رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثقافة وفنون

914

الروائي عماد البليك لـ"عراجين الشرق": الرواية درجة معمقة لهذا التمسرح المستمر

04 نوفمبر 2015 , 10:35م
alsharq
حاورته هاجر بوغانمي:

راجت في الآونة الأخيرة أصداء عن ترشح رواية "شاورما" للكاتب والصحفي السوداني عماد البليك لجائزة البوكر العربية، حيث أفادت إدارة البوكر الناشر (مومن) بالمملكة المتحدة بأن الرواية تم قبولها للترشيح ضمن 159 رواية عربية ستخضع للتصفية عبر اللجان إلى حين إعلان القوائم المختصرة في يناير وفبراير القادمين.

في خضم هذه الأصداء يقف عماد البليك على تخوم المشهد السوداني.. يستدعي ذاكرة المكان وشواهده.. تستفزه الكتابة وتغويه الشخوص، فيستجيب بلا تردد، معلنا ميلاد رواية جديدة.

صدر للبليك "الأنهار العكرة"، و"دنيا عدي"، و"دماء في الخرطوم"، و"القط المقدس"، و"شاورما" هذه الرواية التي شغلت العديد من النقاد العرب، وكثر الحديث حولها في الفترة الأخيرة بعد أن راجت أخبار حول ترشحها للبوكر العربية.

(قزحيات الشرق) التقاه في زاوية من المشهد السردي العربي فكان الحوار التالي:

هل كتبت "شاورما" على مقاس البوكر، وما هي هذه المقاسات إن وجدت؟ أم لكي تشهد على العصر؟

كتبت الرواية لأنني أحببت أن أكتبها، وكما أكتب عادة، وحتى إذا أراد كاتب أن يصمم رواية لأجل البوكر فسوف يفشل، لأن طبيعة الجائزة متغيرة اللجان وليست لها هوية معينة في اختيار الروايات الفائزة، فـ"الطلياني" التي فازت هذه السنة لا يمكن بأي حال أن تشبه "فرانكشتاين في بغداد" للعام السابق، أو "ساق البامبو" أو غيرها. وهذا تنوع جميل وثري. لكن توجد مسابقات يمكن تصميم الكتب لها والفوز بها، لأن لها أيديولوجيا معينة تكون مرات صارخة. أما أن أكون شاهدا على العصر فذلك في تقديري عمل من المفترض أن تقوم به أي رواية أو نص إبداعي، لكن بعيدا عن قصيدة التأريخ.

"شاورما" هي الرواية الخامسة بعد "الأنهار العكرة"، و"دنيا عدي"، و"دماء في الخرطوم"، و"القط المقدس". هل هي استكمال لرباعية؟

ليست رباعية، كل رواية لها هوية وفضاء وأفكار وشخوص مختلفة، لا أميل للروايات المسلسلة وإن كتبتها فسوف تحمل عنوانا واحدا وعناوين فرعية مثلا، وفي موضوع ملحمي كأن أكتب رواية عن تاريخ بلدي خلال قرن كامل. لكن يمكن القول إن هذه الروايات تنطلق من مساحة وعي مشتركة وهمّ واحد هو البحث عن الخيارات الأفضل للإنسان في هذا العالم، وهي عملية يقوم بها الأدب دائما أن يجعل العالم أكثر جمالا، إن استطاع ذلك. وهي في الخلاصات تعبر عن تجربتي في العالم وصورتي عن الوجود وفلسفتي في الحياة.

تقوم رواية "شاورما" في جانب مهم منها على السخرية، وهو أسلوب أصبح مكشوفا في تجربة عماد البليك الروائية. هذا الأسلوب يبدأ من العنوان ثم يتفرع داخل النص ويتمظهر في مستويات وأشكال عدة. هل هو هروب من القوالب الجاهزة؟ أم اختيار مقصود للتعبير عن موقف؟

قد تكون هذه الملاحظة صحيحة، غير أني لا أستخدم سخرية مباشرة في أعمالي، بظني أن الحياة في حد ذاتها مأساة يعيشها الإنسان بغض النظر عن موقعه الاجتماعي أو المعرفي، كلنا أسرى هذه التراجيديا والسخرية المبطنة. الرواية هي درجة معمقة لهذا التمسرح المستمر لقلق الكائن ورغبته في أن يصبح "أنا" ثم عجزه، إلى أن يحمل على آلة حدباء. أما القوالب فيفرضها المضمون وحركة النص، شخصيا لا أقوم بتصميم قالب مسبق للرواية، قد أكون حاملا للفكرة العامة أو الهيكل، لكنه هيكل مطاطي يتشكل وفق هوى الكتابة في لحظتها وإغواء الشخوص والسرد.

في الرواية تسريبات سياسية وأيديولوجية تبدو مقصودة، ما مدى جدواها في البحث عن الذات وسؤال الهوية؟

الكاتب يقدم مشروع حياة وتصورا لعالم، حتى لو كان متخيلا فهو ينطلق من بنية الواقع، وهنا لا يمكن لأي إنسان أن يتحرر من معتقدات وقيم يؤمن بها، هذا هو مفهوم التسريب كما أراه، وأن يأتي بشكل غير إقحامي أو مفتعل، فليست مهمة الروايات أن تقوم بأدوار بطولية كبرى في زعمها تغيير العالم أو نقل الحياة السياسية والاجتماعية، كما أنها ليست أوعية لتفريغ رسائل سياسية أو عقائدية، الرواية فن والفن استعارة تعمل لنفسها خارج هذا التقييد المضلل. أما وجود هذا النوع من "التسريب" وبالشكل المعقول، فهو يخدم في الإجابة عن الأسئلة المتكررة حول الأنا والهوية، وطبيعة الحياة، ومن ثم أسئلة التاريخ وحركته المعقدة وتأثيره على تشكيل الذات المجتمعية والدولة وغيرها من صور لا حدود لها.

هناك استثمار لذاكرة المكان وأيقوناته في "شاورما".. هذا الاستثمار تحول إلى سؤال وجودي، هل تروم من خلاله إرباك القناعات والمسلمات أم ترميم الخراب في جميع أبعاده؟

المكان هو الإنسان وهو العقل والحقيقة في بعض الأحيان، وهذا يتعلق بتعريفنا لماهية المكان الذي هو شيء معقد، مرات لا يكون له وجود إلا في حيز الذاكرة، لأن المكان يتغير باستمرار كما تتغير رؤيتنا له. في "شاورما" تم تجريد المكان لفضاء عام حتى لو أن الملمح الأساسي هو البيئة السودانية، هذا التجريد ربما هو الذي يطرح مفهوم الأيقونة، كما تشيرين إليه، لأن الأيقونة وليدة الطرق المستمر على الأشياء وإعطائها الطابع الرمزي وحذف الدلالات التي تزعم قولا نهائيا – هو - في جوهره مغلق وعشوائي وغير مكتمل. على العكس فإن التجريد والأيقونة هما فضاء الاكتمال وهذا ما نجده في روح التجربة الإنسانية في الفنون والدين والفلسفة، في محاولة تبسيط العالم من خلال الوعي به. بذلك فإن ما يحدث هو مزيج من الإرباك والترميم وأحيانا الهدم الكامل للمكان. إن التصور عن المكان كما في "شاورما" هو رغبة في إعادة الوعي به ومن ثم إعادة تركيبه وتشكيله، أي نقد هذا المكان وفاعليته وتاريخه ويعني أيضا عدم الرضا لطبيعته الحالية والخوف على مآلاته، التي هي إناء أكبر لكل المسلمات والمعتقدات.

ما مشروعك القادم؟

أفكر في أكثر من مشروع، ومرات أكتب أشياء كثيرة ثم أنساها. يشغلني حاليا موضوع المهاجرين إلى أوروبا أو موسم الهجرة الثاني، كما أسماه الكاتب المصري الدكتور جلال أمين في مقال بعنوان "ماذا حدث لموسم الهجرة إلى الشمال؟" نشر مؤخرا. هذه القضية هي انعكاس ليس لمجرد الحرب والعنف، بل هي مرآة لوقائع أكثر عمقا تتعلق بالشرخ الذي يعاني منه واقعنا. كما هي تشير إلى إعادة بناء مفاهيم، كالوطن والحرية والحياة وجدوى الوجود، لا أدري ربما يتبلور مشروع من ذلك قريبا.

مساحة إعلانية