعمارهم في خدمة الوطن، وأقل ما يمكن تقديمه لهم هو الشعور بأنهم ما زالوا محل تقدير واحترام، لا مجرد أرقام في ملفات مؤرشفة.

مساحة إعلانية