رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيرة هي الدورس التي تلقاها خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة لكن قليلة بل معدومة الاستفادة منها.. كم تمنينا أن ينجو خليل وجماعته من تهور ورعونة عاصفة التوثّب ضارية.. لم يرعوي الرجل رغم هزائمه النكراء واتضاح خطل تقديراته السياسية والعسكرية.. كان إعلان القوات المسلحة عن مقتل خليل بمثابة إسدال الستار على لعبة خطرة مارسها خليل طيلة (8) سنوات، حين أعلن في العام 2003، تمرده وتكوينه لحركة العدل والمساواة بعملية استهدفت مطار مدينة الفاشر، دمر خلالها كثيرا من الطائرات والمنشآت، وقتل فيها عددا من رجال الشرطة والجيش والمدنيين.. ارتكزت الحركة في قيامها على أسس جهوية حين كون 25 عضوا من دارفور لجنة لجمع معلومات عن الوظائف القيادية في الدولة ومن يشغلها وما هي قبائلهم وأعراقهم، وكانت النتيجة هي إصدارهم (الكتاب الاسود) الشهير في مايو عام 2000م، كوثيقة تثبت من وجهة نظرهم استحواذ اهل وسط السودان، بل قبائل معينة في هذا الوسط على كل مفاصل السلطة.. في العام التالي 2001م، أصدرت الحركة الجزء الثاني من الكتاب الأسود وبثته على موقعها على شبكة الإنترنت داعية لمحاربة التهميش في السودان، وعقد مؤتمر جامع تشارك فيه الحركات الجهوية لمعالجة ما أسمته بالمظالم والمآسي التي ارتكبتها في حق السودان والسودانيين مجموعة صغيرة من الحكام.
حادثة مقتل خليل رفعت درجة حرارة الأجواء السياسية بكشل خطير.. عقب يوم من مقتل الرجل وبعد أن أدى المصلون صلاة الفجر في مسجد حي المنشية وهو أقرب المساجد لمنزل زعيم المؤتمر الشعبي د. حسن عبد الله الترابي، التهبت مشادة (حادة) أشعلها أحد أنجال الترابي.. عقب الصلاة مباشرة وبعض النفوس يؤزها خبر مقتل خليل أزا.. قام شيخ يبدو عليه الوقار يتحدث ملمحا للحادثة دون أن يذكر خليل أو الإشارة إليه بالاسم، متناولا العبر والدروس التي يمكن الاستفادة منها في شأن الموت والحياة.. فجأة وبدون مقدمات قام نجل التربي غاضبا ومنفعلا بشكل لافت واتجه مباشرة نحو المتحدث وهو بين يدي الإمام.. قال الابن الغاضب وهو يرفع سبابته في وجه المتحدث وبصوت مرتفع: (أنت منافق كلكم منافقون.. خليل شهيد.. شهيد).. ثم خرج الابن مسرعا تكاد تسمع دقات قلبه من فرض الانفعال العنيف والمفاجئ.. الشيخ مضى مدافعا عن حديثه ومحذرا من رمي الناس بخصلة النفاق هكذا جزافا.. ثم قام د. بشير آدم رحمة وهو قيادي بحزب المؤتمر الشعبي وهو من سكان تلك المنطقة على ما يبدو وأحد المصلين المداومين في هذا المسجد.. رغم أن الرجل بدا أكثر تعقلا وهدوءا لكنه لم يستطع أن يصبر حتى يخلص الرجل الشيخ من كلامه ووقف بجانبه يقول له يطلب منه بعصبية الكف عن الحديث.. وعندما انتهى الرجل بدأ رحمة في الحديث مستنكرا ما أسماه (بتسيس) المساجد.. كما تحدث عن الحكام الطغاة ناقلا رؤية حزب المؤتمر الشعبي فأتى بفعل نهى عنه وأستنكره.
هذه الحادثة التي تابعتها حضورا، أبانت عكست تأثير مقتل خليل (العاطفي) على عدد من الناس خاصة أعضاء المؤتمر الشعبي.. ولم تكن زيارة د. الترابي وأبنتيه معزين لأسرة خليل في حي عد حسين جنوب الخرطوم وبقائه هناك زهاء الساعة، إلا تأكيدا لهذا الارتباط.. نشير إلى أن حركة العدل والمساواة صُنِّفت على أنها الذراع العسكرية لحزب المؤتمر الشعبي، فيما كان خليل يعوّل على الترابي لكي يكون منبراً سياسيا في الخرطوم لمطالب حركته.. نعم تقديم العزاء واجب لكن لا أظن أن منسوبي المؤتمر الشعبي قيادة وأفرادا تنادوا معزين في ضحايا عملية أم درمان التي قادها خليل في مايو 2008م وأسماها بالذراع الطويلة.. عشرات الضحايا سقطوا نتيجة لتلك المغامرة التي دعمها بالكامل زعيم ليبيا السابق معمر القذافي.
مقتل خليل لابد أن يكون مدخلا لمرحلة جديدة، عنوانها السلام.. لا أعتقد أنه من الحكمة أن تأخذ الدولة تصريحات جبريل إبراهيم الأخ غير الشقيق لخليل مأخذ الجد، فهي تصريحات مفهومة في مثل هذه الظروف العصيبة.. جبريل قال أنه (لن يكون هناك تفاوض بعد طريق القتل الذي سلكته الحكومة).. وهذا يجعل البعض يرجح بقاء خيار التصعيد العسكري قائماً لدى الحركة.. جبريل أكد كذلك إلتزام حركته بما جاء في ميثاق كاودا (إسقاط النظام في الخرطوم)، طالما كان الآخرون ملتزمون بالعهد (يقصد الحركات الأخرى الموقعة على الميثاق).. لابد أيضا أن تفهم تصريحات قادة الحركة بشأن طريقة مقتل قائدهم ودفنه في محاولة للتقليل من ما أعتبرته القوات المسلحة انجازا عسكريا، يدخل في باب التعويض النفسي لما أصاب الحركة في مقتل.
السؤال المطروح من هو بديل خليل إبراهيم؟.. ليس من السهل التكهن بذلك لكن قبيلة خليل مثّلت الرافد الأول لحركته، والتي كانت كذلك في نظر البعض سبباً في إعاقة الحركة من الوصول إلى أهدافها.. كثيراً ما شعر غير المنتمين إلى تلك القبيلة بالغبن تجاه قيادة الحركة، بعدما حصرت المناصب العليا في بطن واحد من بطون القبيلة حيث تتحدر منها عائلة خليل.. بيد أن ذلك تسبّب في حالة التشظي التي عانت منها الحركة لسنوات وخروج قادة مؤثرين من دائرة الفعل في الحركة.. مواقف (التحدي) التي أعلنها جبريل في ظل مجرى الأحداث الطبيعي نحو السلام، فضلا عن حالة التذمر من حصر القيادة في أسرة واحدة، معطيات قد تبعد جبريل إبراهيم من قيادة الحركة.. عموما أعلنت الحركة مؤخرا تولي الطاهر الفكي رئيس المجلس التشريعي للحركة، رئاسة الحركة لمدة (60) يوماً، وخلال هذه المدة تنتخب حركة العدل والمساواة رئيسها الجديد خلفاً لخليل إبراهيم.. الرئيس الجديد المؤقت الجديد خريج جامعة الخرطوم كلية الطب، وابتعث لجامعة إدنبرة ببريطانيا للتخصص في الطب قبل قيام حكومة الرئيس البشير لكنه فشل في ذلك، ويتميز الفكي بعلاقات جيدة مع المنظمات اليهودية التي تتكفل بالكثير من منصرفاته، وسبق أن أعلن ردَّته عن الإسلام في ندوة عن اتفاقية السلام الشامل بجامعة أكسفورد في بريطانيا في مايو الماضي.
لم يستفد خليل إبراهيم أو يعي الدورس والسياسي الحذق وربما السياسي العادي يستطيع أن يقرأ ويحلل الأحداث والتطورات المتعلقة بدارفور داخل وخارج السودان ويصل بكل بساطة إلى ما يجب فعله وقياس الأمور بمقياس العقل والمنطق.. أغرب مواقف الحركة إعلانها مطالبتها بحق تقرير المصير في دارفور وكردفان؟!.. سذاجة موقف الحركة ليس في المطالبة بحق تقرير المصير فحسب وإنما في اقحام منطقة كردفان في الأمر.. إن كانت حركة خليل حركة عنصرية تتمحور حول انتماء قائدها لقبيلة معينة فكيف تطرح نفسها كممثل لمنطقة دارفور دعك من منطقة كردفان؟!.. كذلك تعاملت حركة العدل والمساواة باستعلاء كبير جدا مع الحركات الدارفورية الأخرى ورفضت أن تشاركها في المفاوضات مع الحكومة لأنها في نظرها حركات بلا وزن وهي فقط التي يحق لها التفاوض باسم دارفور مع الحكومة.. إذا كان هذا حال الحركة مع الحركات الأخرى فيمكن استنتاج أن خليل يريد أن يقول أيضا أن أسرته لا قبيلته فحسب هي التي يحق لها أن تتحدث باسم أهل دارفور.
المعارضة المسلحة في كل الدنيا لا يتم التعامل معها إلا بالحسم العسكري، ليس هناك من دولة عاقلة تتسامح مع عمل معارض مسلح.. كثير ممن تصدى للعمل السياسي في السودان وقع في خطيئة الخلط بين الدولة والحكومة فتستحيل الفواصل بين الاثنين إلى سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026