رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها
ليعلم أن الخطأ القاتل الذي أدركه ملياً الأحرار المتنورون وشعر به فطريا عامة الشعب في سورية واعتبره المنافقون والمطبلون والمزمرون وأشياع فرعون في كل زمان ومكان إنجازاً حازوا به قصب السبق وبراءة الاختراع تحشيدا للباطل وأهله هو الاتجاه المعاكس لناموس الحياة والمناقض لدستور البلاد بالالتصاق والتبعية الإمعية وذلك في عملية قرصنة أخذت صفة الشرعنة بعد تعديل الدستور في بيان عمر رئيس الجمهورية الذي يجب ألا ينقص عن أربعين سنة فتم التعديل ببرهة سويعة متسارعة لشاب يبلغ أربعة وثلاثين عاما وهو اليوم لا يرى أي فائدة للتسارع في إصلاح لو حدث وكان حقيقيا فعلا فإنه كفيل بأن يذهب به إلى وادي الهلاك لأنه وأباه قبله لم يعرفا الإصلاح البتة وإنما ارتهن بقاؤهما بالفساد والإفساد على كل صعيد واتجاه داخليا وخارجيا.
وحدثت الطامة التي أخذ الشعب السوري المصابر يدفع فاتورتها الغالية من دمه وماله طيلة أحد عشر عاما فاضت بالقهر والذل والاعتداء على كرامات الناس وخصوصياتهم والسجن والقتل والسحل والنفي والظلم، حديث لا ينتهي عن مآسيهم ولم يفسح أي مجال لبصيص نور لكل حر في البلاد إلى أن قدر الله إشراقة الربيع العربي وانطلاقة الضعفاء القوية في تونس ومصر وليبيا واليمن فكانت الشرارة التي ألهبت قلوب المظلومين المقهورين في بلاد الشام، فهبوا أسودا حقيقيين في وجه الاستبداد والاستعباد الجاثمين على الصدور وأشعلوها ثورة مباركة خرجوا فيها بكل عفوية وفطرية، حيث إن زلزال الذل والظلم والاحتقار فعل فعله فيهم فكان لابد أن ينفجر الوضع وتحتد الحالة وتدفع في اتجاه التخلص من هذا الحكم الأسدي الوحشي المتخلف وتجعله بائدا وتصرخ بكل حق ووعي في وجهه (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، "الإسراء: 81".
وأشقى الولاة من شقيت به رعيته كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم تقول له: لا يمكن أن تحل الأزمات إلا بحسن السياسة التي تعني حسن التدبير واقترانها بالكياسة التي تعني سعة الصدر لا ضيقه في تعامل حاكم مع شعبه وقد قتل وسحل وجرح وسجن ونفى واضطهد وداس كرامة الرجال والنساء والشباب والشواب ولذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: "آلة السياسة سعة الصدر، وقد بدا الرئيس الشاب وهو يحكم منذ أحد عشر عاما أن الحكم راحة ومتعة وأمر ونهي لا مسؤولية وهم دون وهم كما قال المفكر سالازار: من السهل أن تصل إلى الحكم ولكن من الصعب أن تحكم! وبدلا من أن يطلق الإصلاحات الفعالة التي طولب بها من قبل المحتجين الثائرين أطلق الرصاص والنيران عليهم فقتلهم وحرقهم ومَثَّل بالأطفال والنساء والمدنيين.. فيالها من حماقة.
فمن ذا الذي عنده ذرة عقل ويدعي أن هذا الرئيس الذي نصب جبرا على قومه يمكنه أن يصلح وهو بهذه العقلية المتخلفة والحمق المزري الذي لا دواء له والتعاطي بزئير الأسود لا بسجع الحمام الذي بالإحسان يستعبد الناس ويرضيهم ويعيد المعادلة الوطنية المتوازنة ليحفظ البلاد والعباد إن كان مخلصا وطنيا. أجل لو كان وطنيا مقاوما ممانعا لكان أسدا في وجه الصهاينة لتحرير الجولان المحتل وليس احتلال سوريا والعمل على تحريرها من كل حر بطل مغوار وطني حقيقي لا يركع إلا لله ولا يستجيب إلا إلى نداء الحرية والكرامة والعدالة:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تنفر من صفير الصافر
يطلع الآن الرئيس السوري وهو يسحق الوطن والمواطن ليهدد العالم أجمع ويستهزئ بالقارات والدول العظمى والصغرى والهيئات ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الإعلام الحر ليصرخ ويصرخ بزعاق إرهابي ينكره الشعب الأبي أنه في حال التدخل الغربي العسكري فسيحدث زلزالا يدمر ويهلك البلاد والعباد بحرب إقليمية لا تبقي ولا تذر فهل تفهمون يا بشر، وكذلك فإنه يتوعد بنشوب الحرب الأهلية التي ستعيد بعث بل خلق أفغانستان جديدة في المنطقة، يا للأسف لمثل هؤلاء الذين يدعون معرفة السياسة وهي منهم براء تماما كوزير خارجيته وليد المعلم بفتح اللام الذي أراد أن يلغي أوروبا ويمحوها من الخريطة.
إن الأسد يريد بهذا الزئير الذي هو أقرب إلى الهرير أن يروع جامعة الدول العربية ومسؤوليها المجتمعين في الدوحة مع وفده الرفيع المستوى ناسيا أن الطبل الأجوف الكبير لا ينتج إلا صوتا فارغا وأنه لا قيمة لجعجعة بلا طحين. لكأن العالم بأسره مرهون له فكأنه إذا نبس بلهاته ارتجف منه وهذا شأن الجبان الرعديد لا شأن الشجاع الواثق بنفسه القوي المتوازن المتماسك وقد فرق العلماء في فهمهم للقوة والطغيان فاعتبروا مثلا أن فرعون كان طاغية ولم يكن قويا وأن موسى عليه السلام كان هو القوي ولو بدا أنه ضعيف أمام فرعون، ولذا كانت الغلبة له وأغرق الله جند فرعون ثم نجاه ببدنه ليكون آية للعالمين جميعا بعده، لقد كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى ذلك بقوله (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) لقد شن بشار بحماقته تلك هجوما لا مسؤولا اعترف به أنه إرهابي دولي ويصدر الإرهاب ثم يزعم أنه يريد حل الأزمة وأنها أزمة أخلاقية كما صرح في حديث سابق له، عجبا لمن يعطي الأمة درسا في الأخلاق وهو القاتل اللاإنساني الذي بينه وبين الخلق كما بين السماء والأرض ألا ليته فهم المثل التركي الذي يقول إذا فسدت السياسة ذهب السلطان، أو فهم حكمة الشاعر الحموي بدر الدين الحامد:
إذا كنت يا هذا قويا فلا تكن
غريرا فكم خيل بفرسانها تكبو
وليعلم أن الثوار أقوى منه فإن أقوى الأشجار ترتفع من بين شقوق الصخر وكما قال الأديب مصطفى صادق الرافعي: ومثله غاندي إن الحق أقوى من القوة وإن الشعب أقوى من الحكومة وفي نهاية الصراع فإن النصر للذي يحتمل الضربات لا للذي يضربها!
وكما قال جورج بومبيدو: آفة القوة استضعاف الخصم أو كما قال المتنبي:
لا تحقرن صغيرا في منازلة
إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
لقد مرد هذا الرئيس المزعوم على الوصولية والحقد والطغيان والإرهاب وجاء سرا لأبيه الذي اصطنع جبهة الصمود والتصدي كذبا وزورا فكانت لوأد المقاومة الحرة في الشام وقتل الناس وسجنهم من دون أن يعرف أحد أين هم وحتى هذه اللحظة أي في عهد الابن وكان ذلك بعشرات الآلاف في حماة وسجن تدمر وسجن صيدنايا وغيرها وحدثت أهوال تشيب لهولها الولدان ثم يقول بشار إنه يحاور المعارضة أي المنافقة وعلى رأسها قدري جميل الذي استقبله الروس لأنه مُوالٍ للنظام، ثم هل ننسى جرائم النظام ضد القوى الوطنية اللبنانية وامتداد مجازر المخيمات للفلسطينيين في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وكان كل هجوماته تصب ضد الأحرار وتنصر شارون والانعزاليين بشكل أو بآخر، إن التاريخ لن يرحم أبدا وحبذا لو عقل اخواننا الفلسطينيون ذلك إزاء نظام ما يسمى بالمقاومة والممانعة التي ظهرت وتظهر كما تحدثت جريدة الجمهورية اللبنانية التي كشفت الاتصالات الأسدية مع نتنياهو الذي أقر أن بقاء نظام بشار مصلحة إسرائيلية، وهو ما صرح به رامي مخلوف ان استقرار إسرائيل من استقرار سوريا فلا يلعبن بشار بالمصطلحات وأن الحرب الآن إنما هي بين القوميين والإسلاميين، إنه لم يسلم منه ومن أبيه أحد وأن الاخوان المسلمين بتاريخهم الناصع حجة على الطغاة أمثاله.
ولن ينفعه الحلف مع حزب الله وإيران والاستقواء بقوة روسيا والصين، فالثورة أقوى منهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1068
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1002
| 07 يناير 2026